الدولة الصفوية ... الشرارة والانطلاق ... والخاتمة

أدب العترة

2021-05-19

789 زيارة

سبق قيام الدولة الصفوية عدة حركات ثورية للتخلص من الحكم المغولي التيموري الاستعماري الذي كان يستولي على أغلب البلاد الإسلامية ومنها إيران, ومن هذه الحركات حركة فضل الله الحروفي (805 هـ / 1402 م), وحركة نعمة الله الولي الصوفي العلوي (806 هـ / 1421 م) التي كانت أوسع نشاطاً من حركة الحروفي, وحركة (نور بخش) ــ محمد بن عبد الله ــ الصوفي العلوي, ولكن هذه الحركات قُمعت بقسوة ونُفي قادتها.

لكن الإصرار على التحرّر من قيود الاحتلال المغولي كان يتزايد فأفرز حركتين كُتب لهما النجاح نسبياً تمخّضتا عن قيام دولتين, حيث لم يمتد نفوذ هاتين الدولتين سوى إلى أماكن صغيرة جداً قياساً بنفوذ الإمبراطورية المغولية التي كانت تحتل مناطق واسعة من العالم.

وتنفس الشعب الصعداء

الحركة الأولى هي حركة الشيخ خليفة المازندراني والتي تمخّضت عن قيام دولة السربداران الشيعية الإمامية الاثني عشرية في سبزوار, وضمّت إليها نيسابور, وأول من حكم فيها هو عبد الرزاق الباشتيني, وقد استمرت حوالي خمسين عاماً، من سنة (٧٣٨ هـ ــ ٧٨٨ هـ / 1337 ــ 1386م) حتى أسقطها المغول بقتلهم آخر ملوكها علي المؤيد في الحويزة على يد تيمورلنك.

أما الحركة الثانية فهي حركة السيد محمد بن فلاح العلوي (841 هـ / 1423 م), والتي انتهت بقيام الدولة المشعشعية في الحويزة وامتد نفوذها إلى البصرة وبهبهان وخوزستان ولرستان, وقد استمرت زهاء (80) سنة لتنصهر مع تيار الدولة الصفوية وتختفي معالمها.

أسوء العهود

كانت إيران ترزح تحت نير الحكم الإيلخاني ــ وهو جزء من الإمبراطورية المغولية ــ والتي حكمت بسلطة الحديد والنار, فعاشت إيران أسوء العهود في تأريخها حيث ساد القتل والنهب والسلب وكثر اللصوص وطغى الجوع وتفشّت الأمراض واستولى رجال السلطة المغول على الأراضي والأموال والنفوس وعاثوا في الأرض فساداً، وكان لهذه الأوضاع المزرية أثرها الكبير والسيء على الشعب مما سبب ازدياد نقمة وسخط الناس على المغول, لكن هذا السخط كان يُجابه بقوة السلاح لتعمَّ الفوضى وتصبح البلاد كالقشة في مهب الريح.

في تلك الفترة كان سلب الناس أموالهم وأراضيهم وممتلكاتهم وقتلهم شائعاً، وقد أدى غزو الكرج ــ الجورجيون ــ لأردبيل إلى زيادة أعداد الضحايا، وكان من ضمن الذين تضرّروا من تلك الفوضى العارمة التي عمّت البلاد رجلٌ علوي من الأثرياء الذين يمتلكون إقطاعات فاغتُصبت منه وفَقد بين ليلة وضحاها كل ما يملك..

هذا الرجل هو أمين الدين جبرائيل والد صفي الدين الأردبيلي الجدّ الخامس لأول ملك صفوي وشيخ الطريقة الصوفية التي ستتحول إلى دولة عظيمة تحكم إيران وتمد نفوذها إلى كثير من البلاد تدعى (الدولة الصفوية).

الهجرة والعودة

كان أمين الدين جبرئيل من الأعيان والأشراف ومن أسرة علوية شريفة ينتهي نسبها إلى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام), وقد اضطر إلى ترك أردبيل بعد أن فقد أملاكه ولبس ثياب الدراويش وتوجه نحو شيراز ليلتقي هناك بكمال الدين عربشاه الأردبيلي, وهو من مشاهير الصوفية ليكون أحد مريديه, وبقي معه مدة عشر سنوات تزوج خلالها ابنته (دولتي) التي وصفتها المصادر بأنها كانت على جانب كبير من الزهد والعبادة حتى لقّبت بـ (رابعة العدوية), وقد تناولت المدوّنات التاريخية أهمية وقع هذا الزواج في الأسرة الصفوية والذي صهر العنصر الفارسي المتمثل بابنة كمال الدين مع زوجها أمين الدين التركي ويبدو أن هذا الزواج كان ميموناً ومباركاً لأمين الدين الذي سرعان ما استعاد وضعه المادي الممتاز واستطاع أن يجمع ثروة ليعود مع زوجته (دولتي) إلى أردبيل ويقيم في قرية (كلخوران) ــ مقره ومقر أسرته الجديد ــ وهناك ولدت زوجته ابنه صفي الدين إسحاق الأردبيلي الذي نسبت له الأسرة الصفوية وذلك سنة (650 هـ / 1249م).

اليتيم الغني

حذا صفي الدين حذو أبيه ــ الذي مات مبكراً ــ في اتّباعه الطريقة الصوفية, ورغم يُتمه المبكر إلا أنه لم يعش حياة اليتيم الفقير, حياة الضنك وشظف العيش, بل كان يتيماً مرفّهاً بفضل ما تركه له والده من ثروة أنسته ولو من هذا الجانب بأنه يتيم.

ولم يكن التصوّف في ذلك الوقت بمعناه المتعارف من لبس الصوف والعزلة والاعتكاف والزهد بالطعام والشراب, بل إنه كان أشبه بالمركز الاجتماعي الديني الذي يقوم على الإرشاد والتوجيه, فسلك صفي الدين طريق والده ومنهجه في التصوّف ليحل مكانه وصار يتعلم عند شيوخ الصوفية ويأخذ عنهم ولا يستقر عند أحدهم حتى طاب له المكان في كيلان عند الشيخ (تاج الدين إبراهيم الزاهد الكيلاني), المتوفى سنة (700 هـ / 1301 م) وصحبه وتزوج ابنته فذاع صيته وأصبح محط أنظار المريدين, فهذا الزواج من ابنة الكيلاني يجعله في محل ثقة أستاذه ويضعه في مكانة مقدّسة عند المتصوّفة.

كما كان مركزه الاجتماعي المرموق وثراؤه عاملاً مهماً في التفاف المريدين الذين كان منهم من يتمنّى أن يحصل على شرف خدمته, يقول الدكتور كامل مصطفى الشيبي: (وكان ثراء صفي الدين وإصهاره إلى الشيخ الزاهد الكيلاني مدعاة إلى كثرة مريديه حتى ذكر أنهم قاربوا المائة ألف كان يخدمه منهم ألفان).

إن اتصال صفي الدين بالكيلاني ومصاهرته والسير على خطى أبيه وتكاثر مريديه بهذا العدد الضخم الذي وصل إلى ما يقارب المائة ألف, هو في طور إقامة دولة ستنقشع بها سحب الاحتلال المغولي السوداء وتشرق بها شمس الحرية على إيران أولاً, ومن ثم تصحيح الاعتقاد لديها والانتقال من العقيدة الصوفية إلى مذهب الشيعة الإثني عشرية ونشر التشيّع ليس في إيران فحسب, بل وصوله إلى كثير من البلاد واستقطاب علماء الشيعة العرب وخصوصاً من جبل عامل الذين فروا من وحشية السلطة العثمانية فوجدوا ملاذهم في الدولة الصفوية التي احتضنتهم ووفرت لهم سبل نشر العلم وتعليمه يقول الدكتور الشيبي:

(إن التصوّف المتشيّع متى وقع تحت تأثير فقهاء الشيعة فقد عناصره الصوفية ومال إلى التشيّع الفقهي المعتاد. أما علة ذلك فهي أن كلاً من التصوّف والتشيّع يتعلق بالجانب الروحي المتسامي من العقيدة الدينية، غير أن التصوّف يرتفع بالإنسان العادي والتشيّع يسمو بالصفوة المختارة من أهل البيت. وهكذا كان الأمر بالنسبة للصفويين والمتشيعين من بعدهم, فلقد بدءوا حركتهم صوفية متشيعين فآلت بهم الحال إلى ذوبان تصوفهم في التشيع, وبالتالي إلى زوال التصوّف وثبوت التشيّع). (1)

ويقول كمال السيد: (إن الهجرة العاملية حدث كبير أثّر في مسار الدولة الصفوية أعمق الأثر, بل وأثر في المسار الفقهي للمذهب الشيعي وكان ذلك خطوة هامة جداً في المسارين معا). (2)

أردبيل محج المريدين

اكتسبت أردبيل بوجود صفي الدين مكانة دينية ذات أهمية كبيرة وأصبحت محط أنظار آلاف الزوار الذين يتوافدون عليها من كل مكان للتبرك به والاستماع إلى إرشاداته وتعاليمه حتى طغى اسم (دار الإرشاد) على المدينة وصار (خانقاه) الشيخ صفي الدين محجّاً لمريديه.

بعد موت صفي الدين سنة (735 هـ / 1334م) حل مكانه في الزعامة الروحية ابنه صدر الدين موسى المولود سنة (704 هـ / 1304 م), وهو سبط الشيخ إبراهيم الزاهد الكيلاني. وقد استحدث في طريقته والتي هي طريقة أبيه وجده عنصر الفتوة فكان الفتيان الأشداء يصحبونه أينما ذهب وبلغ مكانة كبيرة في التصوف لا يضاهيه فيها أحد في زمنه حتى قال عنه محمد نور بخش بأنه: (كان من أوتاد الأولياء وفتيانهم), كما لقب بـ (خليل العجم), وبلغ من المنزلة العظيمة في التصوّف أن عُدَّ الصوفي المعروف الشيخ (شاه قاسم أنوار) وهو أحد العرفاء المتصوفة المعروفين ومن رؤوسهم تلميذاً له.

وكان مما زاد في تمسّك أتباعه به ولزومهم إياه أن أضفى على طريقته سمة الثبات والرسوخ وأعطاها بعداً اعتقادياً أكبر عندما شيَّد فوق قبر أبيه ضريحاً عظيماً أنفق عليه أموالاً طائلة, واستغرقت مدة بنائه عشر سنوات وصار موئلاً للزائرين من مريديه وغيرهم, كما كان يزوره الأمراء والوزراء والسلاطين والملوك ومن ضمن الذين زاروه تيمورلنك, لما كان يتمتع به صفي الدين من قداسة في نفوس الناس وما عرف عنه من زهد وورع وتقوى وما نسبت إليه من كرامات ومعجزات تناقلتها الناس.

المسرح السياسي

في عهد صدر الدين بدأت تباشير اقتحام الصوفية العالم السياسي تظهر لأول مرة, فقد قَوي نفوذه وكثر أتباعه (وفتيانه) وصار أمره لا يستهان به مما أثار حفيظة حاكم أردبيل المغولي الأشرف جوبان, فضيّق عليه الخناق ودبّر لقتله بدسِّ السمِّ إليه مرة واغتياله أخرى, لكن صدر الدين نجا من هذه المحاولات واضطر إلى مغادرة أردبيل إلى كيلان التي لم يعد إليها حتى وصلت إليه أنباء غزو أرغون بك أردبيل وقتل الأشرف سنة (794 هـ / 1391م), فرجع إليها بمكانته المعهودة واستعاد زعامته فيها ثانية وبقي يعتلي منبر الإرشاد فيها لمدة تسع وخمسين عاماً حتى توفي فيها ودفن إلى جنب أبيه.

علاء الدين علي ــ سياه بوش ــ

تولى علاء الدين علي بن صدر الدين موسى الزعامة بعد أبيه وقد عرف بعادته في لبس السواد فلم تكن الثياب السوداء تفارق جسده حتى لقب بـ (بسياه بوش) أي المسود.

كان أبوه صدر الدين قد مهّد له السُّبل وسهل له الأمور لاعتلاء الحكم لكن كانت هناك عقبة لم يستطع تخطيها وهي وجود سلطان قوي مثل تيمورلنك الذي لم يكن لقمة سائغة, فأي حركة مسلحة ستُقمع بقسوة ووحشية بوجوده, لذا فقد ارتأى علي تأجيل ما كان يطمح إليه إلى زوال هذه العقبة ففضل الإعداد لها للوقت المناسب, وكان من ضمن إعداده للثورة ظهور الفدائيين من مريديه الذين وهبوا أنفسهم له وجعلوا أرواحهم رهن إشارته مما يعطي الثورة المستقبلية دفعة إلى الأمام بخطى واثقة.

وتشاء الأقدار أن تُمهِّد لقيام الدولة الصفوية وتأخذ بيد هذه الأسرة إلى طريق العرش, فقد استطاع علي أن يضيف قوة جديدة أخرى إلى مراكز قواه ومريديه بفضل حنكته وسياسته.

الأسرى والنازحون

عندما عاد تيمورلنك من حربه مع العثمانيين منتصراً انتصاراً كبيراً وساحقاً وذلك عام (804 هـ / 1401م) ولم يكتف بهزيمتهم فقط, بل طاردهم واستطاع أن يجلب معه السلطان العثماني بايزيد الأول أسيراً فحبسه في قفص حديدي حتى مات, كما جلب معه كثيراً من الأسرى الأتراك, فأشار عليه علي ــ سياه بوش ــ بإطلاق سراحهم بدلاً من قتلهم فامتثل تيمورلنك لطلبه نظراً لما يحظى به علي من منزلة بين الناس ووهبهم إليه, فجاء بهم علي إلى أردبيل وأسكنهم فيها فانخرطوا مع مريديه واعتنقوا طريقته وصاروا يُسمَّون الصوفية (الروملو) ــ أي الروميين ــ فكانوا من نواة الحركة المسلحة التي أعد لها والتي سُمِّيت فيما بعد بـ (القزلباش) وهي كلمة تركية تعني الرؤوس الحمر.

وقد جاءت هذه الكلمة في عهد حيدر بن الجنيد بن إبراهيم بن علي بن موسى بن الشيخ صفي الدين وذلك لما نضجت الحركة الصوفية وأصبحت مهيَّأة لشق طريقها إلى السلطة, فأمر الشيخ حيدر (883 هـ / 1488م) أتباعه وضع شعارهم الخاص فوق رؤوسهم وهو قلنسوة حمراء ذات اثنتي عشر شقة ــ تيَّمناً بأئمة أهل البيت (عليهم السلام) ــ وتلف حولها العمامة، وقد وصف هذه القلنسوة الرحالة الإنكليزي (بيرجس) بقوله:

(لقد أمر (حيدر) أتباعه أن ترتفع من وسط عمامتهم ذات الأكوار العديدة قطعة مدببة على هيأة الهرم مقسمة من قمتها إلى أطرافها اثنتي عشر شقة تذكر بعلي وأبنائه الإثني عشر, ونسبة إلى هذا الشعار الذي كان أحمر اللون سُمي أتباع حيدر بالقزلباش ــ بمعنى حمر الرؤوس), (3)

وقد أصبح هذا اللقب يطلق على الشيعة الإيرانيي الأصل في تركيا والهند إلى قرون عديدة على الرغم من أنه تقلص واضمحل بعد قيام الدولة الصفوية.

وقد سمح الشيخ علي لهذه المجاميع من الأسرى المحررين بالعودة إلى أوطانهم بعد أن أصبحوا من مريديه وهي قوة لا يُستهان بها وليكونوا على أتمّ الاستعداد متى ما احتاج إليهم ــ كما يظهر ذلك من مجريات الأحداث ــ، وإضافة إلى هؤلاء فقد كانت النواة الأولى لتأسيس القزلباش ــ الجيش الصفوي ــ هي من نازحي الأناضول الذين هربوا من الأعمال الوحشية التي مُورست ضدهم من قبل العثمانيين.

يقول الأستاذ كمال السيد: (وقد ساعدت المعاملة القاسية التي يلقاها العلويون الأتراك من الدولة العثمانية على نزوحهم الأمر الذي اضطرهم إلى التوجه صوب الشرق وبالتحديد إلى آذربيجان وأردبيل حيث مقر المرشد الأكبر صفي الدين الذي كان يتمتع بالقداسة حياً, والذي أصبح قبره مزاراً يؤمُّه الآلاف من مريديه, وقد تنبهت الدولة العثمانية فيما بعد إلى خلو مناطق واسعة من الأناضول فقطعت الطريق على المهاجرين, وانتابت العثمانيون هواجس من مخاطر هذه الهجرة بعد تنامي الخطر الصفوي خاصة بعد أن أصبح المرشد العام ملكاً له جيوشه وقواته ودولته الرسمية).

إبراهيم وجمود الحركة الصفوية

مات الشيخ علاء الدين علي ــ سياه بوش ــ بعد أن قضى (38) عاماً في الزعامة الروحية للصوفية وذلك سنة (832 هـ / 1428م) في القدس عند عودته من الحج فدفن فيها وأقيم له مزار كبير هناك، وهنا تُصاب الحركة الصفوية بانتكاسة بسبب من سيخلف سياه بوش وهو ابنه إبراهيم الذي شكل ضعف شخصيته وخموله عقبة أمام اندلاع الثورة الصفوية وأدى عدم أهليته إلى تأخرها, فلم يَرِث من صفات الزعامة التي عُرف بها أبوه وجده شيئاً يُذكر, وزاد من صغر شأنه مرضه الملازم له وحزنه على أبيه, مما يجعل مهمة النهوض بمسؤولية عظيمة كهذه مستحيلاً خاصة أنه عاصر السلطان رخ بن تيمور (809 ــ 851 هـ / 1406 ــ 1447م), والذي عرف بقوته وسطوته وجبروته ودهائه. فعاشت الحركة الصفوية فترة جمود وخمول في عهده بحيث إن كثيراً من المؤرخين والكتاب لتلك الفترة أهملوا ذكره والإشارة إليه في حديثهم عن الأحداث التي رافقت تأسيس الدولة الصفوية ونسبوا الجنيد ابنه والزعيم بعده إلى علي سياه بوش مباشرة.

الجنيد وتطور الحركة

مات إبراهيم سنة (850 هـ / 1447م) وهي السنة التي مات فيها السلطان رخ بن تيمور, وقد ترك إبراهيم ستة أولاد فكان منصب الزعامة من نصيب أصغرهم الجنيد الذي تحولت على يديه الأسرة من نشاطها الديني إلى النشاط السياسي خاصة بعد أن عصفت رياح التشتت والتمزّق بالإمبراطورية المغولية بموت رخ بن تيمور.

بدأت الأحلام انطلاقتها نحو التحقق وراح الصفويون ينظرون إلى الجنيد نظرة الفارس والبطل الذي انتظروه طويلاً, حيث استطاع الجنيد صهر أتباعه ومريديه المتصوّفة بالشيعة النازحين من الأناضول فاتسعت قاعدته الشعبية وأصبح زعيماً كبيراً ليس في أردبيل وآذربيجان فقط, بل في مناطق كثيرة أخرى وازدادت أعداد أتباعه في الأناضول بعد زواجه من أخت (أوزون حسن), مؤسس دولة الخروف الأبيض, وحاكم ديار بكر, ولكن تأبى الأقدار أن يتحقق هذا الحلم على يد الجنيد, فقد نشأت حالة من النفور بينه وبين جهانشاه ابن قرا يوسف حاكم آذربيجان فاضطر الجنيد إلى ترك أردبيل التي لم يكن يعلم إنه لن يعود إليها ثانية, حيث تنقل في البلاد فرحل إلى حلب وأربل وكلز وأخيراً ديار بكر التي توجّه منها إلى موطنه أردبيل ومعه عشرة آلاف من مريديه ولكن حاكم شيروان (شيروانشاه) اعترضه في الطريق فكانت هناك معركة انتهت بمقتل الجنيد سنة (861 هـ / 1456م)، وكانت هذه المعركة هي علامة فارقة في تاريخ الصفويين حيث أنها أكدت على عدة أمور منها: أن الطريقة الصفوية غلب عليها الطابع السياسي وإن نفوذها بدأ يظهر على الساحة السياسية كقوة ينظر إليها بعين الاعتبار, فقد كان أنصار الجنيد يقصدونه من بلاد الروم وإيران وغيرها ووصفه معاصروه بأنه (ترك طريق الصوفية واتجه إلى طريق الملوك) وأصبحت الصفويون قاب قوسين أو أدنى من إقامة دولة.

حيدر

عند مقتل الجنيد كان ابنه حيدر طفلاً فقام بالوصاية عليه خاله أوزون حسن الذي أصبح الحاكم المطلق في أذربيجان بعد انتصاره الساحق على دولة الخروف الأسود التيمورية, فنشأ حيدر في كنف خاله نشأة السلاطين وأصبح مهيّأ لأن يتسنّم عرش أردبيل إضافة إلى زعامته الروحية التي نهج عليها أجداده فسار هو على منهجهم وأصبح وريثهم عليها, كما أهّلته شجاعته وبسالته لأن يتطلع إلى إقامة دولة مستقلة وهو الطموح الذي طالما راود أفراد هذه الأسرة.

ولكن القدر قال كلمته مرة أخرى بخلاف ما أراده حيدر أيضاً وجاءت الرياح بما لا تشتهي سفنه وحطمت طموحه كما حطمت طموح أجداده من قبل, وكان وقع هذه المرة أشد من قبل لأن الذي سيضع حجر العثرة في طريق الصفويين نحو العرش ويوجه للأمير حيدر طعنة في الظهر هو من ذوي القربى فكانت طعنته أشد مضاضة من الحسام المهند.

كان حيدر قد بدأ نشاطه السياسي والعسكري بقوة ضد الشراكسة الذين قتلوا والده الجنيد والانتقام من حاكمهم (شيروانشاه), وفيما كان حيدر القائد الشجاع يشق طريقه بعزم نحو المجد ويحقق انتصارات تمهد الطريق لدولته المستقبلية, يموت خاله أوزون حسن ليحل محله ابنه يعقوب الذي أرعبته انتصارات ابن عمته حيدر وجعلته ينظر إليه بعين الحسد والغيرة فتحالف مع عدوه (شيروانشاه) ويدخل الصراع المسلح معه ضد حيدر بخوض معركة غير متكافئة جرت في طبرستان قرب دربند استمات فيها الصفويون في الدفاع عن قائدهم وزعيمهم الروحي لكن التفوق في الأعداد جعلهم يخسرون المعركة بعد أن وقع حيدر جريحاً بسهم وتم أسره وقتله سنة (893 هـ / 1488م), فانتكست الحركة الصفوية انتكاسة كبيرة وانزوت عن المسرح السياسي لفترة.

العائلة السجينة

بعد مقتل حيدر ألقي القبض على زوجته وأولاده الثلاثة: يار علي، وإبراهيم، وإسماعيل ــ أول ملك صفوي ــ وأودعوا السجن في أصطخر لأكثر من أربع سنوات, وكان عمر إسماعيل عندما دخل السجن مع أمه وأخوته سنة واحدة فقط. وفيما كانت الدعاية ضد الصفويين تشتد من خصومهم وتنتشر في البلاد في محاولة لتسقيطهم وإشاعة انحرافهم عن الدين واتجاههم إلى السياسة وسفك الدماء, كانت أنظار المريدين تتجه صوب أسرة زعيمهم ولم تؤثر فيهم كل تلك الدعايات ولم تثبط من إصرارهم على المضي في نهجهم ومواصلة السير خلف قادتهم لتحقيق دولة شيعية اثني عشرية تحميهم من بطش العثمانيين وسطوتهم ووحشيتهم ويعيشون فيها آمنين مطمئنين, فبقي الصفويون يترقبون خروج أسرة زعيمهم من السجن لكي يتولى يار علي الابن الأكبر لحيدر زعامتهم.

يار علي

ويموت السلطان يعقوب ليترك كرسي الحكم تتقاذفه الأمواج باشتداد الصراع عليه بين ابنه (بايسنقر) وحفيده (رستم) ويتحول النزاع حول العرش إلى صراع مسلح انتهى باعتلاء رستم الحكم, فارتأى أن يطلق سراح أسرة حيدر المكوّنة من أنجاله الثلاثة وزوجته في محاولة لتدعيم عرشه بهم, وتقوية مركزه بثقلهم, وتعزيز موقفه بوجودهم في صراعه مع بايسنقر, ولكنه لم يكن يعلم أن الأسد الذي سيفترسه قد أطلقته يداه هو بنفسه بعد أن كان محبوساً عنده وإنه سيقضي على دولته إلى الأبد بهذا العمل, فلم يكن يار علي ليرضى بأن يكون وسيلة بيد رستم وأن يكون تابعاً له, ودماء آبائه وأجداده تجري في عروقه.

ما إن خرج يار علي من السجن حتى توجّه إلى تبريز مصطحباً معه أخويه وأمه, وهناك كانت الأمور مهيّأة.. فقد كان في انتظاره عشرات الآلاف من مريديه وأنصاره, فلم تمض أيام حتى سار بهم لخوض أول معركة له ضد قاتل أبيه (بايسنقر) وليحقق انتصاراً ساحقاً جعل (رستم) يرتعب ويندم على إطلاق سراحه، ويحسب لهذا القائد الشاب الشجاع ألف حساب.

وقرر يار علي بعد انتصاره هذا، التوجه إلى أردبيل مقر آبائه وأجداده لتنظيم معسكره وضمّ من فيها من مريديه وأنصاره إلى جيشه ولتكون مركزه وموقع حكمه, ولكنه لم يصل إليها فقد أرسل رستم وراءه جيشاً للحيلولة دون وصوله إلى أردبيل, واعترضه جيش رستم وجرت معركة انتهت بمقتل يار علي، ولكنه عهد إلى بعض أعوانه المخلصين ــ قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ــ بإيصال أخويه إبراهيم وإسماعيل إلى أردبيل، فلاحقتهم قوات رستم التي استطاعت القبض على إبراهيم وقتله وتمكن الصفويون من إنقاذ الأخ الأصغر ليار علي وهو إسماعيل الذي كان يبلغ من العمر حينها سبع سنوات, والذي سيصبح أول ملك صفوي, فساروا به في الطرق الجبلية الوعرة وأدغال الغابات حتى وصلوا مدينة (رشت) التي أعلن أهلها عن فرحتهم وتشرفهم باستقبال ابن زعيمهم الصبي على أرضهم.

