الحلقة الثانية


(خُطَّ الموتُ على ولدِ آدم مَخط القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخِيرَ لي مصرعٌ أنا لاقيه، فكأني بأوصالي تُقطّعها عُسلان الفلوات بين النواويس وكربلا فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم رضاء الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين، ولن تشذ عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لُحمَتُه وهي مجموعةٌ في حظيرة القدس، تقرُّ بهم عينه وينجز بهم وعده، فمن كان باذلاً فينا مُهجته مُوطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإني راحلٌ مُصبّحا إن شاء الله).
بهذه الكلمات التي بقيت أنشودة الأجيال تلهمهم معنى الحياة الحرة الكريمة وتفيض عليهم بأسمى معاني الإباء والعقيدة الحرة أعلن سيد الشهداء شرارة الثورة ضد الكفر والإنحراف مقدماً دمه الزكي ودماء أهل بيته وأصحابه قرابيناً لشريعة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله).
وكان لنساء أهل البيت وحرائر النبوة (عليهم السلام) دورهن العظيم في هذه الملحمة العظيمة فتحملن مصائب السبي والسير من كربلاء إلى الكوفة ثم الشام فالمدينة بقلوب ملؤها الصبر واليقين والرضا بقضاء الله رغم المآسي التي لا يطيق المرء سماعها فضلا عن أن تجري عليه، وكان في قافلة السبايا التي تقودها سيدة الصبر وجبل التحدي عقيلة الطالبيين السيدة زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام) سيدتنا سكينة مع أخواتها وعماتها ونساء أهل بيتها.
أما ما جرى عليهن من المصائب والمحن في رحلة السبي الطويلة هذه وهن يرين أمامهن رؤوس أهل بيتهن مشهورة على الرماح فهذا ما يطول شرحه وما يذوب له الفؤاد وتفيض له العيون.
لقد عاشت السيدة سكينة وماتت والدمعة لا تفارق عينيها حزناً على أبيها وأهل بيتها وما جرى عليهم في كربلاء حتى ماتت صابرة محتسبة.
زواجها
تزوجت السيدة سكينة من ابن عمها عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) الأكبر وهو أخو القاسم الشهيد يوم الطف وأمهما رملة ولم تتزوج من غيره لا قبله ولا بعده، أما خبر زواجها من مصعب بن الزبير فهو خبر كاذب لفقته أيدي السياسة القذرة من الوضاعين والأفاكين والكذابين الذين كانوا يقتاتون على الموائد الأموية والعباسية وقد باعوا ذممهم وضمائرهم للحكام، وهو كغيره من الأخبار والروايات المدسوسة التي ألصقت زوراً وبهتاناً بسيرة السيّدة سكينة مثل خبر عقدها لمجالس الشعر والتي حاول من خلالها أعداء أهل البيت وآل الزبير بالذات نسبتها إلى البيت النبوي الشريف لدفع الشبهة عن ابنتهم سكينة بنت خالد بن مصعب بن الزبير التي كانت تجتمع مع الشاعر الماجن عمر بن أبي ربيعة والمغنيات يغنين لهم.
فلم تزل أنفاس آل الزبير تنفث سمها وحقدها وعدائها الأهوج على أهل البيت منذ يوم الجمل، عندما فتح الزبير وابنه عبد الله باب العداوة والبغضاء بين الأسرتين بخروجهما لقتال أمير المؤمنين (ع) ونكث بيعته.
وقد توارث أولاده من بعده هذا الحقد الأعمى فكانوا لا يدعون فرصة للنيل والإنتقاص من العلويين والإفتراء والتجسس عليهم وتلفيق الإتهامات لهم وتحريض الحكام عليهم لإراقة دمائهم.
توارث الحقد
فكان آل الزبير سعاة حكام بني أمية وبني العباس وجواسيسهم ومتملقيهم في كل زمان ومكان وقد بدأ هذه السعاية عبد الله بن الزبير لدى معاوية ضد الإمام الحسن (عليه السلام) وتوارث هذه المهنة القذرة أبناؤه كلهم فكان عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله الزبير وراء قتل يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب على يد هارون العباسي، وكانت العداوة لدى ابنه بكار أشد فكان يبلغ هارون عنهم ويسئ بأخبارهم ويدلس عليهم وقد قدر هارون العباسي له هذا البغض لأهل البيت وجازاه على ذلك البغض فولاه المدينة وأمره بالتضييق على آل علي فلم يألُ جهداً في ذلك.
وكان لبكار هذا ابناً اسمه الزبير فاق أباه وجده في شدة بغضه لآل علي فابتكر أساليباً دنيئة للنيل منهم فلم تقتصر أعماله على السعاية بهم فقط بل تعدت الى الطعن في أعراضهم ووصمهم بما ليس فيهم بمفترياته وأكاذيبه.
