الإسلام والحداثة توافق أم إختلاف ؟

المعارف الدينية

2021-08-26

20 زيارة

مما يؤسف له أن البعض روج للحداثة بشكل مغلوط في الوسط الإسلامي، ويبدو أن هذا الفهم المشوه للحداثة كان مقصوداً، والهدف منه ابعاد الأمة الإسلامية عن هويتها الحضارية والثقافية، فالحداثة ليست تكرار للتجربة الغربية في بلادنا الإسلامية، كما أنها ليست عملية استبدال ثقافي واسقاط تعسفي لمفاهيم تنتمي إلى بية بعيدة عن بيئتنا الإسلامية.

 ولو حاولنا أن نوجد وصفاً فلسفياً للحداثة من خلال إرجاع المصطلح الي مفهومه الدلالي، سوف نبتعد كثيراً عن المعنى اللغوي الذي تختزنه الكلمة؛ لأن الحداثة في معناها اللغوي ليست وصفاً للآن الزمني بعيداً عن الفعل، وفي نفس الوقت ليست هي مجرد وصف للفعل في حدود الزمن؛ فقد يكون الفعل حديثاً بالنسبة لزمن حدوثه إلا أنه فعل قديم تم تكراره، وعليه الحداثة يجب ان تكون وصفاً للفعل الجديد القائم على اشتراطات الحاضر، وعندها تصبح الحداثة هي اللحظة المعبرة عن الحاضر بلحاظ المستقبل.

وإن كان هذا النوع من التأمل في الكلمة لا يغير كثيراً من دلالة المعنى الذي وضع له المصطلح، إلا أنه ضروري لرسم المفهوم العام الذي تتحرك فيه الحداثة، وعليه لا تكون الحداثة قوالب جاهزة يراد أسقاطها داخل المشروع الإسلامي، وإنما هي لحظة انطلاق الي الامام من خلال تحول داخلي يعيد النظر في كل المكونات بهدف تحريكها، ومن هذه الزاوية يجب ألا يكون مشروع الحداثة للبلاد الإسلامية مجرد استعارة ناشزة لمنجزات الحضارة الغربية، وإنما حداثة تنطلق من قيم الدين ومبادي الوحي بالشكل الذي يُمكن المسلم من مواكبة التقدم الذي تفرضه طبيعة الحضارة، بل يكون مساهماً في انتاجها ومهيمناً على مجرياتها.

وعليه فإن الحداثة هي مشروع ملازم للإنسان بوصفه كائن له قابلية التطور والتكامل، والإسلام بعقائده وتشريعاته لا يحرم الإنسان من الارتباط بالواقع المتغير؛ بل أن الحداثة صفة ملازمة للإسلام وليست حالة معاكسة له، فعلى الشباب المؤمن التحصن بمزيد من الوعي في قبال الحرب الناعمة التي تشكك في صلاحية الإسلام للعصر.

أما ما تثيره تيارات الحداثة الغربية من إشكالات فهي في الجملة إشكالات ليست علمية، وإنما تنطلق من رؤية قاصرة وفهم مشوه للإسلام، القصد منها زعزعة الثقة في نفوس المؤمنين، فمثلاً ما ذكره السائل من تشكيك في علماء الإسلام، الهدف منه ضرب الحصون التي تحمي الفكر الإسلامي من عبث العابثين، فإذا أصبح الإسلام بدون علماء ومؤسسات علمية ترعاه فكرياً وثقافياً لأصبح عرضة للانحراف ومن ثم الضياع. جاء في تفسير الإمام العسكري (ع)، بالإسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام. قال: قال جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام: علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة لأنه يدفع عن أديان محبينا، وذلك يدفع عن أبدانهم.)، ومن هنا كان استهداف العلماء مقدمة لاستهداف الإسلام نفسه، والجميع قد لاحظ في الفترة الأخيرة تركيز الهجمة على المرجعية الدينية لكونها تشكل حائط الصد لكل المحاولات التشكيكية، فالكلام عن حرمة التقليد واباحة الخمس وفساد المؤسسة الدينية كلها تصب في الحرب الناعمة التي تستهدف الإسلام والتشيع، ويبدو أن المرجعية بقيادتها الرشيدة ولدت في نفوس الأعداء حقداً دفيناً، مما جعلهم يسلطون كل سهامهم المسمومة عليها، فمثلاً الفتوى بالجهاد الكفائي التي أصدرها المرجع الأعلى السيد السيستاني افشلت المشروع الضخم الذي تم اعتداده لتدمير العراق والتخلص من الشيعة، ولذا اصبح هدفهم الانتقام من المرجعية التي افشلت مشاريعهم التدميرية.

أما القول إن الإسلام ليس فيه علماء فهو قول ساذج ينم عن جهل قائله، فالإسلام ليس وصايا أخلاقية فقط وإنما نظام معرفي وعلمي وفكري له معالجاته الخاصة في كل شأن يهم الإنسان. وحتى لو سلمنا معهم أن الدين عبارة عن قيم وأخلاق، فإن ذلك لا يعني أنه ليس بحاجة إلى علماء؛ فمعرفة القيم وترتيبها بحسب الأولويات مضافاً إلى رصد الواقع ومعرفة ما يناسبه من قيم ليس أمراً سهلاً وإنما يحتاج إلى جهد علمي كبير، ومن الواضح أن ما يحتاجه الإنسان في حياته هو برمجة سلوكه اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً بحسب تلك القيم والمبادي السامية، وكل ذلك لا يكون متيسراً مالم يكن هناك علماء يراعون الله في حلاله وحرامه

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً