سننطلق في بحثنا هذا من سورة النورالتي اختصت بالعفة والطهارة والحجاب، وتطهير الناس من جميع الانحرافات الجنسية ، وسنتناول في تفسير الآية الجزء الذي يتعلق بالنساء وهو قوله تعالى: 

(  وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ...﴾ سورة النور آية 31

كلمة «يغضضن» مشتقّة من (غضّ) من باب (ردّ) وتعني في الأصل التنقيص، وتطلق غالباً على تخفيض الصوت وتقليل النظر؛  فالآية لم تأمرأن يغمض المؤمنون عيونهم ، بل أمرت أن يغضّوا من نظرهم ، وهذا التعبير الرائع جاء لينفي غلق العيون بشكل تام بحيث لا يعرف الإِنسان طريقه بمجرّد مشاهدته الجنس الآخر بل الواجب عليه أن لا يتبحّر في النظر وأن يرمي ببصره إلى الأرض، فيصدق عليه بذلك أنه غضَّ من نظره .

وممّا يلفت النظر أنّ القرآن الكريم لم يحدد الشيء الذي يستوجب غضّ النظر عنه ، (أي أنه حذف متعلّق الفعل) ليكون دليلاً على عموميته ، أي غضّ النظر عن جميع الأشياء التي حرم الله النظر إليها .

وقد اختلف المفسّرون في تعليل وجود (من) في جملة (يغضوا من أبصارهم) ولكن الظاهر إنّها للتبعيض .

ثمّ أشارت الآية إلى مسألة الحجاب في ثلاث جمل :

1 .  ( ولا يبدين زينتهن إلاّ ما ظهر منها ).

اختلف المفسّرون في تفسير الزينة التي تجب تغطيتها ، والزينة الظاهرة التي يُسمح بإظهارها ، قال بعض المفسرين قد خصّ المنع أدوات الزينة عندما تكون على الجسم ، وبالطبع يكون الكشف عن هذه الزينة مرادفاً للكشف عن ذلك الجزء من الجسم ؛ وعلى هذا فلا يحق للنساء الكشف عن زينتهن المخفية ، وإن كانت لا تُظهر أجسامهن، أي لا يجوز لهن الكشف عن لباس يتزيّن به تحت اللباس العادي أو العباءة ، وذكرت الأحاديث التي رُويت عن أهل البيت (عليهم السلام) هذا المعنى، فقد فسّروا الزينة المخفية بالقلادة والدملج وهو حلي يشدُّ أعلى الساعد ، والخلخال .

وفسّرت أحاديث عديدةُ أُخرى الزينة الظاهرة بالخاتم والكحل وأمثاله ، لهذا نفهم بأنّ المراد من الزينة المخفية الزينة التي تحت الحجاب .

2.   وثاني حكم ذكرته الآية هو: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) وكلمة (خُمُر) جمع (خِمار) على وزن (حجاب) في الأصل تعني (الغطاء) ، إلاّ أنّه يطلق بصورة اعتيادية على الشيء الذي تستخدمه النسوة لتغطية رُؤوسهن ، و( الجيوب ) جمع (جيب على وزن (غيب) بمعنى ياقة القميص، وأحياناً يطلق على الجزء الذي يحيط بأعلى الصدر لمجاورته الياقة .

ويستنتج من هذه الآية أنّ النساء كنّ قبل نزولها ، يرمين أطراف الخمار على أكتافهن أو خلف الرأس بشكل يكشفن فيه عن الرقبة وجانباً من الصدر، وكما نقول بالمصطلح الحديث إن الموضة كانت في تلك الايام لبس الخمار بهذه الطريقة ؛ فأمرهنَّ القرآن برمي أطراف الخمار حول أعناقهن أي فوق ياقة القميص ليسترن بذلك الرقبة والجزء المكشوف من الصدر .

3.   والحكم الثالث في الآية يتعلق بالأشخاص الذين يمكن للمرأة من كشف زينتها أمامهم .

4.   وتبيّن الآية رابع الأحكام فتقول : (ولا يضربن بأرجلهنّ ليعلم ما يخفين من زينتهنّ) أي على النساء أن يتحفّظن كثيراً، ويحفظن عفّتهنّ، ويبتعدن عن كلّ شيء يثير نار الشهوة في قلوب الرجال، 

ويجب أن يراقبن تصرفهن بشدّة بحيث لا يصل صوت خلخالهن إلى آذان غير المحارم ، وهذا كله يؤكّد دقّة نظر الإسلام إلى هذه الأُمور.