غير أن مريديه خافوا عليه من هجوم قوات رستم على المدينة وفضلوا نقله إلى مكان أكثر أماناً, فاصطحبوه إلى (لاهيجان) الواقعة في إقليم (جيلان) والتي استقبلته بحفاوة وتكريم بالغين وآواه حاكمها كاركيا ميرزا في قصره, ولكن رستم لم يكن ليدع الصبي ليفلت منه فمادام هناك شخص من أسرة صفي الدين فإن عرشه سيبقى مُهدَّداً, ووصلت الأخبار إلى رستم بوجود إسماعيل في لاهيجان فأرسل على الفور وفداً مع قوة لإحضاره, والتقى الوفد بكاركيا حاكم لاهيجان الذي أقسم لهم إن إسماعيل ليس على أرضه, ولما رجع الوفد من حيث أتى, نزل صبي كان مشدوداً إلى غصن شجرة وقد غطته الأغصان الكثيفة حتى أخفت جسمه تماماً, وهذا الصبي هو إسماعيل الصفوي. 

إسماعيل

بقي إسماعيل في عهدة (كاركيا ميرزا) حاكم لاهيجان لمدة خمس سنين، وكان كاركيا مخلصاً وموالياً وفياً للعائلة الصفوية فحرص على الحفاظ على إسماعيل وتنشئته نشأة تليق بالملوك حتى شبّ قوياً محباً للفروسية والقتال، قادراً على القيادة والإدارة والزعامة.

ولم يكمل إسماعيل الثالثة عشر من عمره حتى نظّم جيشاً قوياً من (القزلباش)، وبعد سنة تهيّأ لاعتلاء عرش إيران والقضاء على خصومه والثأر لدم أبيه ...

كانت الفوضى تعمّ إيران والتمزّق يسود مدنها، فقد كان القتال بين قبيلتي قراقويونلو وآق قويونلو التركمانيتين ــ دولة الخروف الأبيض والخروف الأسود ــ على أشدهما وهما يتنافسان على احتلال المدن الإيرانية التي أنهكها قبلهما احتلال المغول وتيمورلنك فأصبحت إيران بحالة يرثى لها.

قاد إسماعيل حملة عسكرية على دولة آق قويونلو سنة (907 هـ / 1501 م) وانتصر عليهم وأخضع الولاة التيموريين وسيطر على أصفهان ويزد وكرمان وخراسان وكيلان ومازندران وكرجستان وأخمد الفتن التي كان يدبرها الأتراك وقضى على الأوزبك واستطاع بناء دولة قوية موحّدة ضمّت ــ إضافة إلى إيران ــ العراق وأذربيجان وديار بكر وبلاد الكرج ــ جورجيا ــ والبحرين واتخذ من تبريز ــ عاصمة آق قويونلو ــ عاصمة له وبسط الأمن والاستقرار.

وتُوِّج إسماعيل ملكاً على إيران، ولُقب بـ (أبي المظفر شاه إسماعيل الهادي الوالي)، وذلك عام (907 هـ / 1502م) واتسعت رقعة نفوذه، يقول المستشرق رونلدسن: (مدّ الشاه إسماعيل سلطانه من خراسان حتى هراة، فضلاً عن ضمّه المقاطعات الجنوبية إلى أملاكه، حتى إذا جاء عام (۱٥۰۹ م) كانت رقعة مملكته تمتد من نهر جيحون إلى خليج البصرة، ومن بلاد الأفغان إلى الفرات). (4)

وكان أهم حدث في عهد إسماعيل اتخاذه المذهب الشيعي المذهب الرسمي للدولة وكتب على النقود التي ضربت باسمه عبارة (لا اله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله) وانتشر التشيّع في عهده انتشاراً واسعاً وقد استقبل الإيرانيون هذا الخبر برضا كبير واعتنقوا التشيّع عن قناعة تامة، فقد كانوا ينتظرون مثل هذا الإعلان الذي تهواه قلوبهم، يقول المستشرق الكبير براون ــ المتخصص بالأدب الإيراني ــ : (كان الفاطميون في مصر أكبر خصوم العباسيين من الناحية الدينية والسياسية، وكانوا يمثلون فريقاً من الفريقين العظيمين الذين انقسم إليهما المتشيّعون لعلي، فالفريق الأول هم الاسماعيلية الذين ينتسب إليهم الفاطميون، والفريق العظيم الآخر من فرق الشيعة هم الاثنا عشرية، وكان الفرس دائماً يميلون إليه، حتى اتخذوه مذهباً رسمياً لهم عند قيام الدولة الصفوية على يد الشاه عباس سنة ۹۰۸ ه‍ـ .

وأمر الشاه عباس أن يؤذن بحي على خير العمل في جميع بلاد إيران، ونقش على النقود اسم علي وآله، ونشر في الأقطار المجاورة لإيران الدعاة لمذهب التشيع، وحين دخل إلى بغداد، وذلك في ۲٥ جمادى الآخرة سنة ۹۱٤، فرح الناس بقدومه، والتجأوا إلى عدله، وكانوا ينتظرونه بفارغ الصبر، وأخذوا يقدمون القرابين والذبائح إكراما له، وفي اليوم التالي بلا فاصل توجه إلى كربلاء، وأدى مراسم الزيارة، وبات ليلته معتكفاً في الحائر، منكباً على قبر الحسين الشهيد (عليه السلام)، وأمر بصنع الصندوق المذهب للقبر الشريف، وعلق بالحضرة ۱۲ قنديلاً من الذهب، وفرشها بأنواع السجاد الثمين، كما أمر بصنع صناديق أخرى للنجف الاشرف والكاظمية وسامراء بدلا عن صناديقها القديمة.

ثم سافر إلى النجف الاشرف، وتشرف بزيارة المشهد العلوي، وقدم القناديل من الذهب والفضة، والمفروشات الثمينة، وفي هذه السنة شرع ببناء حرم الكاظميين والمسجد الكبير المعروف بمسجد الصفويين. وأمر بحفر النهر الذي كان قد حفره عطا ملك، ثم اندثر بمرور الزمن، فجدده الشاه إسماعيل، ووقف ريعه على خدام المشهدين: العلوي والحسيني، هذا، إلى حبه وتعظيمه العلماء والعلويين، وإنعامه عليهم بالأموال والمناصب، والاستعانة بأهل الكفاء‌ة والمقدرة على نشر المذهب، وإعلان أسماء الائمة الاثني عشر على المنابر وفي المحافل، وبشتى المناسبات (5)

وإضافة إلى قمعه الفتن وتوحيد الدولة فقد عاشت إيران في عصر إسماعيل نهضة علمية وفكرية وعمرانية فقد كان إسماعيل محبوباً من قبل الشعب والجيش ويجلّ العلماء كما كان شاعراً له عدة دواوين وكان يطلق على نفسه اسم (خطايي) وكتب أعماله بالآذرية والتركية والفارسية.

وأصبحت إيران دولة قوية موحدة وأصبح لها علاقات سياسية وتجارية مع دول أوروبا واتسعت هذه العلاقات في عهد الشاه عباس الأول، الذي شهدت إيران في عصره كثرة الوفود والسفراء من قبل ملوك أوروبا، وبالمقابل إرسال السفراء من إيران إلى العواصم الأوربية.

توفي الشاه إسماعيل في الثامنة والثلاثين من عمره بمرض الحصبة ودُفن في أردبيل بجوار جده الشيخ صفي الدين.

طهماسب

تولى الحكم بعد إسماعيل ابنه طهماسب الأول الذي يعد من أقوى الملوك الصفويين وقد استلم الحكم وهو في العاشرة من عمره وحكم لأطول فترة بين ملوك الدولة الصفوية حيث حكم لأكثر من نصف قرن (1524 ــ 1576 م) وقد عاشت إيران في عهده فترة استقرار وازدهار ونمو رغم الأحداث السياسية التي جرت في عهده والفتن التي حيكت له حيث استطاع ردع الأخطار والاعتداءات العثمانية والأوزبكية وبث الأمن من الداخل وتوسعت في عهده الدولة الصفوية فضم أرمينيا وجورجيا وقرقيزيا إلى دولته، كما اهتم بالعلوم والفنون والصناعات وطوّرها إلى جانب دعم الاقتصاد الوطني عن طريق الاهتمام بصناعة السجاد الإيراني المعروف بالجودة.

في عهده استغل السلطان العثماني سليمان خيانة (القاص ميرزا) أخو طهماسب الذي أقنع سليمان باحتلال بغداد فاحتلها العثمانيون ثم قاد سليمان العثماني عليه حملة كبيرة بجيش قوامه مائتا ألف جندي وثلاثمائة مدفعية، لكن طهماسب استطاع هزيمة هذا الجيش بجيشه المكوّن من سبعة آلاف جندي فقط! وأوقع به خسارة فادحة حيث تجنب الاصطدام بالجيش العثماني واضطر إلى التنازل عن تبريز مؤقتاً باعتماده سياسة الأرض المحروقة فاضطر العثمانيون لعبور جبال زاكروس التي كبدتهم ثلاثين ألف مقاتل.

وهرب القاص الذي لم يجد مأوى يلجأ إليه بعد أن منعه أهالي أصفهان وشيراز من الدخول إليهما ليقع في قبضة طهماسب ويموت في السجن، ولم يكتف طهماسب بردع هذه الحملة بل توغل في الأراضي العثمانية وسيطر على أرضروم وألقى القبض على (سنان بيك) أحد أبرز مساعدي سليمان فاضطر العثمانيون إلى عقد معاهدة صلح مع طهماسب سُمّيت بمعاهدة (أماسيا) نسبة إلى المدينة التي عقدت بها المعاهدة وذلك عام 1555م

كما جرت في عهد طهماسب حادثة أخرى وهي أن خلافاً نشب داخل الأسرة العثمانية الحاكمة بين سليم وبايزيد ابنا سليمان حول من سيخلف أبيهما وتطور الخلاف عندما تمرّد بايزيد على أبيه وخاض معه حرباً فخسرها ولجأ إلى طهماسب فأجاره طهماسب ورفض تسليمه رغم كثرة العروض المغرية التي قدمها سليمان تارة وتارة بالتهديد والوعيد فقد كان حق الإجارة عنده فرضاً لا يتنازل عنه مهما كلف الثمن.

ولكن اليد البيضاء التي مدت لبايزيد حاول عضّها فقد دبر مؤامرة للإطاحة بطهماسب فأفشلها وسلم بايزيد وأبناءه الأربعة إلى رسل سليمان الذين قاموا بقتلهم ودفنوا في سيواس.

ونهج طهماسب نهج أبيه إسماعيل في دعم المذهب الشيعي، وحرص على إكرام علماء الدين، حتى أنه سلم مقاليد أمور الدولة للعالم الكبير الشيخ علي عبد العال المعروف بـ (المحقق الكركي)، وقال له: أنت أولى مني بالملك، لأنك نائب الإمام حقاً، وأنا عامل منفذ، وأوصى جميع الولاة، وأصحاب المناصب بإطاعة الشيخ، والعمل بأوامره وتعاليمه، فكان الشيخ يطبق الشرع الشريف، ويقيم الحدود، كما عين الأئمة للصلاة، والمدرسين في المدارس، والوعاظ لبث المذهب ونشره.

كما اهتم طهماسب بتعمير المراقد المقدسة في العراق وإيران وتوسيعها ومن آثار الشاه طهماسب ترميم الحائر الحسيني، واصلاحه، وتوسيع الصحن، وتجديد المنارة المعروفة بمنارة العبد.

بعد طهماسب حكم ابنه إسماعيل الثاني الذي كان والياً على ولاية شيروان وقاد عدة حملات ضد العثمانيين، ثم تولى أخوه محمد خدا بنده ابن طهماسب الذي تنازل عن العرش لولده عباس الأول

عباس الأول

يعد من أقوى الملوك الصفويين حيث أعاد أمجاد الدولة الصفوية فهزم الأوزبك وحارب العثمانيين ويعد عصره هو العصر الذهبي، يقول عنه الشيخ محمد جواد مغنية: (كان معروفاً بأصالة الرأي، وقوة العزم، وحسن التدبير، والعدل في الرعية، وكانت البلاد الإيرانية حين تولى الملك مجزّأة الأطراف، موزّعة بين الأتراك والتركمان بسوء إدارة أسلافه، فاسترجعها ووحدها تحت سلطانه، وأنشأ لأول مرة في تاريخ إيران، أو الصفويين العلاقات السياسية والعلمية والعسكرية بين إيران، ودول أوروبا، كفرنسا، وانكلترا، وإيطاليا.

وما أن أخضع الثائرين والخارجين عليه، حتى حشد الأتراك على الحدود الإيرانية مائة ألف جندي، فصدهم الشاه عباس، وأرجعهم خاسرين، وقد تبيّن له من حربه مع الأتراك أن الجيش الإيراني ينقصه التدريب والنظام، فاستقدم الخبراء الأجانب، فنظموا له الجيش على الطرق الحربية الحديثة يومذاك، ولما اطمأن إلى جيشه زحف به على بقية الأقطار التي انتزعها الأتراك من الامبراطورية الإيرانية، واستردها قطراً بعد قطر، حتى استرجع أذربيجان وشطوط بحر قزوين وبلاد الجراكسة والعراق والموصل وديار بكر وكردستان وما يليها، وكانت جيوشه - (بعد أن دُربت تدريباً حديثاً - تتغلب على جيش العدو الذي كان يبلغ - أحياناً - ضعفي عدد عساكره.

وقد اتخذ أصفهان قاعدة ملكه، ونظم أحوالها، وأحسن تدبيرها، وكانت العاصمة قبله مدينة تبريز، ثم قزوين).

