" الشهادة ليست مصادفة " ... جملة استوقفتني كثيرا ، ورحت ابحث عن مصاديقها في بيوت الشهداء ؛ واحدا تلو الآخر ، في محاولة مني لفهم التوفيق الذي يختص الله به عباده وهو يمنحهم كرامة الأبد وشفاعة ﻻ ترد.

رافد عبد الواحد فرج اللامي .. شهيد اخر على درب الفتوى لحفظ الوطن والمقدسات ، شهيد أدرك قيمة طريقه وهو يوصي من بعده بالثبات وإسناد الفتوى وملازمة درب الحسين عليه السلام .

بيت متواضع صغير ؛ لم تكمل نواقص بناءه بعد ... وثمة حاجات هنا وهناك ؛ أغفل إنجازها ؛ فالوقت ﻻ يسمح له بالكثير..  وها هما أخواه .. احدهما في الحشد وأخر مرابط مع قوافل الدعم التي يجهزها جامع القرية ومتبرعوها للمتطوعين على السواتر .

اسمع من زوجته ؛ عزمه الذي ﻻ يلين حتى بعد تعرضه لإصابة في إحدى المعارك ، ثم التحاقه سريعا بعد أن تماثل للشفاء !!!

رافد ؛ ورغم كل ذلك ؛ كان يشكر الله ، بعد أن وعى ببصيرته هوان الدنيا وعظم الاخرة ، وإلا من ذا الذي يترك ولده اليافع الذي لم يبلغ الحُلمُ بعد ؛ وحيدا في هذه الحياة ! ربما هي ثقته بالله عز وجل وأنه يتولى رعاية اوﻻد الشهداء ، أذن فولده بأمان .

علي الصغير ؛ كان ولدا جميلا بكل ما للكلمة من معنى، أنيقا بكلماته الوﻻئية وصدق تعبيره وهو يستقبل المعزين فيزيدهم عزما وفخرا .

ولدُ علي بعد اثنا عشر سنة زواج ؛ ولم يرزق غيره ، وكأن الله عز وجل قد ذخر له هذه الدرة الثمينة..  كنت انظر اليه يلوذ بوالدته كعصفور صغير ! يلامس جسدها المنهك بالحزن والدموع ، يهمس بإذنها بكلماته فتمسح الدمع فورا ! ﻻ اعرف .. أتشفق عليه أم تخجل منه ؟ لكنها كانت تقول : " هو كوالده ﻻ يتحمل ان ابكي امامه " ! .

ولكن علي كان اكبر مما تصورت بكثير..  عرفته حين قرأتُ الرسالة التي سطرها أمامي في إحدى زوايا المنزل كلمات وﻻئية ﻻ يجيدها غير رجل وقف على ساتر القتال..  سألته :

ـــ   من اين لك هذا العزم ؟! اما كنت تخاف على والدك من الموت ؟

أجابني بسؤال ابلغ ! حين قال :

ـــ   كان والدي يعرف طريقه وينظر عروجه الى حيث النبيين والصديقين ، فكان يستعجل قدره وينتظره على أحر من الجمر فنراه يرتدي زيه في ليلة الالتحاق ليصبح به مهيئا وﻻ تؤخره الدقائق واللحظات .

ابعد هذا عليّ ان استغرب تلك الجملة حقا ؟ فالآن قد عرفت ان " الشهادة ليست مصادفة " ، بل كرامة تليق بمن ينتظرها ويصبو إليها بل ويسعى صوبها ، وها هو رافد قد حملها في روحه بعزم .

كلمات تلك الرسالة شغلتني عما كان يدور حولي ! فلم انتبه لكل ما دار من حديث ، الا اني سمعت والدته تعقب : " انه كان مدانا بمبلغ من المال لابن خالته وزوج أخته لم يسعه الحال والوقت لردها ، فما كان من هذا الاخير الا ان يستقبل النعش بعبرة الاعتذار وحسرة الفراق ليعلن أمام الملأ ان " دين الشهيد وصل ، مبرئ الذمة يا رافد فلا تحمل هم شيء ؛ وأنت تصعد الى الله " .

لبنى مجيد حسين

مواضيع ذات صلة