وانتهت الآية بدعوة جميع المؤمنين رجالاً ونساءً إلى التوبة والعودة إلى الله ليفلحوا (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) وتوبوا أيّها الناس ممّا ارتكبتم من ذنوب في هذا المجال، بعدما اطلعتم على حقائق الأحكام الإسلامية ، وعودوا إلى الله لتفلحوا، فلا نجاة لكم من كلّ الانحرافات الخطرة إلاّ بلطف من الله ورحمته ، فسلّموا أمركم إليه .

بعد معرفة تفسير الآية القرآنية فإنّ النقاش يدور حول هذا السؤال : هل يجب بقاء النساء في سباق لا نهاية له في عرض أجسامهنّ، وتحريك شهوات وأهواء الرجال؟ أو يجب تصفية هذه الأُمور من أجواء المجتمع، وتخصيصها بالأُسرة والحياة الزوجية ؟

الإسلام يساند الأسلوب الثّاني ، ويعتبر الحجاب جزءاً من هذا الأُسلوب، في الوقت الذي يساند فيه الغربيون والمتغربون الشهوانيون الأُسلوب الأوّل ؛ إن عبارة (ذلك أزكى لكم) التي جاءت في الآية السابقة تشير إلى هذه المسألة .

والآن لنحاول الربط بين الآية الكريمة وبين الحداثة والتطور التي ينعق بهما الغرب وذلك من خلال موضوع يناقش مسألة تعلق فتياتنا الشديد بصرعات الموضة .

فلا شك أن زي الفتاة ومظهرها دليل عفتها وطهارتها ، ومن خلال ما تلبسه المرأة يمكن في أكثر الأحوال الحكم على نوع ما تحمله من فكر وخلق .

ولا يستطيع أحد أن ينكر أن المرأة كلما كانت محتشمة في زيها متأدبة في مشيتها مع وقار في هيئتها فإن ذلك ينم عن داخل نقي ، ومنبت زكي ، ونفس طاهرة ، وبقدر ما يظهر ذلك على الفتاة بقدر ما تبتعد عنها أفكار وتطلعات مرضى القلوب ، ولصوص الأعراض .

والفتاة التي تتفنن في إظهار مفاتنها من خلال الموضات المثيرة التي تظهر أكثر مما تخفي سواء بإظهار مفاتن البدن من خلال لبس الأزياء العارية أو الضيقة التي تصف تقاطيع البدن أو الخفيفة التي تشف عما تحتها أو من خلال الموضات الصارخة والغريبة التي تلفت الانتباه ، وتعلق عين الناظر مما يعرّضها لخطر هي في غنى عنه .

والغريب أن فتياتنا وبناتنا بتن يلهثن وراء الموضات في سعار غريب ورغبة محمومة للبحث عن كل جديد حتى وإن كان يخالف شريعتنا بل وأعرافنا أيضاً ، وفي كثير من الأحيان تكون الحالة المادية للأسر لا تسمح بمثل هذا التطرف في اختيار الموضات الذي تصر عليه  فتياتنا بحجة الظهور بالمظهر اللائق وعدم الإحراج أمام بقية البنات في المدارس الجامعات  أو الزميلات في العمل ، وهذا سيوقعها بإثمين إثم الحرام ، وإثم الاسراف والتبذير فيما لا نفع فيه .

لقد وصل الحال في بعض البلدان الإسلامية  أنك لا تستطيع أن تفرق بينها وبين بلاد الغرب ؛ وهذا نذير شؤم أن يصل حال نسائنا يوما إلى ما وصل إليه  حال نسائهم  .

نعلم ان هذا الكلام لا يعجب دُعاة التحرر وحملة لواء الاختلاط ودعوات المساواة ، وغيرها من المسميات المزيفة ، الذين يرون في عفة المرأة  تخلفاً عن طريق المدنية ، وانتكاساً في المنظومة الفكرية .

وربما لا يعجب هذا الكلام أيضاً بعض الفتيات ظناً منهن أن هذا تعدٍ على آرائهن التحررية ، وحريتهن الشخصية. أو يرين أن الواقع على خلاف ما نقول وأن نظرتنا نظرة تشاؤمية أو مبالغ فيها ، او متخلفة ورجعية  ؛ ولذلك سنترك الكلام لمن سبقنا في هذا التحرر المزعوم واكتوى بناره ؛ فكانت العاقبة ما أظهره استطلاع أجرته منظمة العفو الدولية في لندن ، وشمل نحو 1000 رجل وامرأة .

كانت النتيجة أن السبب الأساسي لجرائم الاغتصاب التي يشهدها الشارع البريطاني، تعود لـ(عبث المرأة ) و ( لباسها الفاضح ) ، لتتحمل بذلك مسؤولية تعرضها للاعتداء .