ثم يقول مغنية عن الحركة العمرانية في عهد الشاه عباس: (لا نعرف سلطاناً كان يملك عقلاً عمرانياً، ويفكر ويعمل ليل نهار لراحة الرعية ورفاهيتها أكثر من الشاه عباس، لقد وهب هذا الشاه نفسه وخزينته، وكل ما يملك لصلاح الشعب وإصلاحه، وجعل العمل للخير العام هدفه الأول ومثله الأعلى، وآثاره القائمة إلى اليوم أصدق الشواهد. إن وجود ملك في عصر الظلمات تتسم جميع أعماله بطابع الإنسانية والمصلحة العامة لهو من خوارق العادات، ولنشرع الآن في تقديم الامثلة:

منها: أنه استقدم العديد من الخبراء بالتجارة والصناعة، مع عائلاتهم من الأرمن وغيرهم، وبنى لهم مدينة خاصة في ضواحي أصفهان عاصمة ملكه، وأنشأ فيها الكنائس والأسواق، وأطلق لهم الحرية الدينية بكامل معانيها، وقد تعلم الإيرانيون من هؤلاء أنواعاً من الفنون والصناعات، وكانوا عاملاً قوياً في حضارة إيران، ورفع مستواها الاقتصادي). (6)

وقال شاهين مكاريوس: (خطت البلاد في أيامه خطوة واسعة إلى العظمة والتقدم، فكثرت التجارة مع الإفرنج، وتردد التجار والسائحون إلى البلاد، وتوطدت العلاقات الطيبة مع دول أوربا وسلطان الهند. وشاد الصروح الفخمة، وزيّن المدائن، وأمر بالعدل، وترك من الآثار العظيمة ما يخلد الذكر، بخاصة في أصفهان التي ليس لها مثيل في الشرق وهو أعظم سلاطين المشرق، وأشهر ملوك إيران، حتى أن الإيرانيين يطلقون عليه عباس شاه الكبير، ويظنون أن كل ما في إيران من الآثار القديمة هي من حسناتة) (7).

وقال صادق نشأت، ومصطفى حجازي: (وقد نشط الشاه عباس الكبير في إقامة علاقات سياسية مع دول أوربا مما ساعد على تبادل المعلومات الصحيحة بين إيران وأوروبا، وكان عباس الكبير يبدي روح التسامح الديني نحو غير المسلمين، وكان يهتم بترقية إيران صناعياً، وقد أحضر ثلاثمائة من الصناع الصينيين المهرة في صناعة الخزف، مع عائلاتهم، ليعلموا الصناع الإيرانيين الجودة في هذه الصناعة، ويدربوهم على إتقانها، وأخذت إيران تنتج الخزف بكميات هائلة. أما الصناعات الأخرى فإن صناعة السجاد قد بلغت في عهد الصفويين حدّاً من الروعة والاتقان كان أساساً لتفوقها الكبير، كذلك ارتفعت صناعة المنسوجات الحريرية ذات الخيوط الفضية والذهبية والنماذج الزخرفية البديعة). (8)

ومن إنجازات الشاه عباس في مجال العمران: (اهتمامه البالغ بشق الطرق وتعبيدها، وتسهيل المواصلات بالأساليب المألوفة في عهده، حتى أنه بنى ألف خان، يتسع الواحد منها لمئات المسافرين مع دوابهم وحمولتهم، وكانوا يأوون فيها دون أي مقابل، ومعلوم أن هذه الخانات كانت ضرورية لمواصلة السير والتنقل، ولولاها لاستحال على المسافرين أن يقطعوا المسافات النائية. وما زالت آثار هذه الخانات قائمة، حتى اليوم.

ومنها: تشييده المساجد والمدارس الفخمة على أحدث طراز.

ومنها: تكريمه العلماء والفقهاء بشتى أنواع التكريم والتعظيم، حتى كثرت في عهده المؤلفات في الفقه والحديث والاصول والاخلاق، وغيرها).

وقال السيد محسن الأمين: (كان سوق العلم في عصره بأصفهان في رواج عظيم، وكان يصدر عن رأي المحقق السيد الداماد، والشيخ بهاء الدين العاملي في خطير الأمور وحقيرها، وألف البهائي كثيراً من الكتب باسمه، كالجامع العباسي وغيره).(9)

إلى غير ذلك من الأعمال الجليلة، وهذا، وكان يرفض التفخيم والتعظيم، ويأبى أن يُطلق عليه الألقاب، وأن يُدعى بغير وكيل الرعية، لأن هذا هو واقع كل حاكم، ومن حاد عن مفهوم الوكالة وحدودها فهو طاغية مستبد. وكان شديد الاتصال بالناس مهتماً بمعرفة أحوالهم، وما هم عليه من بؤس أو نعيم، وكان يلبس كل ليلة لباس الدراويش ويتنقل في الشوارع يتنسم الأخبار، ويتفقّد الفقراء والمعوزين، وكان يفعل ذلك في حروبه أيضاً....).

ويتابع مغنية الحديث عن منجزات الشاه عباس فيقول: (أشرنا فيما تقدم إلى عناية الشاه بعلماء المذهب، وصدوره عن رأيهم، وكثرة تآليفهم في عهده، وكان مع كثرة حروبه ومغازيه لا يقعده شيء عن إحياء الشعائر المذهبية، وله آثار باقية، حتى اليوم في مشاهد الأئمة بالعراق وإيران، وهو الذي بنى الحضرة العلوية في النجف وصحنها بهندسة الشيخ البهائي، وحجره بالكاشي على الهيئة التي هي عليها اليوم، وقد أودع في خزانة أمير المؤمنين وحفيده الرضا التحف الثمينة، ومن آثاره النهر المعروف في النجف بنهر الشاه، وقد حفره سنة ۱۰۳۲ ه‍ بعد أن فتح بغداد، كما أن من آثاره في النجف آباراً واسعة كثيرة، وهي تسمى اليوم الشاه عباسات).

وقد سلك مسلكه في الإصلاح الديني والاجتماعي حفيده الشاه عباس الثاني بن الشاه صفي الذي يقول عنه شاهين مكاريوس: (إنه أظهر سياسة واقتداراً، وإنه عقد صلحاً مع الأتراك، فلم تحدث الحروب في أيامه، كما نمت المتاجر وتقدمت العلوم والصنائع، ورتعت البلاد في بحبوحة الأمن والراحة).

وقال عنه السيد الأمين: (كان عارفاً بتدبير شؤون الملك مكرماً العلماء، وقد أمر المولى خليل القزويني بشرح كتاب الكافي للكليني بالفارسية، والمولى محمد تقي المجلسي بشرح كتاب من لا يحضره الفقيه، وأحضر المولى محسن الكاشي، وألزمه بإقامة الجمعة والجماعة، واقتدى به).

الحركة العلمية

ما إن أعلن إسماعيل المذهب الشيعي في إيران حتى توجّهت أنظاره إلى جبل عامل في لبنان التي كانت مركزاً من مراكز الشيعة التي تزخر بأعلام العلماء والفقهاء، وبدأت هجرة العلماء من جبل عامل للتخلص من العثمانيين الذين قتلوا وشردوا الكثير منهم.

وكان غرض إسماعيل من استقطاب العلماء هو ترسيخ المذهب الشيعي في النفوس، وقد هاجر الكثير من علماء جبل عامل إلى إيران لنصرة المذهب ودعمه وبالقابل وجدوا من الحكام الصفويين منتهى الحفاوة والتبجيل والاحترام وكانت هذه الهجرة هي أحد أسباب التقدم والرقي التي عاشتها الدولة الصفوية.

ومن أبرز العلماء العامليين الذين هاجروا إلى إيران:

1 ــ الشيخ علي بن عبد العال الكركي المعروف بالمحقق الكركي أو المحقق الثاني (870 ــ 940 هـ)

2 ــ كمال الدين درويش محمد بن الحسن العاملي

3 ــ علي بن أحمد بن محمد بن هلال الكركي العاملي الاَصفهاني، المعروف بعلي بن هلال (توفي 984 هـ)

3 ــ حسين بن عبد الصمد الجباعي (918 ــ 984 هــ) 

4 ــ محمد بن الحسن المعروف بالحر العاملي (1033 ــ 1104 هـ)

4 ــ بهاء الدين بن حسين بن عبد الصمد الجباعي المعروف بـ (الشيخ البهائي) (953 ــ 1031 هـ)

وقد تبوأ هؤلاء الأعلام أعلى المناصب الدينية في الدولة الصفوية وكان الملوك الصفويون يجلونهم غاية الإجلال، فقد كان لهم الفضل في بناء الحضارة الصفوية وازدهار الحركة العلمية والفكرية والعمرانية وقد ألفوا أمات كتب الشيعة التي أصبحت مصدرا مهما لأجيال العلماء بعدهم ومن أهم الكتب والمؤلفات التي ألفت في عهد الصفويين (جامع المقاصد في شرح القواعد) للمحقق الكركي، و(أمل الآمل) (ووسائل الشيعة) للحر العاملي، و(بحار الأنوار) للشيخ المجلسي، و(الجامع العباسي) للشيخ البهائي، وغيرها

وسنقتصر الحديث عن واحد من هؤلاء العلماء وإنجازاته في بناء الحضارة الصفوية وهو الشيخ البهائي.

البهائي

بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد بن محمد بن علي بن الحسين بن صالح الحارثي الهمداني العاملي الجبعي المعروف بـ (الشيخ البهائي)، مفخرة الشيعة، وشيخ الطائفة في عصره وإليه انتهت علومها، ولد في (بعلبك) في لبنان وتوفي في أصفهان ودفن في مشهد قرب ضريح الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام).

يعد من أبرز علماء الدولة الصفوية تولى منصب شيخ الإسلام في عهد عباس الأول في العاصمة أصفهان وهو أعلى منصب ديني في الدولة الصفوية، لقّب بـ (الجبعي) نسبة إلى قرية (جبع) في النبطية والتي هي موطن أسرته، والحارثي نسبة إلى جده الأعلى الحارث الهمداني صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام). عاش البهائي (74) عاماً كانت مدوّية بعلومه وانجازاته في شتى ميادين العلم فكان عالماً، فقيهاً، مُحدّثاً، رياضياً، فلكياً، كاتباً، فيلسوفاً، جغرافياً، أديباً، شاعراً، حكيماً، طبيباً، مهندساً، نحوياً، مؤرِّخاً، كيميائياً، فيزيائياً، وباختصار (جامع كل فنٍ غريب وحاوي كل علم عجيب). ولقّب بـ (علامة البشر)، و(شيخ الإسلام)، و(أستاذ الحكماء)، وقد حاز على هذه الألقاب بجدارة.

سفراته وتجواله

 

عاش البهائي طفولته في عصر طغت عليه العصبية الطائفية حيث مارست الدولة العثمانية شتى أساليب القهر والاضطهاد ضد الشيعة في جميع البلاد التي تحت سيطرتها ومنها جبل عامل، فاضطر والده إلى السفر مع ابنه البهائي إلى إيران فوجد الشيخ حسين هناك مأمنه وضالته، حيث الحرية في العلم والتعلم والتسامح الديني، فعكف على دراسة علوم أهل البيت (عليهم السلام)، وكان عمر البهائي آنذاك ثلاث عشرة سنة، وهناك درس على يد والده وغيره من العلماء العلوم الفقهية وعلوم اللغة والأدب ونبغ فيها.

ترك البهائي إيران ليجوب في الأرض وليكتسب إضافة إلى ثقافته العلمية من حلقات الدروس الثقافة الروحية والتأمل بما خلق الله فسافر إلى الديار المقدسة فحج بيت الله الحرام وتشرف بزيارة قبر النبي وقبور الأئمة المعصومين في البقيع، ثم إلى مصر ففلسطين فحلب فالعراق وفيه زار أئمة أهل البيت في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء، ورغم المخاطر التي تحيط بسفراته هذه حيث كانت هذه البلاد خاضعة للدولة العثمانية المعادية للشيعة، إلا أن حب العلم وطلبه كان يحث البهائي على المخاطرة، كما تجوّل البهائي في المدن الإيرانية منها خراسان وقزوين وتبريز وهرات وأقام مدة في مشهد قرب الإمام الرضا (عليه السلام)

ولم ينقطع في هذه الرحلات عن طلب العلم والدراسة ومجالسة علماء المدن التي يزورها فكان يفيد ويستفيد، ففي مصر كان يجتمع بالعلامة محمد بن أبي الحسن البكري الذي كان يعظم البهائي ويجله ويفضله على باقي جلسائه لما توسّم فيه من العلم والفضل، كما كان يعظمه كل من يجتمع بهم من العلماء في البلاد التي يزورها فاجتمع في القدس الشريف بالمقدسي الشافعي، وفي دمشق بالحافظ حسين الكربلائي القزويني، والحسن البوريني، وفي حلب بعمر الفرضي. 

وبعد أن قضى في تجواله ثلاثين عاماً، عاد إلى قزوين عاصمة الدولة الصفوية وفيها عينه الشاه عباس الصفوي أرفع منصب علمي ديني في الدولة وهو (شيخ الإسلام)

العلم المقرون بالعمل

هذا الشعار رفعه البهائي في مسيرة حياته فلم تنحصر إنجازاته على العلم والتأليف، بل كان من الذين وضعوا بصمتهم على الواقع عبر العديد من الانجازات في حياته وبقيت بعد مماته، فقد اقتدى بأئمة أهل البيت (عليهم السلام) في الجود والكرم وإطعام الفقراء والمساكين وإغاثة الملهوفين، وكانت له دار كبيرة خاصة يلوذ بها الفقراء والأرامل واليتامى فيجدون فيها كل ما يحتاجون إليه من طعام ونفقة تسد احتياجاتهم، وكان عمله هذا خالصاً لله تعالى ليس لتصنّع ، يقول الشيخ محمد رضا الشبيبي متحدثاً عن أخلاق البهائي: (خلق هذا الإمام مطبوعاً على حب الحرية والتخفف ومجافاة التصنّع والتكلّف مشغوفاً بمظاهر البساطة في الحياة، فطرة الله ومن أحسن من الله فطرة، ثائراً على المتصنّعين المتكلفين وما أكثرهم في زمانه ومكانه).