أجل لقد بلغت به الخسة والوضاعة أن يدلس ويفتري على أقدس وأطهر بيت في الوجود والذي قال فيه القران الكريم (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) ويتعرض له بما يشينه وهو ما جعل بني علي يثورون عليه للإنتقام منه وقطع هذا اللسان القذر كما ذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان بقوله: (كان ــــ أي الزبير بن بكار ــــ يضع المفتريات في رجالهم ونسائهم حتى أرادوا قتله ففر من مكة إلى بغداد أيام المتوكل).
وكأن هذا الرجل لم يشف غليل حقده ما أريق من دمائهم الطاهرة على يد الأمويين والعباسيين فبلغت دناءته أن مد اللسان في أعراضهم والطعن فيهم والحط من قدرهم بمفترياته فنفث الشيطان على لسانه ليروي أن السيدة الطاهرة سكينة كان يجتمع عندها الشعراء والمغنون ويحكمونها فيما شجر بينهم من التفاضل بين الشعراء ليحول استغراقها مع الله كما وصفها أبوها إلى استغراق في مجالسة الشعراء والمغنين ثم يروي إن الشاعر عمر بن أبي ربيعة تغزل بها في محضرها ــــ أعوذ بالله من هذا الشيطان الرجيم ــــ
ولكن إن عُمي من نقل هذه الروايات أو تعاموا عن الحقيقة فإن التاريخ كفيل بإظهارها فالشواهد التاريخية تدل على أن هذه الروايات كان (أبطالها) آل الزبير أنفسهم وهذه الوصمة ملتصقة بالزبير بن بكار نفسه فأراد أن يتنصل منها ودله حقده على إلصاقها بغيره فنسبها إلى أطهر بيت في الوجود كما سنوضح ذلك في هذا الموضوع.
رواية الشيطان
تتلخص الرواية التي وضعها الزبير بن بكار ونقلها أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني (ج16ص165) إنه اجتمع كل من راوية جرير، وكثير، وجميل، ونصيب، والأحوص (الشعراء الأمويون) فافتخر كل واحد منهم بصاحبه فحكّموا سكينة بنت الحسين فحكمت بينهم بعد أن ذكرت بيتاً غزلياً لكل واحد من أصحابهم ثم أعطت رأيها في كل واحد منهم والرواية طويلة آثرنا عدم ذكرها مفصلاً فمن شاء الإطلاع عليها فقد أشرنا الى المصدر.
وهذه الرواية الموضوعة تنفي نفسها بنفسها فكيف يجتمع رواة أكبر خمسة شعراء في ذلك العصر عند امرأة عرفت بالعبادة كما قال أبوها عنها ولم يسمع منها شعراً سوى سبعة أبيات رثائية مفجعة قالتها في رثاء والدها وهي في حالة الأسر يستطيع قولها أي إنسان في ذلك الوقت فقد عزيزاً عليه فكيف وهي وقد رأت ما جرى على أبيها وأخوتها وأعمامها وبني عمومتها وأهل بيتها من فجائع ومصائب في كربلاء تجل عن الوصف وهذه الأبيات السبعة لا تؤهل قائلها أو قائلتها لمثل هذا المنصب في ذلك الوقت الذي كان يعج بالشعراء والشاعرات فلو نُسبت هذه الرواية الى الخنساء لما استطاع أحد تصديقها لفجيعتها بأخيها صخر وهو إنسان عادي فكيف بمن فقدت أباها سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة وأهل بيتها.
لعن الله واضع هذه الرواية وناقلها، وقد سئل الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء (قدس سره) عن هذه الرواية فقال: (لم يذكرها ابن قتيبة ولا ابن طيفور في بلاغات النساء مع إنهما أقدم من أبي الفرج)، وقال في كتابه جنة المأوى (ص232):
(أبو الفرج كتابه كتاب لهو وقد يأخذ عن الكذابين والذي جاءت عنه الرواية كذاب).
وقال الشيخ جعفر النقدي في كتابه (فاطمة بنت الحسين) (ص13):
(أما وصف الحسين (ع) لابنته سكينة من غلبة الاستغراق مع الله تعالى فيكذب الأنقال المروية عن الزبير بن بكار وأضرابه من النواصب كعمه مصعب الزبيري من اجتماع الشعراء عندها ومحاكمتها بينهم وأمثال ذلك مما ينافي في شأن خفرة من خفرات النبوة وعقيلة من عقائل بيت العصمة وإن تعجب فاعجب من أبي الفرج الأصفهاني ومن حذا حذوه أن ينقلوا مفتريات هؤلاء في كتبهم من غير فكر ولا تروي على أن الزبير بن بكار كان عدواً لآل علي بل لسائر بني هاشم وكان يصنع المفتريات في رجالهم ونسائهم حتى أرادوا قتله ففر من مكة الى بغداد أيام المتوكل ذكر ذلك ابن خلكان في تاريخه وفيات الأعيان).
ومما يدل على كذب واضع هذه الرواية أيضاً هو أن أبا الفرج الأصفهاني نفسه روى في كتاب الأغاني (ج14 ص158) نفس هذا الاجتماع مع الشعراء ونفس الحديث ولكن برعاية عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمي، كما روى اجتماعاً مشابهاً في نفس الكتاب (ج1 ص360) برعاية امرأة من بني أمية زعم أن صاحب الرواية قد أخفى اسمها! ولكن هذا الزعم لا ينطلي على القارئ في إخفاء الأصفهاني اسم تلك المرأة الأموية إذ أنها تمت له بصلة قرابة فهو من المعروف من بني أمية وأراد ستر فضائح بني أمية فاستحى من ذكر اسمها ولكنه لم يستح من إلصاق ما لحق به من العار ببنات الرسول.


محمد طاهر الصفار

مواضيع ذات صلة