"أودُ أن أشكر من عمق قلبي كل النساء، وخاصةً نساء العراق، النِساءِ الشجاعاتِ اللواتي يواصلن إعطاء الحياة بالرغم من الانتهاكات والجراحات. فلتُحترم النساء وليُمنحن الحماية! ليَحظين بالاهتمام ويُمنحن الفرص!"

بهذه العبارة التي جاءت تغريدة وثائقية في الحساب الرسمي للبابا فرنسيس بالتزامن مع انتهاء رحلته في العراق, يؤكد قداسة البابا على إن المرأة العراقية كانت ولازالت صانعة أيضا لمجد الانتصارات كونها قادرة على مساندة الرجل في أشد الأزمات على الرغم مما تتعرض له من ضغوط نفسية واقتصادية وأمنية, فضلا عما تعرضت له من انتهاكات وترويع في فترة سيطرة تنظيم داعش الأرهابي على الموصل, وهنا إنما يعطي بعدا عميقا لتاريخ المرأة على هذه الأرض التي شهدت ابشع حادثة على مر التأريخ ألا وهي واقعة الطف وتبعاتها على السيدة زينب (عليها السلام), إذ رسخت عبر موقفها في رحلة السبي الشاقة الصورة المثالية التي من المفترض أن تكون منهجا لكل نساء الأرض, وهذا فعلا ما اثبتته وسائل الأعلام وما تتداوله عن تأسي المرأة المسلمة بشخص السيدة زينب (عليها السلام) في أغلب المحافل الدينية والثقافية, وما تحول إلى واقعا ملموسا بعد أن اتخذن نساء العراق بغض النظر عن المذهب أو الطوائف مفهوم المرأة القدوة عند مواجهة الظروف القاسية التي تستدعي موقفا صلبا وخطابا رصينا ومبدأ لا يتجزأ أمام التحديات مهما بلغت من قسوة وعنف, إلى جانب ذلك يذكر إن خلال توديع الحبر الأعظم من قبل رئيس الجمهورية، برهم صالح، وزوجته في مطار بغداد صباح الاثنين، وبمناسبة يوم النساء العالمي، قيل للبابا هناك حاجة لإحياء "يوم عالمي للاحتفاء بالرجال"، فأجاب "الرجال محتفى بهم كلّ يوم"، بحسب ما نقل الصحافيون المرافقون للوفد البابوي, وهذه رسالة أخرى في غاية الأهمية تعزز مكانة المرأة في الأديان كلها وتحترم خصوصيتها وتقدر طبيعتها التكوينية وتثمن تضحياتها.

مرجعية الحكمة والعدل

مرجعية النجف الأشرف كانت ولازالت وستبقى تمنح وتؤصل دروسا عملية للعالم عن مبدأ التعايش السلمي ونبذ الطائفية وحماية حقوق المرأة والدفاع عنها بشكل مطلق وبتجرد عن هويتها الدينية والمذهبية والعرقية, فهي تنظر للمرأة على إنها كيان انساني أوصى عليها الإسلام وحفظ كرامتها وفق ما جاء في أحاديث خاتم الرسل النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم), وهذا ما وصل إلى العالم بأسره بأوضح صورة حينما وجهت المرجعية العليا إلى حماية النساء الأيزديات وتخليصهن من فداحة الانتهاكات التي قام بها تنظيم داعش التكفيري مع نساء هذه الأقلية الدينية بيعهن كجواري وامتهان كرامتهن وغيرها من مشاهد التنكيل والمتاجرة باسم الدين, إذ أزال سماحة السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف) الضباب الذي يكتنف المشهد العالمي عن حقيقة الدين الإسلامي وخصوصا أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) من مبدأ "لا إكراه في الدين", وبمعنى أدق؛ من جملة المبادئ التي شددوا عليها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) المؤكدة على حماية كرامة المرأة وإنصافها والدفاع عنها حتى وإن كانت تنتمي إلى ديانة أخرى, فالواجب الانساني هو الحكم في النهاية, وعليه جاءت زيارة البابا لسماحة السيد علي الحسيني السيستاني في منزله المتواضع متممة للعمق الوجودي والدور التاريخي المحقق لرسالة سيد البلغاء (عليه السلام) لمالك الأشتر "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين, أو نظير لك في الخلق...", لتحقق زيارة البابا التاريخية بسماحة المرجع الأعلى في النجف الأشرف بالنتيجة رسالة لينة اللهجة وصلت لكل العقول المتفتحة وحتى المغلقة مفادها إن الشيعة هم دعاة السلام والمحبة ويستحقون أن يكونوا شركاء مخلصين في بناء المفهوم الانساني, وبمعنى أكثر إنصافا رعاة الإنسانية بحكم إتباعهم لمؤسسي النهج الانساني؛ نبي الرحمة وعترته الطاهرة.

وعي طفولي

أطفال العراق هم ضحايا الصراعات السياسية, وذاكرتهم معبأة بالأحداث المرعبة والأفكار المشوهة, وغالبا ما يتشكل الانتماء المذهبي في بواكير العمر عن طريق ما يتلقاه الطفل من معلومات عن دينه ومذهبه, وبالتأكيد يحتاج الطفل إلى مشاهد حية وملموسة تجذر في لا وعيه صورة انطباعية تؤسس لعقيدة راسخة, وتأتي زيارة بابا الفاتيكان والتي استمرت اربعة أيام كوسيلة مثالية لجذب أذهان الأطفال وإثارة فضولهم عن طبيعة هذه الزيارة, وبالنتيجة سيقدرون بوعيهم الطفولي دينهم ويحترمون مذهبهم عن طريق رسائل الفخر المكثفة التي تعمقت في ذاكرتهم لاسيما مشهد زيارة البابا لرجل ديني يمثل المذهب الشيعي ولديه جمهور انساني واسع يلاحظ دفاعه عن الوحدة الوطنية وتماسك أبناء الشعب العراقي بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم, فضلا عن تقديره من قبل رجل دين يمثل الطائفة الكاثوليكية ويبلغ عدد اتباعه في العالم 1,3 مليار مسيحي كاثوليكي, وتأتي الصورتين المثاليتين الخاصة بالطفولة التي رسمها بعفوية قداسة البابا أثناء تكريمه للطفلة رزان الموسوي في مدينة أور الأثرية التابعة لمحافظ ذي قار بميدالية ذهبية تحمل صورته وشعار الفاتيكان بعد ان أجرى حديثا معها وانبهر بلباقتها, ولقائه في أربيل بوالد الطفل السوري آلان الصغير الذي غرق مع شقيقه ووالدته على الساحل التركي في سبتمبر/ أيلول 2015 بينما كانت تحاول العائلة الفرار إلى أوربا بسبب خطورة الأوضاع في سوريا آنذاك, إذ أجرى حديثا مطولا معه بمساعدة مترجم فوري وعبر البابا فرنسيس عن تعاطفه العميق مع الطفولة الغائبة بسبب قسوة الأوضاع القاسية التي يشهدونها مع عوائلهم وابناء شعبهم, وهذا حتما ما سيترك صورة مشرفة في أذهان الطفولة عن التعايش السلمي واحترام بقية الأديان إلى جانب رسائل المحبة والسلام, وبهذا يمكننا استثمار زيارة البابا فرنسيس إلى العراق وتحديدا حضوره في النجف الأشرف بضيافة سماحة أية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني لإعداد برامج تربوية تهدف إلى تعزيز التعايش السلمي واحترام الأديان ونبذ لغة العنف في عالم الطفولة.

إيمان كاظم

مواضيع ذات صلة