ورغم منصبه الكبير في الدولة إلا أنه كان شديد التواضع يخفض جناح الرحمة عليهم ويحنو على كبيرهم وصغيرهم وكان يقول:

أنا الفقـيرُ الـمُعنّى      ذو رقّـةٍ وحـنـيــنِ

للناسِ طُرّاً خَدومٌ      إذا همُ استخدموني

تاريخ في رجل

وإضافة إلى هذه الأعمال الخيرية في حياته فقد كانت له إنجازات معمارية كبيرة شكّلت انعطافة مهمة في حضارة المدن ونقطة ضوء في تاريخها ومن هذه الأعمال والمنجزات التي لا تزال بعضها شاخصة إلى الآن في أصفهان:

1 ــ ميدان نقش جهان

2 ــ مسجد الشاه عباس الصفوي

3 ــ قبة الصدى

4 ــ الحمام الساخن بالشمعة التي لا تنطفئ وهي تقوم بتسخين خزان المياه والإنارة ولا يحتوي الحمام على غيرها

5 ــ المنارتان المهتزّتان

6 ــ قصر الأربعين عمودا

7 ــ جسر ذو ثلاث وثلاثين قنطرة

8 ــ قناة نجف آباد المائية

9 ــ مسجد الشيخ لطف الله العاملي

10 ــ الساعة الشمسية شرق مسجد الشاه

بناء أصفهان

عندما أراد الشاه عباس نقل العاصمة من قزوين إلى أصفهان قد أوعز بخطة لبناء مدينة أصفهان وإعمارها وتوسيعها وبناء معالم شيعية على أنقاض معالم الدولة السلجوقية التي كانت تحكم إيران قبل الصفويين، وجعلها تضاهي أرقى المدن في العالم، وأوكل الإشراف على هذه الخطة إلى الشيخ البهائي ووضع كل المهندسين والمعمارين بكافة اختصاصاتهم تحت إشرافه، فكان يضع لكل منهم خطة على الورق للعمل عليها ويشرف عليها حتى إنهائها.

والخطط التي كان يضعها البهائي لم تستخدم سابقاً، بل كانت من نتاج عبقريته المعمارية، وقد توسّعت المدينة بفضل الخطة التي وضعها البهائي إلى أربعة أضعاف مساحتها السابقة، وقد حدَّد البهائي هذا التوسّع إلى الجنوب دون غيره من الجهات الأربع لوجود الماء، كما قام بتقسيم مياه النهر وفق المساحة بقياسها بالكيلو متر، وأغلب المعالم التي تزهو بها أصفهان الآن يرجع الفضل فيها إلى البهائي الذي شكل وجوده فيها (نعمة كبيرة من الله). وبعد أن تمت خطة إعمار أصفهان تُوِّجت عاصمة للدولة الصفوية وأطلق عليها لقب (عروس مدن العالم)، وفضلها من زارها من الرحالة والمستشرقين على القسطنطينية وقارنها البعض بلندن وباريس وبعضهم فضلها على هاتين المدينتين لروعة ومتانة أبنيتها وهندستها المعمارية.

وقد وُصِفت أصفهان بأنها في عهد الشاه عباس الأول بأنها: (لا يمكن مقارنتها بأيِ من مدن الشرق آنذاك بما فيها أسطنبول إذ أصبحت أفضل منها أو تساويها، كما عادلت مدينة نابولي الإيطالية سوى أنها أصغر، لأن المباني الجديدة التي أقامها الشاه لم يتم ضمّها بعد إلى المدينة الأمر الذي جعلها أكبر من أسطنبول وحتى روما)

كما: (وبلغت من الازدهار، بأبعاده المختلفة، درجة كبيرة من العظمة والجمال، ووصفت بأكبر مدن الشرق إذ فاقت بأهميتها الحضارية آنذاك باريس ولندن).

ونجد في وصف السيد حسن الأمين لمعالم هذه المدينة ما يشير إلى الجهد العمراني الذي بذله البهائي في رسم خطة بنائها حيث يقول في وصفها وكان قد زارها عام (1966): (ويعود منشأ شهرة هذه المدينة إلى عهد الملك الصفوي عباس الكبير حيث كان يقوم بإحداث أبنية جديدة ويعمل في سبيل توسيع نطاق العمل ورفع مستوى الإقتصاد حتى أطلقوا عليها أصفهان نصف جهان ــ أي نصف الدنيا ــ وقد لقبها الكثيرون آنذاك بباريس الشرق حتى أن بعض السائحين الأوربيين الذين زاروها خلال تلك الفترة كانوا يعتبرونها من أكبر مدن العالم مما شهده به شاردن وتارونيه الفرنسيان ولا سيما في كثرة متاجرها)

وبعد أن يعدد الأمين المعالم الكثيرة في مدينة أصفهان يذكر بعض إنجازات البهائي فيصف مسجد لطف الله العاملي بأنه: (لوحة من أروع اللوحات العالمية)، ثم يصف مسجد الشاه عباس وما فيه من روائع الفن ثم يقول: (على أن فيه شيئاً هو أعجب من هذه الأعاجيب، ذلك أن المسجد متّسع الجنبات لا يبلغ صوت الخطيب فيه إلى كل جانب، فاستطاع مهندسه البارع أن يبنيه على فن يتجاوب فيه الصوت تجاوباً متتابعاً يتيح انتقاله إلى كل أذن داخل المسجد، ويبلغ به مدى بعيداً في صحن المسجد، ولقد كنت أسمع عن هذا من قبل فلا أتصوره حتى كنت هنا وأصغيت إلى تتابع الصدى تتابعاً متتالياً قيل أنه يبلغ سبع مرات، ولكنني لم أستطع عدها وإن سمعت تعددها كما وقفنا في الصحن بعيداً عن مكاننا وسمعنا من يهتف في الداخل سماعاً ما كنا لندركه لو كنا في غير هذا المسجد، وهكذا استطاع ذاك المهندس أن يوجد مكبِّراً للصوت، بلا مكبر ولا كهرباء ولا أسلاك من قبل أن يعرف العالم هذه المكبرات بمئات السنين، أما المهندس الذي قام بكل ذلك فالمعروف أنه عاملي من جبل عامل إنه بهاء الدين العاملي الشيخ البهائي).

أما بالنسبة لتقسيمه لمياه النهر وبنائه لجسر يحمي المدينة من الفيضان فيقول نسيب حطيط: (صمم الشيخ البهائي جسر جلفا لمنع فيضان نهر زاينده وذلك عبر إحتساب كمية المياه منذ أوائل كانون الأول من كل عام ولمدة 197 يوماً حتى انتهاء ذوبان الثلوج في الجبال المحيطة واحتساب كمية مياه البحر لمدة 168 يوم قبل هذا التاريخ حتى وصل إلى إستنتاج أساسي لمنع الفيضان واستغلال المياه بأن يقسم مجرى النهر إلى ثلاثة وثلاثين سهماً حيث تساوي قيمة السهم المائية خمسة أجزاء زمنية من اليوم، مما يضمن أن لا تغمر المياه الجسر وقد توصلت الأبحاث العلمية والعملية التي أجريت إلى نفس النتيجة التي توصل إليها الشيخ البهائي قبل 420 عاماً، مما يثبت المستوى والكفاءة العلمية التي وصل إليها هذا العالم).

وتقول الباحثة وسن عبد العظيم: (عالجت الحكومة أزمة الفيضان من خلال انشاء جسور ذات سدود على نهر زاينده وأهمها "جسر الله وردي خان على وفِق طريقة ابتكرها الشيخ البهائي).

لقد كان البهائي أمة في رجل، وتاريخ في سبعة عقود، فلا يزال اسمه وسيبقى في أرجاء هذه المدينة عبر معالمها الخالدة، ونستطيع القول أن البهائي بحق هو باني أصفهان ومجدد نهضتها الحضارية والعمرانية.

الشعائر الحسينية عند الصفويين 

اهتم الصفويون اهتماماً بالغاً بالشعائر الحسينية وأولوها عناية قصوى فحرصوا على إقامة مجالس العزاء في شهري محرم وصفر من كل عام وخاصة يوم عاشوراء، وتجسيد المقتل (وهو عمل مسرحي تجسيدا لواقعة الطَّف في كربلاء)

يقول السيد إبراهيم الحيدري: (وكانت هذه الشعائر في ذلك الوقت عبارة عن إقامة مواكب العزاء التي تتكون من مجموعات من الرجال الذين يرتدون البسة ملونة وزاهية ويمتطون خيولاً وجمالاً ذات سروج مزركشة وهم يسيرون في الشارع الرئيسي في المدينة وفي وسط المجموعة يظهر رجل مطروح على ظهر فرس يمثل رجلاً مذبوحاً ومضرَّجاً بالدماء وخلف الفرس تسير مجموعة من الجنود وهم يحملون الرماح تصحبهم فرقة موسيقية ومجموعات من الرجال وهم ينادون (حسين.. حسين سيد الشهداء). (10)

ويقول السيد صالح الشهرستاني: (اهتم ملوك الدولة الصفوية الشيعية اهتماماً عظيماً بالعزاء الحسيني ومأتمه في داخل البيوت وخارجها وفي المساجد والتكايا والمعابد والأسواق والشوارع والساحات العامة وحتى في البلاط ودوائر الدولة كما تنوّعت وتشعّبت أساليب هذه المناحات وعمّت جميع طبقات الشعب وأصبحت تقاليد متأصّلة في النفوس) (11)

ويقول أحمد كسروي: (لما قام الصفويون في إيران أشاعوا المناحة بين الإيرانيين فأقبل العامة عليها إقبالاً عظيماً ..) (12)

وإضافة الى مواكب العزاء هذه فقد كانت تقام مجالس العزاء في بيوت الوجهاء من الناس حيث يقوم (روزخون) ــ أي خطيب ــ بقراءة قصة من قصص واقعة الطف الدامية وما جرى على الامام الحسين (ع) واهل بيته واصحابه من مآس وآلام ويستقي (الروزخون) هذه المعلومات عن حوادث عاشوراء من كتاب مشهور عندهم يسمى (روضة الشهداء) وهو أول كتاب معروف تاريخياً في إيران والذي يحكي قصة استشهاد الامام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه وقد صدر هذا الكتاب في إيران وهو من تأليف حسين واعظ كاشفي المتوفي عام (910) هـ.

أما أول العروض لمسرح التعزية في إيران فقد جرى في عهد الصفويين في شيراز في يوم عاشوراء عام 1011 هـ 1602 م

كما حث الصفويون على زيارة المراقد المقدسة وتعميرها فقام الشاه عباس بتعمير مرقد الإمام الرضا وطلاء قبته بالذهب، ومشى على قدميه من أصفهان إلى طوس، وعبّد الطرق المؤدية إليه وبنى فيها القناطر والخانات لضيافة المسافرين مجاناً

العداء العثماني والأوزبكي للصفويين

أثار إعلان الشاه إسماعيل المذهب الشيعي الإثني عشري المذهب الرسمي في إيران مخاوف العثمانيين واعتبروه بمثابة ناقوس الخطر الذي يهدد كيان الإمبراطورية العثمانية، فسعى العثمانيون حثيثاً وبشتى الطرق إلى القضاء على هذه الدولة الفتية التي وقفت نداً لهم مما اضطرهم إلى التحالف مع الأوزبك للقضاء على الصفويين عسكرياً وفكرياً فارتكبوا أبشع جرائم الإبادة وأفظع المجازر المروعة بحق الشيعة في المناطق التي تحت نفوذهم، وقد وجدوا في فتاوى الكفر والتكفير التي خطها علماء القتل ومشايخ الدم المجرمين من وعاظ السلاطين العثمانيين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم خير غطاء لجرائمهم فألبسوها ثياب الدين حتى وصل الحقد الأموي الذي توارثه هؤلاء المجرمون إلى إصدار فتوى تقول: (إن قتال الشيعة يعدل في ثوابه سبعين مرة قتال الكفار)!.

قال الكاتب الانكليزي لونكريك: (كانت بطولة القضية السنية أول حجة تذرع بها سليم لإعلان الحرب. وقد خلد الأشهر من حكمه بالذبح المتقن لجميع الشيعة أينما وجدوا. هذا بعد أن استحصل السلطان من شيوخ السوء على فتوى باستباحة دماء الشيعة وحريمهم وأموالهم). (13)

وقال السيد محسن الأمين: (قتل السلطان سليم أربعة وأربعين ألفاً، وقيل سبعين ألفاً من الشيعة في الأناضول، وفي هذا العصر استولى الإسبانيون على بلاد الأندلس، وأزالوا دولة بني الأحمر العربية، واستنجد بنو الأحمر بالسلطان التركي والد السلطان سليم، فلم ينجدهم، حتى فعل بهم الاسبانيون ما فعلوا، ولكن السلطان التركي قتل الشيعة المسلمين في بلاده، وحارب السلطان الفارسي المسلم....) (14)

بهذه الفتاوى كان العثمانيون والأوزبكيون يبيدون القرى والمدن الشيعية الآمنة وقد سخّروا كل إمكانياتهم الدعائية لتكفير الشيعة وجواز قتلهم واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم وإكمال مسلسل الإبادة والدم الذي بدأه أسلافهم السلاجقة والتيموريون.