وقد تفاجأ المشاركون في الاستطلاع بأن معظم جرائم الاغتصاب لا تتم من قبل غرباء كما كانوا يعتقدون، حيث تظهر الوقائع أن 80% من هذه الاعتداءات تحدث من قبل أصدقاء ، أو أشخاص معروفين من قبل الضحايا ! .

وأعربت المشرفة على الاستطلاع ( كات ايلين ) ، عن قلقها الشديد تجاه هذه الأرقام ، مشيرة إلى ضرورة اتخاذ الحكومة البريطانية خطوات تجاه هذه الجرائم ، ولفتت إلى أن أغلبية المشاركين في الاستفتاء يعتقدون أنه توجد أكثر من (10 آلاف ) امرأة تتعرض للاغتصاب سنوياً ، بينما يتجاوز الرقم الحقيقي لحالات الاغتصاب الـ ( 50 ألف امرأة ) سنوياً ، أما الولادات غير الشرعية في بريطانيا بلغت بحسب إحصاءاتهم خمسمائة ألف طفل كلّ عام ، ومن النتائج التي خلص إليها الاستطلاع ، اعتبار 30 %  أن العديد من النساء يتحملن مسؤولية تعرضهن للاغتصاب لأسباب عدة منها اللباس الفاضح ، والمظهر المثير .

ومن هذا الاستفتاء نعلم أن هناك (137) حالة اغتصاب يومياً ؛ ولذلك ضج الغيارى وأصحاب العقول وأولياء الأمور في الغرب وضاقوا ذرعاً بما وصل إليه حال المرأة هناك ، وبدأ الكثيرون يطالبون باتخاذ إجراءات لإصلاح الأحوال في الوقت الذي يسعى أناس في بلادنا لنبدأ نحن الطريق من أوله بل من آخره إذ إن نهاية المرأة الغربية هو ما يريد دعاة السفور أن يكون بداية للمرأة المسلمة والعربية هذا بالإضافة إلى الإحصاءات التي تبين ارتفاع نسب الطلاق وتفكّك الأُسرة في العالم ، أمّا في البيئة التي يسودها الحجاب (والتعاليم الإسلامية الأُخرى) فالعلاقة وثيقة بين الزوج وزوجته ، ومشاعرهما وحبهما مشترك .

إنّ تعري النساء وما يرافقه من تجميل ودلال ـ وما شاكل ذلك ـ يحرك الرجال ـ خاصّة الشباب ـ ويحطّم أعصابهم، وتراهم قد غلب عليهم الهياج العصبي، وأحياناً يكون ذلك مصدراً للأمراض النفسية كما يقول الأطباء ؛ خاصّة إذا لاحظنا أنّ الغريزة الجنسية أقوى الغرائز في الإنسان وأكثرها عمقاً، وكانت عبر التاريخ السبب في أحداث دامية وإجرامية مرعبة ، حتى قيل: إنّ وراء كلّ حادثة مهمّة امرأة ! .

وهذا سيرجعنا للحلقة الأولى التي تركناها وغفلنا أو تغافلنا عنها لأن الله سبحانه أعلم بما يصلح العباد والبلاد والرجال والنساء، فأمر المرأة أن تخفي مفاتنها وتستر نفسها عن كل من لا يحل له النظر إليها وهي قوله تعالى الذي أوردناه في أول البحث .

فأمر الله المسلمة بالحجاب الذي هو علامة العفاف والطهارة يستر جميع بدنها ،  لا يشف، و لا يصف، ولا يشبه ملابس الكافرات، ولا ملابس الرجال، وليس بزينة في نفسه ، ولا بثوب شهرة ؛ فلا يلفت نظراً ولا يبعث على ريبة ؛ فإذا رأى منها أحد هذا الظاهر لم تطمح إليها عينه ولم يطمع فيها قلبه ؛ فيحفظها حجابها ووقار ثيابها من التعرض للمعاكسات وسماع كلمات الغزل النابيات أو التعرض لها بما هو أكبر من ذلك ، وحتى لا يكون شباب المرأة  وجمالها وكأنّه المصدر الوحيد لفخرها وشرفها، فلا يبقى لها من إنسانيتها سوى أنّها أداةٌ لإتباع شهواتِ الآخرين .

ومن كل بحثنا وحديثنا السابق نستنتج أن حجاب المرأة تشريف وتكريم لها، وليس تضييقاً عليها، بل هو حلّة جمالها وصفة كمالها ، وهو أعظم دليل على إيمانها وسمو أخلاقها ، وطاعة ربها واتباع نبيها  قال تعالى : { ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } الأحزاب آية 71 .

المصادر :

1. القرآن الكريم

2. الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل / الشيخ ناصر مكارم الشيرازي  

إعداد / زهراء الأسديّ 

مواضيع ذات صلة