دخلت عليه الغرفة وجدته نائم على فراشه لكنها  شعرت انه يفترش قلبها . ترددت في إيقاظه . ثم عادت لتصرع خوفها لأنها كانت تخشى من شعورها الذي ولد في هذه اللحظة أن يفتُر . نداء الأمومة كان يأرجحها  بين الواجب وبين الخوف من فقده .

استغرقت للحظات طويلة وهي تتأمل رحلتها في الحياة . وسعادتها بوجوده , أنجبت قبله ثلاث بنات . حتى أشرق بوجهه القمري ليمنحها فرحة لطالما انتظرتها . لم تنجب بعده وكأنها اكتفت به عن كل شيء . لم تتعمد تمييزه عن أخواته . لكنه كان يداعب قلبها بجماله , وكأنه يعرف نقطة ضعفها فيبالغ بحبها وطاعتها . حتى كبر وهو باراً بها . لم يعترض أبداً على تحقيق حاجة أو رغبة لها .

حينما تركته غاضباً بعد أن أثنت عزمه وحالت بين رغبته بالالتحاق وبين رضاها عليه . خرجت لتتنفس وتهرب من دمعة لمحتها في عينيه هشمت قلبها وحطمت دفاعاتها . كانت على وشك أن تقول له أمضي يا ولدي ولا أبقاني الله لأبكيك ولا أعدمني ابتسامتك . لكن لسانها أعجزها عن النطق .

تجولت في الحي وهي تسير على غير هدى تنقلها الأزقة وتقلبها الحيرة . تتساءل بوجع كيف لأم أن تبارك التحاق ولدها لساحة الحرب ؟ كيف يمكنها أن تتقبل احتمال فقده ؟ هل أنا عاصية لأمر ربي ؟ هل يغفر الله لي ذنب وهو من ربط قلبي بالأمومة  ؟

لم تجد أجوبة تشفي لوعتها . وبينما هي في طريق عودتها للبيت وهي في منتهى الخجل من موقفها تجاه التحاق ولدها ورغبته الملحة في تلبية نداء الحسين ونصرته . رأت بعض النسوة يدخلن أحد الجوامع القريبة لحضور مجلس عزاء . فدخلت وهي تنشد الدموع لتطفئ لهيب حسرتها .

جلست في أحد أركان الجوامع وأخفت وجهها بعباءتها وأغمضت عيناها . وأنصتت بفؤادها المكبل بالخوف . كان حديث المجلس عن دور المرأة في واقعة الطف . وتحديداً عن موقف السيدة الجليلة أم وهب . حينها نفذ الحديث إلى روحها كالسهم القاتل . وظلت تردد في سرها : أم تحمل رأس فلذة كبدها وترميه لأعداء الله بداعي أن من نهبه لله لا نسترده ! أي عقيدة هذه ؟ وأي قلب عامر بالبصيرة ؟ وأي غفلة أوقعتني في شراكها ؟

نهضت سريعاً لتعود إلى البيت بعزم أم وهب . وتستغل لحظة اندفاعها بعد انفجار عيناها بدموع أطفأت لهيب ثورتها المناهضة لرغبة ولدها في الذود عن حرم الوطن .

في هذه الأثناء كان قد فتح عينيه ليجدها تتطلع فيه وهي تمطر زمزم الدمع فظن أنها مازالت غاضبة منه فنهض سريعاً وخاطبها بلهجة منكسرة :

- أرجوكِ كفي عن البكاء لا أطيق دموعك . سامحيني لأني أبكيتك .

- بني فلتسامح قلبي أنت .. لأني وهبتك لله ولن أستردك !

 

إيمان كاظم الحجيمي

مواضيع ذات صلة