ففي الوقت الذي أعلن الشاه عباس الصفوي المذهب الشيعي المذهب الرسمي للدولة وأصر على إعلانه مهما كلف الثمن رغم المحيط السني الذي يحيط بإيران متمثلاً بالأوزبك من الشرق والعثمانيين من الغرب، كانت الدولة العثمانية تقوم بعمليات إبادة وحملات قتل واضطهاد واسعة ومستمرة ضد الشيعة في كل البلاد التي تقع تحت سيطرتها مستهدفة الوجود والكيان الشيعي برمته للقضاء عليه.

التسامح الديني

ورغم أن الدولة الصفوية لم تنهج في سياستها منهج العثمانيين وسياسة التعامل بالمثل، إلا أن العثمانيون اعتبروا إقامة دولة شيعية بحدّ ذاته يمثل طعنة لها وتهديداً لسيادتها على المنطقة، فلم يكن لدى الصفويين أطماع توسّعية أو أحقاد مذهبية أو حتى فوارق عرقية أو عنصرية، بل بالعكس فقد نهجوا في سياستهم على مبدأ التسامح الديني فعاش اليهود والنصارى الأرمن والسنة في ظلها حياة حرة كريمة، ولكن الذي أثار حفيظة العثمانيين وأثار مخاوفهم منها وأحقادهم عليها أنها سخّرت إمكانياتها وجهدها لنشر المذهب الشيعي وفكر أهل البيت واحتضنت علماء الشيعة الهاربين من بطش ولاة الدولة العثمانية وخاصة علماء جبل عامل الذين كان لهم دور كبير وفاعل في نشر المذهب الشيعي وترسيخ وتوسيع الثقافة الشيعية في إيران، كما شكلت الدولة الصفوية مصدر أمن للشيعة الذين عانوا لقرون طوال من بطش السياسات المعادية للشيعة.

الحرب على الشيعة عسكرياً وإعلامياً

قاد العثمانيون جيوشهم وسخروا ماكنتهم الإعلامية والدعائية لإزالة الدولة الصفوية من الوجود، فخاض الصفويون معهم معارك مصيرية كانت سجالاً بين الطرفين أثبت فيها الصفويون أنهم لم يكونوا صيداً سهلاً للمارد العثماني الذي كثف من دعاياته الكاذبة المشحونة بفتاوى الدم التي كتبت بمداد الحقد الأموي لتحشيد الناس على قتل الشيعة، وتحالف العثمانيون مع الأوزبك الذين يتبنون المذهب الحنفي والذي هو مذهب العثمانيين لهذا الهدف، وقد تبنّى العثمانيون هذا المذهب لأغراض سياسية فهو المذهب الوحيد الذي يجيز لغير العربي الحكم.

وتصاعدت وتيرة العداء باعتداء سافر من قبل الأوزبك بتحريض من العثمانيين وجرت معارك طاحنة فكان الصفويون يقاتلون على جبهتين العثمانية والأوزبكية، ولسنا هنا بصدد سرد وقائع تلك المعارك الطويلة وما نحن بصدده هو المجازر والمذابح وعمليات الإبادة التي سبقت وتخللت تلك المعارك من قبل العثمانيين والأوزبكيين بحق الشيعة، والتي تجري عادة بعد استيلائهم على المدن فيقتلون ويأسرون وينهبون.

الأناضول منطقة منكوبة

لقد مثل وجود الشيعة في الأناضول مصدراً مقلقاً وهاجساً مخيفاً لدى العثمانيين وبتولي سليم الأول الحكم بعد وفاة بايزيد وضع لهم حدّاً لهذا القلق.

ارتكب السلطان سليم الأول أولى مجازره في مناطق الأناضول عام (919هـ) عندما استصدر فتوى تبيح قتل الشيعة فصدرت الفتاوى الدموية التي توجب قتل الشيعة وخروجهم من الملة، فقام سليم الأول بقتل أكثر من أربعين ألف شيعي في مناطق الأناضول دون ذنب أو جرم سوى أنهم شيعة!

يقول الدكتور مصطفى كامل الشيبي: (انصب اضطهاد العثمانيين في وحشية عارمة على أربعين ألفاً من الشيعة لم ينج منهم طفل ولا امرأة ولا شيخ)!!إثر هذه المذابح البشعة قام الشيعة بانتفاضة ضد العثمانيين في تلك المناطق لكنها قمعت بقسوة ووحشية وقتل كل من شارك فيها وسبيت نساؤهم وبناتهم وأولادهم).

جالديران وتداعياتها

في عام (920 هـ) وقعت أكثر المعارك دموية بين العثمانيين والصفويين وهي معركة (جالديران)، وفيها استخدم العثمانيون كل طاقاتهم وإمكانياتهم وأسلحتهم المدمِّرة فراحت المدافع تصبُّ نيرانها على الجيش الصفوي الذي اعتبر هذا السلاح غير لائق بالجندي الشجاع ومنافياً للفروسية فانسحب من المعركة، وصدرت إثرها الفتاوى بوجوب قتل الشيعة، وكان أبشع تلك الفتاوى التي أصدرها مفتي الديار العثمانية نوح الحنفي والتي أفتى بموجبها بقتل الشيعة (تابوا أم لم يتوبوا)! فقتل الشيعة في الكثير من البلاد الإسلامية وجرت المذابح فيها وخاصة في جبل عامل التي قتل العثمانيون فيها أكثر من خمسين ألفاً.

واستمر العثمانيون بشن الغارات والحملات على المدن الشيعية الآمنة فيقتلون وينهبون، فكانت المدن الحدودية دائماً عرضة لمثل هذه الغارات حتى توقيع معاهدة السلام عام (963 هـ) والتي حرصت الدولة الصفوية على تطويرها بتحسين العلاقات ولكن الأوضاع السياسية كانت تعيش بين مد وجزر، وفي عام (986 هـ) كانت الدولة الصفوية قد أنهكها الصراع الداخلي والتمزّق وحالة الفوضى من الداخل وانشقاق القادة والأمراء داخل الأسرة الحاكمة، وكعادتهم استغل العثمانيون هذه الفرصة.

فرغم اتفاقية السلام المبرمة بينهم وبين الصفويين إلا أنهم قاموا بمحاولات استفزازية للإخلال بها وإلغائها بعد عشرين عاماً من عقدها فحرّضوا الأكراد في أذربيجان وبحيرة (وان) لشن حملات على الشيعة فشملت تلك الحملات مدينتي خوي وسلماس فقتلوا حاكمها مع أربعمائة شخص من أتباعه وأسروا نسائهم وبناتهم وأطفالهم وحملوا رؤوسهم إلى السلطان العثماني مراد الثالث.

وقد حرّض هذا الهجوم من قبل الأكراد باقي الأقوام فهاجم التتار في شمال الخزر الحدود الشمالية للدولة الصفوية (منطقة قره باغ) وأوقعوا الكثير من القتلى وهو ما أصاب سكان مدينة شيروان القريبة بالذعر والهلع فاستأمنوا السلطان العثماني وطالبوا بالإنفصال عن الدولة الصفوية لكن ذلك لم يمنع العثمانيين من شن هجوم كبير وبجيش جرار يضم أكثر من مائة ألف جندي على شيروان ومنها إلى جورجيا واحتلالهما

تبريز ضحية الصراع الداخلي

في تلك الفترة كان الصراع الداخلي يتفاقم داخل الأسرة الصفوية الحاكمة والمشاكل تتوالى وهي تنذر بانهيارها، ولم يكن العثمانيون بالذين يتركوا مثل هذه الفرص تمر مرور السحاب دون استثمارها لصالحهم وقتل أكبر عدد من الشيعة، فانتهز السلطان العثماني الأزمة التي أحدثت شرخاً كبيراً في الدولة الصفوية نتيجة النزاع على الحكم والفوضى التي عمت البلاد وخاصة في خراسان فقام باجتياح إقليم أذربيجان واحتلاله.

وفي عام (994 هـ) ارتكب العثمانيون مذبحة عظمى في تبريز التي سقطت بأيديهم، وكانت تبريز تعيش في تلك الفترة ذروة نموها وازدهارها الاقتصادي وهي مركز الصفويين لأكثر من قرن، وقد ساعد إعفائها من الضرائب من قبل الشاه طهماسب على تبوأ الصدارة في المجال الاقتصادي، فكانت هذه سياسة طهماسب لتشجيع السنة على الانتماء إلى المذهب الشيعي لكنها الآن تسقط بيد العثمانيين بعد أن تخاذلت القوات الصفوية عن حمايتها بسبب الانشقاقات الداخلية، ورغم استعداد أهلها لصد الهجوم العثماني وبناء الدفاعات المحكمة وإقامة المتاريس حولها إلا أنها سرعان ما سقطت أمام هذا الهجوم العثماني الكاسح المزود بالمدفعية.

واندفع الجنود العثمانيون إلى قلب المدينة وبدأت خطة العثمانيين التي تتكرر دائماً عند احتلالهم للمدن فأعلنوا العفو العام لكل السكان، لكن أهالي تبريز وغيرها من المدن كانوا قد جرّبوا مثل هذا الإعلانات التي تتلاشى سريعاً لتحل محلها الفتاوى الجاهزة باستباحة دمائهم وأعراضهم فهرب من استطاع الفرار من الشيعة، وما إن أحكم الجيش العثماني سيطرته على المدينة حتى صدرت الفتوى باستباحتها ولم تراع حرمة شهر رمضان الذي وقعت فيه هذه المذابح العظيمة التي قتل فيها أكثر من ثمانية آلاف مسلم شيعي كان منهم الكثير من العلماء والسادة والصلحاء الأخيار حتى اصطبغت شوارع المدينة بالدماء وامتلأت بالجثث.

حتى الأطفال!!

ولكن الذي لا يستطيع أي إنسان تقبّله مهما كان، هو ذبح الأطفال الرضَّع وسبي أكثر من سبعة آلاف امرأة وبيعهن في سوق للنخاسة أقامه العثمانيون لهذا الغرض، وأضحت تلك المدينة العامرة المزدهرة مدينة للموتى وقد وصفت تلك المجزرة بمجزرة كربلاء لقسوة الجناة وهستيريا القائد العثماني ونزعته الدموية المتوحشة.

الأوزبك وتحالف الشر

دخل الأوزبك دائرة الصراع السياسي العنيف بين الصفويين والعثمانيين بعد إعلان الشاه إسماعيل الصفوي المذهب الشيعي الرسمي في إيران فتحالف الأوزبك مع العثمانيين ضد الصفويين وكان من أهم عوامل هذا التحالف هو العامل المذهبي الذي يجمع بينهما فكلاهما كانا على المذهب الحنفي المتعصب ضد الشيعة إضافة إلى الأطماع السياسية، كما ساعدت الدعاية العثمانية الطائفية المكثفة والتحريض على الشيعة على الاعتداءات السافرة والمتكررة التي كان يقوم بها الأوزبك على المدن الإيرانية وعمليات الإبادة الجماعية التي كانوا يقومون بها بعد كل غزو واحتلال.

بدأت دولة الأوزبك التي قامت على أنقاض الدولة التيمورية بالظهور بعد احتلال شيبك خان الأوزبكي ـ وهو من أحفاد جنكيز خان ـ سمرقند ثم احتل بخارى ومناطق واسعة من تركستان وما وراء النهر، وأخذت هذه الدولة بالتوسّع وراودت قائدها شيبك خان الأحلام بإعادة فتوحات جده جنكيز خان، وفي عام (913 هـ / 1507م) احتل خراسان واستعد لتسيير جيش لاحتلال كرمان.

رسالة ونهاية

وفي غمرة زهو شيبك خان بانتصاراته المتلاحقة واحتلال المدينة تلو الأخرى دعاه غروره إلى إرسال رسالة إلى الشاه إسماعيل الصفوي يأمره فيها بترك المذهب الشيعي، كما تضمّنت الرسالة إهانات وتجاوزات لا يمكن السكوت عليها، فسيَّر الشاه إسماعيل جيشاً جراراً لاستعادة المدن التي احتلها الأوزبك ولرد تلك الإهانة بالدم.

وصلت أنباء زحف الجيش الصفوي إلى خراسان وكان لصدى هذا الزحف أثره المرعب في قلوب حكام الأوزبك في دامغان واستراباد الذين فروا إلى هرات، فيما فر قائدهم شيبك خان من هرات إلى مرو، وبدأ الجيش الصفوي يحرِّر المدن التي احتلها الأوزبكيون فدخل مدينة مشهد ومنها واصل تقدمه نحو سرخس ثم إلى مرو مركز الدولة الأوزبكية وهناك جرت معركة فاصلة وطاحنة عام (916 هـ / 1510م) استمرت سبعة أيام سجل فيها الشاه إسماعيل انتصاراً ساحقاً على الأوزبك وقتل قائدهم شيبك خان في هذه المعركة وقطع رأسه وأرساله إلى السلطان العثماني بايزيد.

الإحتلال وسلطة الحديد والنار

عاود الأوزبك الكرة بعد لمّ فلولهم وخاضوا معركة مع الصفويين استطاعوا فيها هزيمتهم وأسر قائدهم أمير يار أحمد وقتله واحتلوا مناطق كبيرة من الدولة الصفوية لكنهم عجزوا عن احتلال هرات.

واستمرّت هجمات الأوزبك على خراسان في عهد الشاه إسماعيل والشاه عباس (الأول), وقد وصل الشاه عباس إلى سدّة الحكم في فترة كانت البلاد فيها تتعرّض لغارات وغزوات الدولة العثمانية من جهة الغرب والأوزبك من جهة الشرق, وفي الوقت الذي كانت الدولة الصفوية تعيش حالة الصراع الداخلي المتفاقم على السلطة كان الأوزبك قد استولوا عدة مرّات على مدينة (مشهد المقدسة) وكان معظم مدن خراسان معرّض لانتهاكاتهم واعتداءاتهم.

حصار هرات واقتحامها

في عام (931 هـ) استغل عبيد خان قائد الأوزبك حالة الصراع والتمزق الداخلي التي أصابت الدولة الصفوية إثر موت الشاه إسماعيل فاجتاح خراسان وهرات وطوس واستراباد واستولى عليها بعد مقاومة شديدة خاصة في هرات، فارتكب فيها من الفظائع ما تقشعر منه الأبدان وتشمئز منه النفوس ويندى له جبين الإنسان، فقد كانت هناك كالعادة فتاوى مشبعة بالكراهية تشم منها رائحة الدم تصدر مباشرة بعد احتلال المدن من قبل شيوخ العثمانيين والأوزبك، شركاؤهم في الجرائم وهذا الشيء عرفه أهالي المدن الإيرانية طوال حكم الدولة العثمانية وهو ما دفع بأهالي هرات إلى إحكام الدفاعات والمتاريس للدفاع عن المدينة والإستماتة دون دخول الأوزبك إليها وصمدوا طويلا لكنهم لم يكونوا بإمكانيات الجيش الأوزبكي العسكرية المتفوقة المدججة بالسلاح والمدفعية فسقطت المدينة أمام الحشود الأوزبكية وجرت فيها المذابح بحق أهلها الشيعة ووصل الأمر إلى اتهام الكثير من أثرياء السنة بالتشيع لقتلهم وسبي نسائهم وسلبهم أموالهم وممتلكاتهم.

وفي عام (986 هـ) كانت الدولة الصفوية قد أنهكها الصراع الداخلي والتمزّق وحالة الفوضى من الداخل وانشقاق القادة والأمراء داخل الأسرة الحاكمة فكانت هذه فرصة للأوزبك فقاد جلال خان الأوزبكي حملة على نيسابور وسبزوار واسفرايين فقتل ونهب ثم توجه إلى مشهد فتصدى له حاكمها وأوقع به هزيمة نكراء.

وفي عام (996 هـ) حاصر الأوزبك (هرات) في الوقت الذي كانت الدولة الصفوية تعيش حالة مزرية من الإنقسامات التي تهدد بزوالها واستمر حصارهم لمدة تسعة أشهر حتى استطاعوا دخولها بعد دفاع مستميت من قبل أهلها فقتلوا كل من فيها من الشيعة وأسروا نساءهم وأطفالهم، وبلغ من عداء الأوزبك للشيعة إنه كان أي إنسان في هرات إحراق عدوه حياً بإحضار شاهدين يشهدان عند القاضي الحنفي بأنه شيعي حتى وإن كان من أهل السنة، فحرق الإنسان حياً هو حكم القاضي على الشيعة!.

وفي السنة التالية أي في عام (997 هـ) احتل الأوزبك بقيادة عبد المؤمن خان بن عبد الله خان مدينة مشهد التي لم تكن الشيعة فيها بأحسن حالاً من هرات وغيرها بعد احتلالها فجرت المذابح وقتل الكثير من العلماء منهم السيد عبد الله الشوشتري الذي أحرق حياً ولم ينقذه من المحرقة التي أعدت له عمله بالتقية وادعاءه بانتمائه للمذهب الشافعي.

قندهار اخطبوط الموت

لم يدق إعلان الشاه إسماعيل الصفوي بتشيّعه وتشيّع دولته رسمياً ناقوس الخطر في إرجاء الدولة العثمانية فحسب، بل تنامى هذا الشعور بالخطر لدى أطراف أخرى اعتبرت هذا الإعلان مصدر تحدٍ لها، بل بمثابة رفع راية الحرب عليها، ورغم أن سياسة الدولة الصفوية لم تكن ذات أطماع توسّعية إلا أن مجرّد إعلانها رسمياً اعتناق المذهب الشيعي كان كفيلاً للشعور تجاهها بعدائية والتوجّس منها والنظر إليها نظرة الطرف المقلق الذي يهدد كيان الأطراف السنية فشنوا عليها الهجمات والغارات وخاضوا ضدها المعارك وحاكوا حولها المؤامرات والدسائس لتقويضها.

الأوزبك وشرارة الحرب

وقد أثارت النعرات المذهبية الأوزبك ــ الذين يعتنقون المذهب الحنفي ــ فبدأوا بشن الغارات واستباحة المدن الإيرانية ودعمهم العثمانيون في غاراتهم إلا أن الصفويين قاموا بحملة تأديبية أوقعوا فيها بالأوزبك هزيمة نكراء وقتلوا قائدهم شيبك خان الذي تقطع جسده تحت حوافر الخيل وأرسل الصفويون رأسه إلى السلطان العثماني بايزيد ليخطوا بدمه رسالة مفادها: إن هذا سيكون مصير تحالفاتكم.

وعزز الصفويون انتصارهم بانتصارٍ ثانٍ على الأوزبك وطاردوهم حتى سمرقند وبخارى، ولكن بدخول العثمانيين دائرة الصراع المسلح أخذت موازين القوى تميل في غير صالح الصفويين حيث شكلت معركة (جالديران) انتكاسة لهم وضعضعت أركان دولتهم وجعلتهم ينكفئون على مؤامرات ودسائس داخلية وفتن وصراعات أسرية فيما بينهم كانت السبب الرئيس لتقويض دولتهم واندثارها.

الحليف القاتل

في خضم هذا الصراع المذهبي كان شعور الصفويين بوجود حليف لهم في مواجهة العثمانيين والأوزبك ملحاً وقد دق الحليف المنتظر بابهم ولكن لم يكن يخطر في بالهم أن نهاية دولتهم ستكون على يد هذا الحليف وليس على يد أعدائهم من العثمانيين والأوزبك.

بدأت شرارة النار التي ستأتي على الدولة الصفوية عندما دعم الشاه إسماعيل الصفوي السلطان المغولي بابر شاه بطلب من الأخير لتثبيت قواعد ملكه وتوطيد دعائم حكمه على الهند ودفع أخطار الأوزبك الذين يمثلون عدواً مشتركاً للصفويين والمغول, وقد استجاب الشاه عباس لطلب بابر شاه وأبدى استعداده للوقوف إلى جانبه في حرب الأوزبك ودعمه في استعادة المدن التي وقعت بأيديهم مقابل اعتناق بابر شاه للمذهب الشيعي وتم الاتفاق بين الجانبين فساند الجيش الصفوي بابر شاه لفرض سيطرته على كابل وقندهار وسمرقند ودلهي وأكرا وغيرها من المدن التي انتزعت من الأوزبك الذين لم تتوقف أطماعهم التوسعية عند حد.

وبلغت العلاقات الصفوية الهندية ذروتها في تلك الفترة, ووفى بابر شاه بوعده فاعتنق المذهب الشيعي وارتدى زي القزلباش ــ الجيش الصفوي ــ وسك النقود باسم الأئمة الإثني عشر وافتتح خطاب النصر بأسمائهم (عليهم السلام).

قندهار

لم يستقر الوضع في هذه المدينة كما أراده الصفويون والمغول معاً, فقد بقيت عقدة قندهار تثير قلقهما، حيث لم تطل مدة سقوط قندهار بيد المغول فسرعان ما انتفضت واستعادها الأفغان مما حدى بالسلطان همايون بن بابر شاه إلى زيارة إيران وطلب مساعدة من الصفويين لحسم الوضع مع قندهار فأمده الصفويون بجيش قوامه أربعة عشر ألف جندي مقابل نفس الشرط الذي عرضوه على أبيه بابر شاه وهو اعتناق المذهب الشيعي فوافق همايون وتم له بفضل اعتناقه التشيع السيطرة على قندهار والقضاء على أية مقاومة فيها.

كان الهدف وراء هذا التحالف وتوطيد العلاقة بين الدولتين الصفوية والهندية وتطويرها هو اتحاد القوتين لمواجهة الخطر الأوزبكي الذي يهدد مصير الدولتين خاصة وأن الأوزبك لديهم حليف قوي بمستوى الدولة العثمانية.

توتر العلاقات

لم تستمر العلاقة بين الصفويين والمغول على هذه الوتيرة فقد شابها ما يكدرها ويضعف من قوتها بعد احتلال الشاه طهماسب قندهار وكابل وقد واجهته الهند بموقف المستنكر فقط ولم تبد أية محاولة لاستعادة المدينتين رغم الفرص المؤاتية لها وانشغال الصفويين بالحروب والمؤامرات الداخلية والفوضى السياسية التي عمت البلاد، ولعل سبب ذلك يكشفه عمق العلاقة والتعاون بين الدولتين عندما شكلا قوة واحدة لانتزاع المدن من سيطرة الأوزبك والدور الكبير الذي أداه الجيش الصفوي لاستقرار الوضع في الهند للحكم المغولي ودفع خطر الأوزبك كما يفسر هذا الدور موقف الهند تجاه الصفويين عندما رفض أكبر شاه ابن همايون امبراطور الهند العرض الذي قدمه له الأوزبك بالتحالف معه للقضاء على الدولة الصفوية نهائياً بعد احتلال الهند لخراسان واكتفى أكبر شاه باستعادة المدينتين ليخرج من دائرة الصراع بين الأوزبك والصفويين.

وقد تم له ذلك ولكن العلاقات بينه وبين إيران لم ترجع إلى سابق عهدها حيث سادها التوتر والجنف من قبل الهند رغم محاولات إيران إقامة علاقات جديدة حيث لم يستقبل الهنود مبعوث الشاه عباس كما ينبغي له مما جعل الصفويين يتخذون نفس الإجراء مع مبعوث أكبر شاه، ثم حدثت بعض التطورات في العلاقات بين الدولتين في عهد جهانكير بعد وفاة أبيه أكبر شاه, ولكن قندهار.. بقيت حجر عثرة أمام كل تطور في العلاقات بين البلدين.

ولعل نظرة الصفويين إلى قندهار نظرة استثنائية.., ولا يعرف بالضبط أسباب هذه النظرة التي احتلت الأولوية من اهتماماتهم حيث لم يألوا جهداً للسيطرة على قندهار رغم أن سياستهم لم تكن توسعية، وقد بلغت هذه الرغبة عندهم إلى حد التضحية بعلاقات متينة مع الهند، وربما بل من المؤكد أنه لم يكن في حساب الصفويين أن تحقيق هذه الرغبة سيقضي على دولتهم!!

بعد أن أخذت العلاقات تنمو تدريجياً نحو الأفضل بين الهند وإيران وبدلاً من أن يقوّي الشاه عباس من أواصر هذه العلاقة فقد أحدث فجوة عميقة فيها بعرضه على جهانكير ضم قندهار إلى تخوم الدولة الصفوية وهو الأمر الذي لم يرفضه جهانكير فقط، بل استنكره وأخذ ينظر إلى شاه عباس نظرة الملك التوسعي على حساب مملكته وشعبه، ولكن الشاه عباس لم يعر اهتماماً لهذا الرفض فاحتل قندهار ومع ذلك لم يبد جهانكير أية محاولة لاستعادتها

وتصاعدت حدة التوتر في العلاقة بين الدولتين وكانت ولا زالت قندهار هي مصدر هذا الخلاف ونقطة النزاع ومؤجج ناره واستفحل الصراع بانتقاله من الحرب الباردة إلى التهديد بالحرب حتى تنازل الوالي الصفوي عن حكم قندهار بعد تدخل العثمانيين الذين عرضوا على ملك الهند تحالفهم معه لاستعادة قندهار فانصاع الوالي لهذا التهديد وسلم المدينة لشاه جهان الإمبراطور المغولي.

وكأن هذا الفتح قد فتح أطماع الهند نحو التوسع فاحتلت مدينة بلخ مما زاد في حدة التوتر في العلاقات, وحاول الأوزبك استغلال هذا التوتر لتحويله إلى صراع مسلح عندما عرض الأوزبك تحالفهم مع الصفويين ــ عدوهم اللدود ــ ضد الهند لكن محاولتهم باءت بالفشل فلم يخف على إيران ما انطوت عليه محاولتهم من أطماع توسعية وآثر الشاه عباس التصرف المماثل مع الهند واتجهت نظرته أيضاً نحو قندهار فاحتلها بعد حصار شتائي قارس وأصبحت قندهار هي نقطة الصراع الصفوي ــ المغولي.

مع تولي السلطان حسين عرش الحكم الصفوي كانت الدولة تعيش مرحلة الاحتضار حيث استفحل الخطر الأفغاني الذي لم يحسب له حساب فيما كانت الدولة تمزقها الانشقاقات والصراعات الداخلية.

كانت هناك يد تحوك نهاية الدولة في الظلام مستغلة هذه الصراعات والفوضى لتجهز بإحكام على كيان الدولة، وبدأت أولى خيوط الانقلاب الأفغاني بشن القبائل الأفغانية والأوزبك هجمات وغارات متتالية على المدن الإيرانية مستغلين الأوضاع الداخلية المزرية التي تعيشها البلاد, ورافقت هذه الهجمات هجمات من قبل الخوارج في عُمان على البحرين التي كانت تحت نفوذ الصفويين فيما كان الروس يعبئون قواتهم على الحدود الإيرانية للاستيلاء على المدن الشمالية.

إن كل تلك الأخطار المحدقة بالصفويين لم تكن بأشد خطراً من الأفغان الذين صمموا على القضاء على الدولة الصفوية التي لم تستطع دول عظمى كالعثمانيين والأوزبك القضاء عليها

ميرويس

ارتبط هذا الاسم بآخر حلقة من حلقات الدولة الصفوية ورسم نهاية درامية تراجيدية لتأريخها الطويل, وبما أن التأريخ هو عملية صراع فإن النتيجة ــ سواء كانت ايجابية أم سلبية ــ أمر طبيعي في التأريخ, وهكذا قدر لهذه الدولة أن تختم سلسلة حلقاتها بنهاية مأساوية وتسدل الستار على حقبة عظيمة من حقب التأريخ.

كان ميرويس من أثرياء الأفغان ووجوههم ومن أصحاب القرار فيهم وقد دفعته أطماعه السلطوية وحقده على الشيعة إلى استغلال العامل الطائفي وتحريض السنة على قتل الشيعة والاستيلاء على قندهار ومن ثم مهاجمة الصفويين في عقر دارهم والاطاحة بهم, وقد أثارت تحركاته شكوك الحاكم الصفوي على قندهار جورجين خان الذي اضطر إلى إرساله إلى أصفهان خشية من إثارة أعمال شغب، وفي أصفهان اطلع ميرويس على الأوضاع السيئة التي تعيشها الدولة الصفوية حيث نهشتها الانقسامات والانشقاقات وصدعتها الدسائس والمؤامرات والفتن وضربتها زعازع الخلافات بين أفراد الأسرة الحاكمة والأمراء والقادة في الصميم, فانتهز ميرويس هذه الفرصة ليوقع بجورجين فلفق عليه الأكاذيب وبث ضده الاشاعات, ورغم أن جورجين خان قد أثبت إخلاصه للدولة الصفوية بإخماده حركات التمرد ووأد الفتن التي كان يثيرها الأفغان في قندهار وأعاد المياه إلى مجاريها في المدينة بفضل حنكته وسياسته إلا أن ميرويس استطاع أن يحدث شرخاً في العلاقة بين جورجين ومركز الدولة في أصفهان ويزعزع الثقة بينهما حتى تمكن في الأخير من رسم صورة في أذهان القادة الصفويين لجورجين خان بمظهر الخائن الممالئ للهند كما تمكن ميرويس من طبع الصورة التي أرادها له في أذهان الصفويين وهي صورة المخلص لهم والأمين على دولتهم حتى أصبح يمتلك صلاحيات كبيرة وخطيرة كما تهيّأت له الفرصة للعودة إلى قندهار حاكماً عليها ولكنه كان يحتاج قبلها إلى شيء آخر لكي تكتمل لعبته القذرة

فتاوى الجريمة

ذهب ميرويس إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة بذريعة الحج وهناك بدأ بتنفيذ خطته الجهنمية التي حاك خيوطها بإحكام، لقد خلقت الظروف السياسية جواً من العداء السافر ضد الشيعة كما لعبت الدعايات العثمانية دوراً مهماً في تأليب الناس على الشيعة لذا فإن حصول ميرويس على فتاوى من علماء السنة في مكة والمدينة بجواز قتل الشيعة وسبي نسائهم واسترقاق أطفالهم ونهب أموالهم وممتلكاتهم لم يكن صعباً، بل كان من السهولة بحيث حصل على ما لم يكن يتوقعه من هذه الفتاوى التي أجمعت على إبادة الشيعة

إن هذه الفتاوى القذرة لم تكن جديدة في ذلك الوقت فقد استخدمها العثمانيون في حربهم الدعائية ضد الشيعة أولا ومن ثم حملوها معهم إلى ساحات القتال والمدن التي يدخلونها لتطبيقها حرفيا

لقد دبر ميرويس كل شيء بعد أن انهالت عليه فتاوى الجريمة ولم يبق أمامه عقبة لتصفية الشيعة عن بكرة أبيهم سوى قتل حاكم قندهار والاستيلاء عليها لتكوين قوة من ألد أعداء الشيعة وقد تم له ذلك بمؤامرة دبرت في جنح الظلام وأصبحت قندهار بين ليلة وضحاها ملك يديه وأصبحت الأقلية الشيعية في المدينة كعصفور بين فكي كماشة وتم تصفيتهم جميعاً ثم بدأ ميرويس التحرك نحو المدن الأخرى, فالفتاوى كانت كفيلة بتعبئة المناصرين والتعصب الطائفي يقرع طبول الحرب

مشهد ونيسابور

حاصر ميرويس مشهد ولكن حال دون فتحها قوة استحكاماتها الدفاعية فتوجه إلى نيسابور فدخلها بسهولة وجرت فيها المذابح والمحارق والسبي والنهب ولم تنفع محاولات الصفويين للحد من حركة ميرويس واستعادة قندهار بل إن محاولاتهم انقلبت وبالاً عليهم فقد أدى نقص الامدادات وشدة الحر وتفشي المرض بالجيش الصفوي الذي حاصر قندهار إلى موت الكثيرين منه فانقض ميرويس على البقية بهجوم مباغت قضى عليه وقتل قائده خسروخان ــ شقيق جورجين خان ــ حاكم قندهار المقتول.

وبموت ميريوس تبدأ الحلقة الأخيرة من مسلسل الدولة الصفوية لتنتهي على يد ابنه محمود خان الذي لم ترق له سياسة عمه الذي تولى بعد أخيه ميرويس وأبدى استعداده للتفاوض مع الصفويين وإقامة علاقة من حسن الجوار معهم فقتله محمود وانتزع العرش منه ليواصل مسلسل أبيه الإجرامي

كرمان

آلى محمود خان على نفسه مواصلة ما بدأه أبوه من الحرب على الشيعة فاحتل كرمان وكالعادة فقد أعطت فتاوى الدم والموت الضوء الأخضر لاستباحة المدينة قتلاً ونهباً وسبياً ورغم أن الصفويين استعادوا كرمان إلا أن هدف الأفغان هذه المرة كان أكبر من كل المدن التي دخلوها حيث توجهوا إلى العاصمة أصفهان فدخلوها بعد حصار دام ثمانية أشهر.

رغم أن الشاه حسين آخر السلاطين الصفويين ــ قد سلم العاصمة وكل ما يملكه لمحمود خان ورحب به واستقبله استقبالاً كبيراً إلا أن كل ذلك لم ينقذ رأسه من السيف فقطع وأرسل إلى السلطان العثماني

وهذه الهدية تكشف عن دور الدعاية العثمانية ضد الصفويين كما تميز إن الفارق بين الصديق والعدو هو بالاختلاف المذهبي فقط.

تربع محمود خان على عرش إيران ليمدّ أذرع أخطبوطه الأفغاني إلى باقي المدن الإيرانية وليجري عليها نقاط فتاوى علماء مكة والمدينة، فاتجهت قوة أفغانية إلى قزوين فسلم أهلها المدينة للأفغان ورحبوا بهم وأمدوهم بالطعام والشراب, إلا أن طلب القائد الأفغاني جعل المدينة تنتفض ضده برمتها ليعلن استباحته لها!! فقد طلب من الأهالي ستين فتاة من فتياتهم فرفضوا رفضاً قاطعاً فأمر باستباحة المدينة, وشكل أهل المدينة قوة واندفعوا للدفاع عن أعراضهم حتى استطاعوا هزيمة الأفغان وطردهم من المدينة بعد أن أوقعوا بهم أكثر من ألف قتيل, وقد ألهبت فتوى أحد العلماء الشيعة في قزوين الروح الحماسية لدى الناس وبثت فيهم الإصرار على القتال من أجل الدفاع عن الأعراض وقد أجرى دمه هو على هذه الفتوى حيث سقط شهيداً في القتال وهذه العالم يدعى محمد رضي القزويني

كانت نتيجة هذه المقاومة أن أصدر محمود خان أمراً باستباحة المدن المحتلة جميعاً إذا أبدت أية مقاومة أو رفضت طلباً للأفغان وازدادت دموية محمود خان فاستبيحت المدن وكثر القتل والسبي والنهب والسلب في الشيعة حتى اتهم محمود بالجنون لدمويته وإجرامه!

لقد تركت عوامل الحقد والطائفية أثرها البغيض في نفس محمود خان لتصفية الشيعة وهو الهدف الذي سعى إليه أبوه فلم ينقطع القتل حتى بعد أن استوى على إيران كلياً وقضى على كل أثر للدولة الصفوية وانتفى ما يهدد دولته من خطر الصفويين يقول الدكتور كامل مصطفى الشيبي: (وهيأت هذه الأحداث للأفغانيين فرصة عملية تقتيل للأمراء الصفويين دون أن يقترن ذلك بالإجهاز على سلطانهم).

الدولة الصفوية في سطور

حكمت الدولة الصفوية لقرنين وعقدين من عام (1501 إلى 1722م) عاشت خلالها إيران أرقى الفترات في تاريخها وبسطت في أوج نفوذها على إيران وأذربيجان والبحرين وشرق جورجيا وبعض المناطق الشمالية من القوقاز والعراق والكويت وأفغانستان، إضافة إلى أجزاء من تركيا وسوريا وباكستان وتركمنستان وأوزباكستان.

وقد اتخذت ثلاث مدن عواصم لها هي تبريز وقزوين وأصفهان والأسرة الصفوية هي أسرة علوية النسب ترجع إلى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وقد ذكر السيد محسن الأمين نسب إسماعيل الصفوي إلى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وهو: (الشاه إسماعيل الأول ابن السلطان حيدر الحسيني الموسوي الصفوي ابن جنيد ابن السلطان الشيخ صدر الدين بن إبراهيم ابن السلطان خواجة علي ابن الشيخ صدر الدين موسى ابن السلطان الشيخ صفي الدين إسحق ابن الشيخ أمين الدين جبرئيل ابن السيد صالح ابن السيد قطب الدين أحمد ابن السيد صلاح الدين رشيد ابن السيد محمد الحافظ كلام الله ابن السيد عوض الخواص ابن السيد فيروز شاه درين كلاه ابن محمد شرف شاه ابن محمد ابن أبي حسن بن محمد بن إبراهيم بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن أحمد العراقي ابن محمد قاسم بن أبي القاسم حمزة ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام علي زين العابدين ابن الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين). (15)

وقد حكم من الصفويين عشرة ملوك هم:

1 ــ إسماعيل الأول ــ ابن حيدر ــ تولى الحكم للفترة من وإلى (1501 ــ 1524 م)

2 ــ طهماسب ــ ابن إسماعيل ــ (1524 ــ 1576 م)

3 ــ إسماعيل الثاني ــ ابن طهماسب ــ  (1576 ــ 1578 م)

4 ــ محمد خدا بنده ــ ابن طهماسب ــ (1578 ــ 1587 م)

5 ــ عباس الأول ــ ابن خدا بنده ــ (1587 ــ 1629 م)

6 ــ صفي الأول ــ ابن صفي بن عباس الأول (1629 ــ 1642 م)

7 ــ عباس الثاني ــ ابن صفي بن صفي بن عباس الأول (1642 ــ 1666 م)

8 ــ صفي الثاني ويعرف أيضاً بسليمان الأول ــ ابن عباس الثاني ــ (1666 ــ 1694 م)

9 ــ حسين الأول ــ ابن صفي الثاني ــ (1694 ــ 1722 م)

وتعد فترة حكم حسين الصفوي نهاية الدولة الصفوية بعد أن قوضها نادر شاه الذي عين على إيران أربعة من رجال الدولة الصفوية الذين كانوا تحت مظلة حكمه وهم:

1 ــ طهماسب الثاني ــ ابن حسين الأول (1722 ــ 1732 م)

2 ــ عباس الثالث ــ ابن طهماسب الثاني ــ (1732 ــ 1736 م)

3 ــ سليمان الثاني ــ ابن عباس الثالث ــ (1749 ــ 1750 م)

4 ــ إسماعيل الثالث ــ ابن سليمان الثاني ـ (1750 ــ 1773 م)

محمد طاهر الصفار

.............................................................................

1 ــ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ج 2 ص 399

2 ــ نشوء وسقوط الدولة الصفوية ص 81

3 ــ رحلة إلى إيران / طبع في لندن سنة (1036 هـ / 1626م)

4 ــ عقيدة الشيعة ص 77

5 ــ الأدب في إيران ص ۲۰

6 ــ الشيعة في الميزان ص 179

7 ــ تاريخ إيران

8 ــ صفحات عن إيران

9 ــ معادن الجواهر ونزهة الخواطر

10 ــ تراجيديا كربلاء / سوسيولوجيا الخطاب الشيعي

11 ــ تاريخ النياحة على الإمام الحسين ج 2 ص 59

12 ــ الشيعة والتشيع

13 ــ أربعة قرون من تاريخ العراق ص ۱۷

14 ــ أعيان الشيعة ترجمة الشاه إسماعيل الصفوي ج 3 ص 322

15 ــ نفس المصدر ص 321

 

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً