الدولة الموحدية ... دولة الاصلاح

أدب العترة

2021-04-28

846 زيارة

انصب اهتمام الدول الشيعية التي قامت في التاريخ الإسلامي في مختلف عصوره على خمسة محاور ارتكزت عليها سياساتها:

المحور الأول: والذي كان من أولويات سياسة هذه الدول هو الدفاع عن الإسلام والبلدان الإسلامية حتى التي لم تخضع لدولتهم والتصدّي للهجمات الخارجية على البلاد الإسلامية من قبل الروم وغيرهم، فكان هذا العمل هو الهدف الأول للدولة، ورغم الانشقاقات والنزاعات والصراعات التي كانت تحدث بين أفراد الأسرة الحاكمة في بعض تلك الدول أو مع حكام الدول الإسلامية الأخرى، إلا إن تلك العداءات والصراعات كانت تختفي وتتلاشى عندما تصطدم بتهديد خارجي يمسّ مصير الإسلام، فينصب اهتمام كل القوى الشيعية للتصدّي لذلك العدو الخارجي حتى لو كان هذا التصدّي يضعف من كيان الدولة وقوتها أمام (الأخوة الأعداء) فكانت الدول الشيعية تؤثر التضحية بكل ما تملك في سبيل الدفاع عن الإسلام ووحدة أراضيه وشعبه.

أما المحور الثاني: الذي ارتكزت عليه سياسة الشيعة فهو بناء حضارة إسلامية إنسانية قائمة على العلم والثقافة كدعامة أساسية للدولة، والمطالع لتاريخ الدول الشيعية ينبهر من النهضة العلمية في تلك الدول رغم الأوضاع السياسية الحرجة التي عاشتها بعضها، فقد أولى الأمراء الشيعة اهتماماً منقطع النظير بالعلم والثقافة، وأسَّسوا المكتبات الضخمة، واستقطبوا العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والمفكرين والفلاسفة والأطباء والجغرافيين والفلكيين والرياضيين وغيرهم بغض النظر عن انتماءاتهم ومذاهبهم الدينية والعرقية، ووفّروا لهم السُبل الكفيلة للإبداع ومهَّدوا لهم كل ما يغنيهم للتفرّغ للعلم.

أما المحور الثالث: الذي اعتمدته الدول الشيعية في سياساتها فهو التسامح الديني والحرية الفكرية، فكل الدول الشيعية التي قامت على مدى التاريخ الإسلامي لم تفرض التشيّع على الناس، بل إنها كانت تكنّ الاحترام لجميع الأديان والمذاهب، فعاش فيها المسلمون من بقية المذاهب حياة دعة ورخاء كما عاش فيها غير المسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، بل إن الكثير من العلماء والمبدعين من غير المسلمين أنتجوا وبرعوا في ظل هذه الدول التي كانت تكرمهم وتحفزهم على الإبداع.

والمحور الرابع: الذي ارتكزت عليه سياسة الدول الشيعية هو العمل على مبدأ حسن الجوار مع البلدان المجاورة واتخاذ الدعوة السلمية منهجاً في الدعوة إلى الإسلام فتتوّج عملهم وجهادهم وكفاحهم الطويل هذا بتعميم الإسلام في الكثير من الدول البعيدة وترسيخ قدمه فيها.

أما المحور الخامس: فهو الاهتمام بالجانب العمراني للدولة فقد اهتم الأمراء الشيعة بهذا الجانب اهتماماً كبيراً وأولوه عناية فائقة، فقاموا ببناء المدن والمعالم والمساجد والمدارس الدينية، وأغلب الآثار الإسلامية التي لا تزال إلى الآن هي من آثار الدول الشيعية كجامع الأزهر ومدينة فاس وغيرهما الكثير، كما اهتموا أيضاً بتنمية القدرات البشرية فبرز أعلام الأمة الإسلامية في دولهم والأمثلة كثيرة لا يسعنا هنا حصرها إضافة إلى اهتمامهم بالجوانب الاقتصادية والزراعية والتجارية والصناعية وغيرها.

والملاحَظ لدارس تاريخ الدول الشيعية أنها قد اشتركت كلها في العمل بهذه المحاور، فوضعت هذه الدول الأساس للحضارة الإسلامية، وأرست دعائم الثقافة والفكر في التاريخ الإسلامي، وكانت سور الإسلام المنيع وحصنه الرفيع ومناره السامق، كما ويلاحظ المتتبع للتاريخ الإسلامي أن الفترات التي حكمت فيها هذه الدول تعدّ من أرقى الفترات التي عاشتها الأمة الإسلامية.

الدولة الموحدية

نجد في الدولة الموحدية التي قامت على أسس شيعية صريحة كل الصراحة في المغرب وامتدت حتى شملت أفريقيا الشمالية كلها والأندلس إلى مناطق واسعة خير مثال على ما ذكرناه من المحاور الخمسة، فقد مثلت هذه الدولة قمة الجهاد والتضحية في سبيل الإسلام والدفاع عن المسلمين وأوقفت سقوط مدن الأندلس بيد الإسبان وانتزعت المدن التي احتلوها.

ولم تنحصر إنجازات هذه الدولة على الدفاع عن الإسلام فقط، فمثلما كانت مفخرة في دفاعها عن الإسلام ووحدة المسلمين وحملت راية الإسلام عالياً وهي تصد هجمات الروم والبيزنطيين فقد كانت مفخرة وحاضرة من أعظم حواضر الإسلام العلمية والفكرية ومصدراً اشعاعياً ثقافياً كبيراً من مصادر الثقافة الإسلامية ضمّ الكثير من الإنجازات العظيمة على الأصعدة العلمية والفكرية والادبية.

دعوة الإصلاح

أسَّس هذه الدولة التي حكمت لمدة (136) سنة ــ للفترة بين عامي (1133 م / 1269 م) السيد أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت العلوي الملقب بـ (المهدي) (485 ــ 524 ه‍ـ / 1092 ــ 1130 م)، والذي يرجع نسبه إلى الإمام الحسن (عليه السلام)، وقد ذكر المؤرخ ابن أبي زرع الفاسي (علي بن محمد بن أحمد بن عمر) نسبه كاملا وهو: (محمد بن عبد الله المعروف بتومرت بن عبد الرحمن بن هود ابن خالد بن تمام بن عدنان بن سفيان بن صفوان بن جابر بن يحيى بن عطاء بن رباح بن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام) (1)

كما قال بنسبه إلى الإمام الحسن (عليه السلام) الصنهاجي (أبو بكر بن علي) ولكن باختلاف عن نسبة ابن أبي زرع وما ذكره هو: (محمد بن عبد الله بن وكليد بن يا مصل بن حمزة بن عيسى بن عبيد الله بن إدريس المثنى ابن عبد الله بن الحسن المثنى بن فاطمة) وفاطمة هي فاطمة بنت الإمام الحسين (عليهما السلام) وكانت زوجة الحسن المثنى وأضاف الصنهاجي: (هذا نسبه الصحيح، أما ما يروى في نسبه أنه محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود - إلى آخر النسب الذي ذكره الأنيس المطرب - فإن قرابته وأهل العناية بهذا الشأن لا يعرفونه). (2)

تعاقب على حكم الدولة الموحدية ثلاثة عشر أميراً، وقد نشأت أول أمرها في المغرب ووصلت حدودها من طرابلس شرقاً إلى مشارف المحيط الأطلسي، ومن لشبونة إلى ما يعرف الآن بالسنغال، ثم امتدت في الأندلس.

قامت هذه الدعوة على شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بعد ظهور البدع والضلالات، يقول الكاتب والمؤرخ عبد الله علي علام: (وهذه الدعوة ــ الموحدية ــ هي دعوة إصلاحية إسلامية تتمثل في التزام ابن تومرت القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لبّى نداء ربه وهي دعوة فكرية ثقافية وإصلاحية إنسانية شاملة). (3)

محمد بن تومرت

ولد محمد بن عبد الله بن تومرت في المغرب سنة (485 هـ / 1092 م) وينتسب إلى قبيلة (هرغة) المتفرّعة من قبيلة (مصمودة)، وهذه القبيلة ــ مصمودة ــ تُنسب إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) وهو من أعقاب الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط الذين أسّسوا دولة الأدارسة في المغرب بقيادة إدريس بن الحسن المثنى، فانتشروا في تلك البلاد وناسبوا أهلها وخالطوهم فلبسوا جلدتهم وانتسبوا نسبتهم وصاروا في عدادهم فكان هذا الإندماج الكامل عاملاً مهماً وقوياً ساعد على توثيق الصلة بين البربر والأدارسة، حيث ولد عن طريق المصاهرة بينهم أبناء للأدارسة من أمهات بربريات اندمجوا هم وأحفادهم في القبائل البربرية حتى وصف المؤرخون إدريس الأول بأنه قد (تبربر ولده)، فكان لهذا الإندماج أثره الفاعل والواضح والقوي في إقامة عدة دول بعد زوال الأدارسة كدولة بني حمود وبني القاسم والموحدين.

كما ترك هذا الإندماج أثره الفاعل على الأدارسة حتى على أسمائهم ولغتهم فظهرت في فروع سلالاتهم أسماء مثل: كنون، وأبي العيس، وفك الله، وتعود الخير وغيرها، وحملت بعض سلالاتهم ألقاب بربرية مثل: الكرتي والجوطي، ووصلت إلى البيوت فحملت أسماء مثل: العلميين والمشيشيين والوزانيين وغيرها من الأسماء والألقاب الكثير.

وبلغ هذا الإندماج ذروته فلم يعد هناك فرق بين الإدريسي والبربري لغة وزيّاً وطباعاً إلى غير ذلك من العادات والتقاليد حتى أصبحت البربرية لغة ثانية، وربما تغلبت على العربية، والأثر الأعظم لهذا الإندماج هو كما يقول الفوطي: (وقد خلفت هذه القبائل البربرية دولة الأدارسة بعد ذلك في مراكش وما يليها من بلاد الأندلس وأسست غير دولة من دول البربر كدولة الموحدين وبني مرين والمرابطين ولبعض هذه الدول البربرية مواقف مشهورة في الدفاع عن بيضة الإسلام) (4)

تأصيل التشيّع وتخليده

حاول بعض الكتاب المحدثين التشكيك في تشيّع الموحدين بنسبتهم إلى الشافعية تارة وتارة أخرى إلى غيرها من المذاهب، فتخبّطوا في آرائهم التي لم تستند سوى إلى أهوائهم، لكن الحقيقة التاريخية دحضت كل هذه الآراء الباطلة فتشيّع الموحدين أشهر من نار على علم وهو يظهر في كل آثارهم العلمية والأدبية وخاصة الشعر الموحدي الذي قيل عنه: (إنه لا يختلف عن الشعر الكوفي في تشيّعه)، وهذا الشعر الكثير يحتاج إلى دراسة مطوّلة فقد اهتمّ الخلفاء الموحّدون اهتماماً كبيراً بالشعر وخاصة فيما يخصّ أهل البيت (عليهم السلام).

يقول ابن خلدون: (إن التشيّع الموروث لأولاد إدريس خلد هذه الدولة إلى الأبد في نفوس المغاربة والبربر عامة، فلم تجب دولتهم ولا زال أمرها، بل سرعان ما انتقلت إلى الأندلس لتزيل دولة بني أمية وتخلفها). (5)

فقد توارث الأدارسة التشيّع ورفعوا رايته فوق سماء كل الدول التي أسّسوها في المغرب والأندلس.

ابن تومرت الحسني العلوي البربري

كما حاول البعض التشكيك في نسب ابن تومرت العلوي الحسني الصريح لكن هذا التشكيك أيضاً لم يصمد أمام تواتر الروايات في المصادر المعتبرة التي أكدت نسبه الصريح، فقد نقل ابن خلكان نسب ابن تومرت مبتدئاً به ومنتهياً بالإمام الحسن (عليه السلام)، ثم قال مُعقِّباً: (ووجدتُ في كتاب النسيب الشريف العابد بخط أهل الأدب من عصرنا نسب ابن تومرت المذكور فنقلته كما وجدته). (6)

وهذا النسب لم يكن يُخفى على أحد في حياة ابن تومرت، فقد كان يصدر تواقيعه ورسائله بهذا الإسم: (محمد بن عبد الله العربي القرشي الحسني الفاطمي)، ولو كان هناك شك في نسبه لاعترض عليه أهل المغرب الذين كانوا قريبي عهد بالأدارسة ويعرفون أنسابهم جيداً، وخاصة خصومه ومناوئيه ولعرَّضوا به، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، كما يقول الأستاذ عبد الله علي علام وهو يؤكد هذه الحقيقة:

(وقد أثبت المؤرخون إن (ابن تومرت) بربري ينتهي إلى قبيلة مصمودة وليس في ذلك من شك إذ لم نصادف نصاً لابن تومرت أو لأنصاره من المؤرخين من ينفي هذه الحقيقة، بل الأمر على عكس ذلك فقد أثبت التاريخ إن ابن تومرت كان يعتز بقبيلته الصغرى (هرغة) وبقبيلته الكبرى (مصمودة)، وفي الوقت ذاته يسمي ابن تومرت نفسه محمد بن عبد الله القرشي الحسني الفاطمي ويكتب بنفسه نسبه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ولا شك أن ذلك ما يوقع ظاهره في لبس وربما كان هذا اللبس السطحي مما حمل بعض المؤرخين على تكذيب نسبته النبوية ثم طفقوا يخترعون التعليلات لتبرير وجهة نظرهم). (7)

والظاهر أن هذا اللبس الذي قصده الأستاذ علام هو نسبة ابن تومرت إلى قبيلة مصمودة البربرية وعلويته معاً وقد أوضحنا هذا اللبس مما لا يدع مجالاً للشك في نسبته لكليهما في الإندماج الكامل بين البربر والأدارسة والمصاهرة بينهما إلى الحد الذي قيل إن إدريس قد (تبربر ولده).

التواريخ تثبت نسبه

ونجد ما يوضح نسب ابن تومرت أكثر عند ابن خلدون الذي يقول في ترجمته: (محمد بن عبد الله بن تومرت بن عطاء بن رباح بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن (المثنى) بن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب وسليمان جد ابن تومرت هو أخي إدريس الأكبر الواقع نسب كثير من بنيه في المصامدة وأهل سوس)

ويعزز المؤرخ الكبير ابن نخيل (محمد بن إبراهيم بن عبد العزيز بن نخيل الأندلسي) المتوفى سنة (618 هـ / 1222 م) هذا النسب حيث يقول في خبر سليمان: (إنه ــ أي ــ سليمان لحق بالمغرب إثر أخيه إدريس ونزل تلمسان وافترق ولده في المغرب) (8)

ورغم ان ابن خلدون يختلف مع ابن نخيل في تسلسل الأسماء إلا أنه يتفق معه في نسبة ابن تومرت العلوي الحسني حيث يقول: (وقيل بل هو من قرابة إدريس اللاحقين به إلى المغرب وإن رباحاً الذي في عمود هذا النسب إنما هو ابن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن المثنى بن الحسن السبط) ثم يوفّق ابن خلدون بين نسبتي ابن تومرت إلى قبيلة المصامدة البربرية والحسنية بالقول: (وعلى الأمرين فإن نسبه ــ أي ابن تومرت ــ الطالبي وقع في (هرغة) من قبائل المصامدة ووشجت عروقه فيهم والتحم بعصبيتهم فلبس جلدتهم وانتسب بنسبتهم وصار في عدادهم).

فليس هناك أي تناقض بين كون ابن تومرت مصمودي وقرشي في نفس الوقت كما أيد ذلك الكاتب والمؤرخ المصري الكبير عبد الحميد بن عبد العزيز بن منصور العبّادي (1309 ــ 1376 هـ / 1892 ــ 1956 م) عميد كلية الآداب في جامعة الإسكندرية حيث يقول:

(ولكنه ــ أي ابن تومرت ــ كان في الأصل من أحفاد العلويين الأدارسة الذين اندمجوا في البربر وتخلقوا بأخلاقهم وتطبّعوا بطباعهم فهو عربي الأصل بربري الطباع والأخلاق). (9)

 

وهذه الأقوال لا تدع مجالاً للشك في نسب ابن تومرت العلوي الفاطمي الحسني البربري المصمودي.

المفتريات تلاحق ابن تومرت

وكما أثار الكتّاب الشكوك الواهية حول نسب ابن تومرت فقد وضعوا الأكاذيب والمفتريات حول سيرته، فقالوا عنه بما لم يقل وادّعوا عليه بما لم يدَّعِ، وهذه ليست بجديدة عليهم فقد توارثوا عن أسلافهم الأمويين والعباسيين زرع الأكاذيب والمفتريات ولصقها بكل من يقف ضد هاتين السلطتين ويرى أحقية أهل البيت في الخلافة، فقد افتروا على ابن تومرت بأنه ادّعى العصمة وإنه الإمام المعصوم الغائب المهدي (عجل الله فرجه) لمجرد أنه أطلق على نفسه اسم (المهدي) الذي أطلقه تيمُّناً بالإمام المهدي وهذا اللقب وغيره من الألقاب كان أمراً طبيعياً لدى كل الخلفاء والأمراء في الدول التي حكمت ولم يقتصر على ابن تومرت، كما لم يكن هو أول من اتخذ لنفسه مثل هذه الألقاب ولا آخرهم فقد اتخذ كل الخلفاء العباسيين وغيرهم مثل هذه الألقاب، فهل خفي على الكتاب لقب المهدي الذي أطلقه أبو جعفر المنصور الدوانيقي على ابنه محمد ليوهم الناس بأن ابنه هو المهدي وإسباغ شرعية كاذبة لخلافته وخلافة بني العباس؟ أم أن الأمر كما قال الشاعر:

وعينُ الرضا عن كلِّ سوءٍ كليلةٌ      ولكنَّ عينَ السوءِ تُبدي المَساويا

الأوضاع المزرية وانطلاق الدعوة

عُرف ابن تومرت منذ صغره بالتقوى والورع، كما عُرف بشغفه للدراسة والعلم فسافر إلى قرطبة ومصر والحجاز والعراق وغيرها من البلاد لتحصيل العلم، وكان مواظباً على صلاته وعباداته حتى أطلقت عليه قبيلته كلمة (أسفو) ـ أي المشعل ـ

وكانت الأوضاع آنذاك مزرية في البلاد الإسلامية يسودها الإغراق في الضلال، ومخالفة أوامر الله، والخروج عن أحكام الإسلام وخصوصاً في دول الطوائف المستبدة في الأندلس، فبدأ ابن تومرت دعوته الإصلاحية سنة (1121م) بالعمل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول المؤرخ والباحث المغربي محمد بن تاويت الطنجي (1918 ــ 1974 م):

(نهضت دولة الموحّدين على حلم عظيم أرادت أن تحققه بكل عزم وفي كل ميدان، ذلكم الحلم هو الثورة على كل شيء الثورة على الأوضاع السياسية والاجتماعية، الثورة على مناحي التفكير في العقائد والأحكام والعلوم عامة، الثورة بالتجديد في كل شيء وبإعادة صرح الدولة الإسلامية الكبرى قوياً شامخاً عظيماً مهيباً).

اتساع نطاق الدولة

أرسى ابن تومرت قواعد دولة إسلامية عادلة تقوم على أحكام الشريعة الإسلامية والإصلاح في المجتمع وبعد وفاته عام (524 هـ / 1130 م) تولى الحكم عبد المؤمن بن علي القيسي فاتسع نطاق الدولة الموحدية على يديه بعد قضائها على المرابطين واستطاع أن يوحِّد أفريقيا الشمالية كلها فقضى على سلطة النرمنديين في تونس وضمها إلى دولته ثم أخضع ملوك الطوائف المستبدين في الأندلس وأقام دولة عظيمة تمتد من أقصى ليبيا إلى المحيط الأطلنطي فالأندلس.

مع الإسبان

بذل الموحدون أقصى جهودهم في إنقاذ الأندلس من أيد الإسبان بعد أن سادت حالة التفكك والتشتت في دول الطوائف التي خضعت لسلطة ألفونسو السادس فخاضوا مع الإسبان معارك ضارية كان أعظمها معركة (الأرك) عام (591 هـ / 1191 م) والتي هزموا فيها الإسبان شر هزيمة وأعادوا هيبة المسلمين في الأندلس، يقول المؤرخ المصري الكبير محمد عبد الله عنان المختص في مجال الدراسات الأندلسية:

(بلغت الدولة الموحدية الكبرى التي قامت في المغرب والأندلس ذروة عظمتها وقوتها في عهد الخليفة أبي يوسف يعقوب المنصور الذي تولى الخلافة منذ سنة (580 هـ / 1184 م) حتى وفاته سنة (595 هـ / 1199 م) وكان ألمع حادث في عهده انتصاره الباهر في موقعة الأرك العظيمة على جيوش قشتالة في سنة (591 هـ / 1194م). (10)

نصرة البلاد الإسلامية

ولم تقتصر حروب الموحدين مع الإفرنج على الأندلس بل إنها سعت إلى تخليص البلاد الإسلامية من أيديهم، يقول المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب التجيبي (1884 ــ 1968 م):

(دام استيلاء النرمند على مدائن الساحل التونسي اثني عشر عاماً وفي أثناء تلك المدة التحق الحسن بن علي آخر أمراء الصنهاجيين بالمغرب الأقصى واستغاث بخليفة الموحدين الطائر الصيت عبد المؤمن بن علي ورغّبه في إنقاذ أفريقيا من يد الأفرنج النرمنديين واستجاب عبد المؤمن لنداء الحسن الصنهاجي وهيَّأ جيشاً عظيماً عرمرماً وأسطولاً ضخماً قصد بهما أفريقيا، وابتدأ يفتح المدائن الواحدة تلو الأخرى، وفي أقل من عام واحد قضى على أمراء الطوائف المستبدين بالنواحي، كما رهس الأعراب الهلاليين في ضواحي البلاد وأخضد شوكتهم فانظموا طائعين، وانخرط جلهم في سلك جنوده، وتقدم إلى المهدية (عاصمة البلاد آنذاك) فحاصرها براً وبحراً إلى أن افتكّها من يد الأفرنج ودخلها منصوراً سنة (555هـ ـ 1160م) وهكذا تم لعبد المؤمن امتلاك سائر البلاد وأصبح ملكه ينبسط على المغرب كله من أقصى ولاية طرابلس إلى المحيط الأطلنطي ويدخل في ذلك جزيرة الأندلس مما لم يتم لأحد سواه). (11)

مع العباسيين

كان لهذه الإنتصارات التي حققتها الدولة الموحدية أثرها من العظمة في نفوس المسلمين مما أثار أحقاد العباسيين عليها خاصة أن الموحدين كانوا شيعة فسعوا إلى حربها بشتى الوسائل وتحشيد أنصارهم لمقاتلتها والحد من اتساعها يقول ابن تاويت:

(في حروب كانت تورثها الدولة العباسية أيضاً، إذ كانت هذه قد استمالت إليها ابن غانية، فبعث إليها هذا بابنه مع كاتبه عبد البر فرسان مُعلناً الطاعة للخليفة الناصر بن المستضيء وطالباً الخلع والأعلام السوداء فمنحه الخليفة العباسي لقب أمير المسلمين الذي كان العباسيون يمنحونه أسلافه فيما قبل، وكتب ـ أي الخليفة الناصر العباسي ـ إلى صلاح الدين الذي كان آنذاك يدعو لبني العباس، بأن يناصره على خصومه الموحدين).

ويواصل ابن تاويت حديثه عن الخليفة العباسي في العمل والتخطيط للقضاء على الموحدين فيما كان الموحدون يقاتلون الإفرنج ويغيثون البلاد الإسلامية ونصرتها على الإسبان وتخليص المدن التي وقعت تحت سطوتهم فيقول:

(لقد امتثل صلاح الدين فجرّد جيشاً تحت قيادة قراقوش وبوزبا من أتباع تقي الدين ابن أخيه فاتجه هؤلاء صوب أفريقيا لخوض المعركة إلى جانب ابن غانية ومن معه من الأعراب فكان ذلك وانتهى بانتصار الموحدين واستسلام جيش صلاح الدين وابن أخيه ثم رأى الموحدون بصائب نظرهم أن يستغلوا هؤلاء الغز الذين حارب بهم صلاح الدين فانخرطوا في جيشهم مع قائدهم قراقوش، كما كان أولئك الأعراب قد انخرطوا في جيشهم النظامي أيضا).

وهكذا استطاع الموحّدون من تحويل المعركة بين المسلمين مع بعضهم إلى صالح المسلمين وتوحيد القوى ضد العدو الإفرنجي الذي يهددهم.

أسطول الموحدين

استطاع الموحدون إنشاء أسطول عظيم كان له دوراً كبيرتً في تطهير سواحل البحر المتوسط من أية قوات بحرية معادية وانتزع من النورمانديين مدينة المهدية وقد أولى الموحدون هذا الأسطول عناية خاصة لدوره الكبير يقول ابن خلدون: (إن أساطيل المسلمين وصلت في عهد الموحدين إلى ما لم تصل إليه من قبل ولا من بعد، وذلك من حيث جودة الصناعة واتقان الحيل الهندسية والعلم بالشؤون البحرية)

ويقول ابن تاويت: (وباستقصاء الأحداث العظيمة التي جرت أبان ولاية الموحدين لا نجد ما يشير إلى أي انكسار مُنِيَ به أسطولهم).

ومن أبرز المعارك التي خاضها هذا الأسطول المعركة التاريخية الكبرى التي وقعت بسواحل طرطوشة بين الكاطالونيين وحلفائهم الفرنسيين والإيطاليين وقراصنة الجزر الشرقية الخاضعة للصقالبة وبين اسطول الموحدين وكان عدد أسطول هذه الجيوش المحتشدة والمتحالفة (200) قطعة مقابل (80) قطعة هي عدد أسطول الموحدين ولكن الموحدين استطاعوا أن ينتصروا على هذا الأسطول المتحالف انتصاراً عظيماً، فالتفوق العددي للعدو كان يقابله النوعية والتدريب والتصميم والصلابة للموحدين.

ولا تزال السجلات البحرية التاريخية التي تحفل بها المتاحف والخزائن الخاصة بألمانيا وهولندا وإنكلترا وإسبانيا تحتفظ بالكثير عن الأسطول الموحدي في القرن الثاني عشر الميلادي والذي كان يشكل مصدر رعب لهم كلما حاولوا أن يفكروا في خوض حرب ضد المسلمين.

النهاية

تماسكت جبهة الأندلس بيد الموحدين وعاشت أقوى فتراتها في عهد يوسف المنصور وبقيت الدرع الواقي للبلاد الإسلامية حتى انتكست وأصابها التداعي في عهد رابع خلفائها محمد الناصر بعد معركة (العقاب) عام (1212م) التي يطلق عليها الإسبان اسم: (لاس نافاس دي تولوسا) والتي كانت قاصمة الظهر للموحدين فقد اجتمعت قوات الملك ألفونسو الثامن ملك قشتالة وسانتشو السابع ملك نافارة وألفونسو الثاني ملك البرتغال وبيدرو الثاني ملك أراغون ضد الموحدين فاستطاعوا هزيمتهم وقتل ابن الخليفة الناصر ورفض الناصر مغادرة أرض المعركة منتظراً الموت أو الأسر إلا أن جموع المسلمين المنسحبة أجبرته على المغادرة معها فذهب إلى إشبيلية ومنها إلى مراكش حيث توفي عام (1213م).

بعد هذه المعركة بدأت الإنهيار والتداعي يصيب الدولة الموحدية خاصة بعد سقوط الأندلس في أيدي الإفرنج عام (1228م)، و(تونس) في أيدي الحفصيين، وانتزع الزيانيون منهم المغرب والجزائر عام (1236م) فيما كان المرينيون يكثفون من حملاتهم على الدولة الموحدية حتى استطاعوا القضاء عليها نهائياً عام (1269م).

وهكذا خفت نجم هذه الدولة التي وقفت نداً عصياً على الإفرنج واستطاعت أن توحِّد أفريقيا الشمالية كلها (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب) إضافة إلى الأندلس وأقامت حضارة علمية كبيرة بلغت الذروة في التقدم والإزدهار.

الخلفاء الموحدون

تعاقب على حكم الدولة الموحدية ثلاثة عشر خليفة بين عامي (1133 ــ 1269م) هم:

1 ـ عبد المؤمن بن علي القيسي

2 ـ يوسف بن عبد المؤمن

3 ـ يعقوب بن يوسف المنصور

4 ـ محمد الناصر بن يعقوب بن يوسف

5 ـ يوسف المستنصر

6 ـ عبد الواحد المخلوع

7 ـ عبد الله العادل

8 ـ يحيى المعتصم

9 ـ إدريس المأمون

10 ـ عبد الواحد الرشيد

11 ـ أبو الحسن السعيد

12 ـ عمر المرتضى

13 ـ إدريس الواثق

الحضارة الموحدية شمس الاسلام تشرق على الغرب

ارتكزت سياسة الدولة الموحدية منذ انطلاق شرارتها الأولى على إقامة حضارة إسلامية إنسانية شاملة قائمة على العلم والثقافة كدعامة أساسية للدولة، فأعطى الموحدون العلم والثقافة أولوية لبناء دولتهم وجعلوها نواة لحضارتهم وأسسوا المكتبات الضخمة واستقطبوا العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والمفكرين والفلاسفة والأطباء والجغرافيين والفلكيين والرياضيين.

النهضة الفكرية

يقول المؤرخ المصري الكبير والمختص بالدراسات الأندلسية محمد عبد الله عنان (1896 ـ 1986م)، في حديثه عن الحياة الفكرية في ظل دولة الموحدين ما نصه:

(في ظل دولة الموحدين التي خلفت دولة المرابطين في حكم الأندلس انتعشت الحضارة الأندلسية والتفكير الأندلسي، وكان لدولتهم بالأخص صبغة علمية دينية، إذ كان مؤسسها المهدي ابن تومرت من أئمة التفكير الديني، وأبدى خلفاؤه عبد المؤمن وبنوه اهتماماً بالعلوم والفنون وأطلقت حرية التفكير والبحث...

وفي تلك الفترة بالذات ــ أعني ــ في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع الهجري، بلغ التفكير الأندلسي ذروة النضوج وتفجرت ينابيع النبوغ وظهرت طائفة من أعظم أقطاب العلم والأدب، وكان في طليعة أقطاب العلم في هذا العصر بنو زهر الإشبيليون، وعميدهم الوزير والطبيب الأشهر أبو العلاء بن زهر، ثم ولده عبد الملك بن زهر المتوفى سنة (564 هـ / 1168 م)، وهو المعروف باللاتينية (Avenzoar)، ويعتبر ابن زهر أعظم طبيب ومشخص في القرون الوسطى بعد الرازي، كما ويعتبر ابن رشد أعظم طبيب بعد جالينوس ويعتبر كتابه التيسير من أعظم مراجع الطب في كل العصور..

وكان لمؤلفاته التي ترجمت كغيرها إلى اللاتينية في عصر مبكر أثر عظيم في مسير البحوث الطبية في أوربا، وظهر إلى جانب هؤلاء عدد من أقطاب الفلاسفة مثل ابن طفيل الوادي آشي المتوفى سنة (571 هـ / 1176 م)، وهو صاحب رسالة حي بن يقظان الشهيرة، والفيلسوف محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المتوفى سنة (594 هـ / 1198 م)، والرئيس موسى بن ميمون القرطبي المعروف بـ (الرميم) المتوفى سنة (602 هـ / 1205 م)..

وازدهرت المعالم العلمية أيام الموحدين بالمغرب والأندلس وكانت المعاهد الأندلسية في إشبيلية وقرطبة وغرناطة وبلنسية ومرسية ومالقة يومئذ مجمع العلوم والمعارف الرفيعة في تلك العصور، وكانت مقصد الطلاب من كل فج، وكانت مزودة بالمكتبات التي تضم أنفس الكتب والمصنفات في مختلف العلوم والفنون) (12)

الجانب العمراني والأمني

أولى الموحدون هذا الجانب الغاية القصوى من العناية والاهتمام فقد تم إنجاز الكثير من المعالم العمرانية والمساجد والمعاهد العلمية ومن أهم آثار هذه الدولة مسجد اشبيلية الجامع ومنارته العظيمة ولا يزال هذا الجامع قائماً إلى اليوم لكنه تحول إلى كنيسة إشبيلية العظمى أما منارته العظيمة فقد تحولت إلى برج الأجراس التابع للكنيسة وهي من أعظم آثار الموحدين الباقية في إشبيلية وأروعها ويطلق عليه الإسبان اسم (لاخيرالدا) وهو الأثر الوحيد الذي بقي شاخصاً للأجيال إلى الآن يروي قصة حضارة نشرت شمس علومها على المشرق والمغرب.

وقد عُني الموحدون بالدراسات الدينية على اختلاف مواضيعها من تفسير القرآن الكريم ودراسات الحديث النبوي الشريف كما تميزت تلك الفترة بأن الدراسات أصبحت تعتمد على منهج علمي وأسلوب موضوعي فأعادت الروح في جسد الأمة الإسلامية بعد أن عاث العباسيون فساداً ودماراً في البلاد كما فشا العدل والأمن والرخاء في ربوع تلك الدولة.

الفقه واللغة

اهتم الموحدون بهذين الجانبين اهتماماً عظيماً لما لهما من أهمية في الحفاظ على روح الدين الإسلامي ولغة القرآن الكريم، فركزوا في اهتمامهم على التجديد بعد أن كادت أن تضمحل هذه الجوانب في مناحي الحياة الاجتماعية بسبب الركود.

يقول ابن تاويت: (وتنظر ــ أي الدولة الموحدية في ثورتها العلمية ــ في مناهج العلوم فتجد المنهج الأولي منها يحتاج إلى ثورة عارمة فيعهدون إلى ابن مضاء (أبو العباس، أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء اللخمي القرطبي (513 ــ 592 هـ / 1116 ــ 1196م)، وإذا به يحمل راية الثورة على منهج النحاة ويؤلف كتابه المعروف، وهذا الفقه كان قد وصل إلى مرحلته الراكدة، وأغلق أبوابه على الفكر الإسلامي ثم أغلق نوافذه فاختنق به من كان على رمق من الحياة فجاء الموحدون فحطموا أو حاولوا أن يحطموا هذا السجن وقالوا بالإنطلاق أجل الانطلاق والعتق والتحرّر من كل قول وكل مذهب والاعتصام بالمنبع الأول الكتاب والسنة فألفت التآليف العديدة ولم يكونوا كذلك في ظاهرية أو حزمية بالحرف بل كانوا إلى جانب الفكرة عمليين يربون النشء على هذا التحرر كما يربونه على القوة والجهاد في سبيل العقيدة والدين). (13)

ابن تومرت والثورة الشيعية

إن الثورة الفكرية والعلمية التي أحدثها محمد بن تومرت على الواقع المزري والفاسد كانت إصلاحية شاملة ضمت كل مجالات الحياة الدينية والدنيوية ودعت إلى الرجوع للإسلام الحق المتمثل بأهل البيت (عليهم السلام)، يقول ابن تاويت:

(هذه مبادئ أجملها الناس فيما وسموا به ثورة ابن تومرت ولكن ابن تومرت وثورته بعد هذا في حاجة إلى دراسات ودراسات لم ينته إليها الدارسون إلى الآن، وكل ما يمكن أن يقال إن الرجل بدأ بالعمل تلاه الظهور بالفكرة على عكس ما عهد في غيره)

أوجز ابن تاويت الثورة العلمية والفكرية التي قام بها الموحدون من أجل إرجاع صرح الفكر الإسلامي والدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية والرجوع إلى القرآن الكريم بعد أن كاد الحس الديني يُمحى في الأندلس بنزوع الحكام الأمويين إلى الانغماس في الترف والبذخ والرذيلة وإقامة الليالي الحمراء والمجون والعبث وحرّفوا الشريعة وأحكامها وأبعدوا الناس عن فكر أهل البيت (عليهم السلام)، فسعى الموحدون إلى إعادة روح الإسلام في المجتمع والدعوة إلى أحكامه ومفاهيمه، فالثورة جذرية كما وصفها ابن تاويت بقوله: (وعلى كل حال فالثورة الجذرية حاصلة، وتدعيم الثورة لا بد له من إيمان قوي ووقفة عميقة وطاعة متفانية لهذا القائم بالثورة وبهذا الزعيم في الفداء).

التعصب يطال ابن تاويت

ولكن ابن تاويت قد شط كثيراً وأخطأ عندما قال إنهم ــ أي الموحدين ــ (قالوا بالانطلاق والعتق والتحرر من كل قول وكل مذهب والاعتصام بالمنبع الأول الكتاب والسنة)، في حين إن كل الأدلة والحقائق التاريخية تدل على أنهم أخذوا بمذهب التشيّع، وقد جاء برأيه المخالف للحقيقة من خلال ما علق في ذهنه مما كتبه بعض الكتاب والمؤرخين الذين حادوا عن الحقائق وساروا بطريق الأهواء التي أملتها عليهم السياسة فأخرجوا دولة الموحدين من دائرة التشيع، ولكن الحقيقة يجب أن تظهر مهما حاول أعداؤها إخفائها حيث يعود ابن تاويت ليذعن لها ويقول:

(فأخذ ــ أي الموحدين ــ بمذهب الشيعة القائم على الإيمان بالحق الإلهي)، وهذا الوصف ينطبق على الشيعة الإمامية التي تقول بأن الوصية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

الإذعان للحق والحقيقة

وتظهر الحقيقة جلية في حديث ابن تاويت عندما يستطرد في كلامه عن حضارة الموحدين وفكرهم، فهو مهما حاول أن يخفيها فإنها تظهر ويظهر معها زيف كل من خالفها، فلما لم يستطع ابن تاويت إنكار حقيقة تشيّع الموحدين الجلي فقد ناقض نفسه بنفسه في محاولته إبعاد الفكر الموحدي عن الفكر الشيعي الأصيل القائل بأحقية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الخلافة بوصية الرسول وأحقية أولاده المعصومين (عليهم السلام) من بعده وهو أصل الفكر الموحدي.

فقد حاول ابن تاويت أن يشوّه هذا الإعتقاد في الفكر الموحدي والانقياد لما وضعه المزورون من عملاء الأمويين من التهم الباطلة وألصقوها بمحمد ابن تومرت مؤسس الدولة الموحدية وما اختلقوه من أراجيف وأباطيل وأكاذيب، فأبى ابن تاويت إلا أن ينصاع لما تلقفه ممن قبله من المؤرخين الذين سيرتهم السياسة وخلبت عيونهم وعقولهم الأموال ليضعوا هذه الأكاذيب فقال ما نصه: (وفي هذا الداعي إلى خلق المعجزات ــ يقصد محمد بن تومرت ــ فأخذ إذن بمذهب الشيعة القائم على الإيمان بالحق الإلهي والطاعة لمن تحقق بذلك والثقة بالمصير فهو خالد خلود الدهر وهو وارث الأرض وهو الحبل الذي لا ينفصم عره)!!

التناقض يظهر انحرافه

وقد أوضحنا في موضوع (الدولة الموحدية دولة الحضارة) هذه الأباطيل التي ألصقت بابن تومرت، كما أوضحنا محاولة سلخ ابن تومرت عن نسبه الحسني العلوي بأياد أموية، ونبقى مع ابن تاويت لنرى تناقضه الفظيع في قوله:

(إلا أن هؤلاء ــ أي الموحدين ــ لم يركنوا إلى التشيّع ركوناً نظرياً يرجع إلى الماضي فيحاسب عليه ويطمح إلى المستقبل فيغرق في حلمه ويبقى بين الماضي وبين المستقبل يدفعه هذا ويجذبه ذاك، وإنما أراد ابن تومرت أن يرى للأصحاب هذه الحقيقة عياناً ففعل فيها ما فعل ووفق في فعلته القاسية فكان النصر حليفاً وكانت دولة الموحدين تهدر بالعظمة وتجيش بالقوة فلا تحدها البحار الهائجة ولا الجبال الماردة ولا الصحارى الشاسعة)..

هذا القول يحتاج إلى أكثر من توقف، فابن تاويت نفى عن الفكر الموحدي أنه رجع إلى الماضي يعني حديث السقيفة ومقتل الإمام الحسين على يد بني أمية وغيرها من المظالم التي لحقت بأهل البيت (عليهم السلام) والتي هي من أصل الفكر الشيعي الأصيل، في حين إنه عندما يتحدث عن الشعر الموحدي يذكر الأشعار التي تتحدث عن هذه المظلومية بنفس شيعي لا يختلف عن الشعر الشيعي الكوفي في المضمون!!

الاستمرار في الخطأ

ثم أنه مرة أخرى يخطئ حينما يرى أن هناك تبجيلا للأصحاب ــ يقصد صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ــ فينفي عن الدولة الموحدية التشيّع الخالص وهذا الاستنتاج الخاطئ جاءه مما تلقاه عمن سبقه في أن الشيعة يسبون جميع الصحابة ويبغضونهم في حين إن أغلب صحابة رسول الله هم من الشيعة ومن أراد التأكد فليراجع موضوع الصحابة في نهج البلاغة وغيره من كتب الشيعة فاشتبه الأمر على ابن تاويت لعدم تمحيصه وتحقيقه في الموضوع فأصدر حكماً خاطئاً يحسب ويحاسب عليه.

الشعر الموحدي

لـو أنـهـا نصرتْ علياً لم ترد      خيلُ ابن حربٍ ساحة الأنبارِ

هم أظهروه مع النبيِّ وواجبٌ      أن يتبعوا الإظهارَ بالإظهارِ

ملئت به الـدنـيـا صـفاءً بعدما      مُـلـئتْ من الأقذاءِ والأكدارِ

هذه الأبيات من قصيدة لأشهر شاعر في الدولة الموحدية وقد قرأها أمام عبد المؤمن بن علي أول خليفة موحدي، وهذا الشاعر هو أحمد بن عبد السلام المعروف بـ (أبو العباس الجراوي) (528 ــ 609 هـ / 1134 ــ 1212م)، وهي لا تحتاج إلى توضيح على فكر صاحبها المتماهي مع فكر الخليفة وخاصة البيت الأخير الذي يبين فيه بقول صريح إن الخلافة رجعت إلى صاحبها الشرعي وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد أن ملئت الدنيا ممن تولاها قبله بالأقذاء والأكدار وهذا الشعر كما هو واضح لا يختلف عن أي شعر شيعي آخر.

غير أن ابن تاويت يقف متحيِّراً أمام هذه الحقيقة فلا يجد أمامه غير أن يصفها بالتطرّف فيقول في حديثه عن الشعر الموحدي ما نصه:

(هذا ما يتصل بالناحية الفنية وهناك ناحية مذهبية أعني بها المذهب الشيعي، ولا شك أن الشعراء في ذلك اعتمدوا كلياً على ابن هانئ، ولكن اعتمادهم لم يكن متطرفاً كما اعتمدوا كذلك على مبادئ شيعية متطرفة إلا أنهم لم يفهموا خطر تطرفها أو فهموه وأخذوا بجانب منه دون الرجوع به إلى أصل المذهب فيه) !

التذبذب في الرأي

بهذا التذبذب في الرأي يريد ابن تاويت أن يقول أن الشعراء الموحدين عندما تكلموا عن فكر وعقائد الشيعة لم يفهموا أصلها في الفكر الشيعي وإلى ما توحي !

إنه يريد أن يقول أن الشعراء الذين استقوا من الفكر الموحدي والفكر الشيعي الموحدي كانوا ببغاءً يردد ما وصل إليههم من هذا الفكر !

ونحن بدورنا لا نعلق على قوله سوى بقوله ونذكره به وهو: (هذه مبادئ أجملها الناس فيما وسموا به ثورة ابن تومرت، ولكن ابن تومرت وثورته بعد هذا في حاجة إلى دراسات ودراسات لم ينته إليها الدارسون إلى الآن، وكل ما يمكن أن يقال إن الرجل بدأ بالعمل تلاه الظهور بالفكرة على عكس ما عهد في غيره)

فهل أن أي فكر يحتاج إلى دراسات ودراسات لم يهضمه صاحبه وردده كما تردده الببغاء نترك الجواب للقارئ اللبيب.

الشعر الشيعي الموحدي يوضح الحقيقة

لا يستطيع ان تاويت إلا أن يذعن تماماً للحقيقة كاملة عندما يتعرض لقصيدة الجراوي وهو أكبر شاعر في الدولة الموحدية في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) فيقول عنها:

(ومن قصائده ملحمة في رثاء الحسين وهي لا تختلف عن تلك المراثي التي نعرفها للشيعة تقرأ صبيحة يوم عاشوراء ونظمها للمنصور الموحدي (عبد المؤمن بن علي)!

إنه اعتراف كامل وإذعان للحقيقة فلِمَ التلاعب بها إذن والانحراف عنها ؟ فهل غاظهم أن ترتفع أعلام حضارة إسلامية أثرت العالم بالعلوم والفنون والآداب والعمران لا لشيء سوى أنها كانت تعتقد بالمذهب الحق واتباع أهل البيت (عليهم السلام)

الملحمة الحسينية

الحديث عن الشعر الشيعي الموحدي يحتاج إلى دراسة مطولة وهو متعدد الأغراض، ولكن النفس الشيعي يطغى عليه حتى يكاد من يسمعه لا يفرق بينه وبين الشعر الكوفي الشيعي وشعر كبار شعراء الشيعة أمثال الكميت ودعبل، وملحمة الجراوي الحسينية التي تبلغ (93) بيتاً تدلنا على ذلك وهي ملحمة ضمت كل حروف الهجاء استعمل فيها الشاعر كل حرف ببيتين وهي:

خليليَّ دعوى بـــــرحتَ بخفاءِ      ألا انزلا رحـــلَ الأسى بفنائي

وهدا من الصبرِ الجميلِ بنائي      قفا ساعداني لاتَ حينَ عزائي

**********************************

أيتركُ ربعٌ للرســــــالةِ سبسبُ      تجيءُ به هوجُ الرياحِ وتذهبُ

ولا تنهمي فيه العيونُ وتسكبُ      وتظلعُ أعنــاقَ الذنوب وتنهبُ

**********************************

دِيارُ الهدى بالخيفِ والحجراتِ      إلى ملتـــقى جمعٍ إلى عرفاتِ

مجاري سيولِ الغيمِ والعبـراتِ      معارفُ هدي أصبحتْ نكراتِ

*********************************

عذيري من رزءٍ بصبريَ يعبثُ      ومن شانيء في عقدةِ الصبرِ ينفثُ

وأي مصـــابٍ عهدُهُ ليسَ ينكثُ      كأني إذا ما القـــــــــومُ عنهُ تحدثُ

**********************************

ألا يا رسولَ اللَهِ صــــدري توهَّجا      لمصرعِ سبطٍ في الدماءِ تضرَّجا

فعطلت جيدَ اليأسِ من حيلةِ الرَّجا      فتعساً لأقــــــوامٍ يُريُدونَ لي نَجا

**********************************

على مثلِ ما أمسي من الحبِّ أصبحُ      زنادُ فــــــــؤادي باللواعجِ تقدحُ

ولو أن قلبي للتجــــــــــــــــلدِ يجنحُ      لفاضت جفوني بالسواكب تطفحُ

**********************************

عهودُ مصابي آمنت يدَ فاسخِ      ومحكمُهُ لا يتّـــــــــــقي حكمَ ناسخِ

فلو أشتكيه للنجــــومِ البواذخِ      لعالت بنعي السبطِ صرخةُ صارِخِ

**********************************

أقولُ لحزنٍ في الحسيـــــــــنِ تأكّدا      تملّك فُؤادي مُتهماً فيه مُنجدا

ولو غيرُ هذا الرزءِ راحَ أو اغتدى      لناديتهُ قبلَ الوُصــولِ مُرَدِّدا

*********************************

سهامُ الأسى هــــــــذا فؤاديَ فانفذي      وفي ألمــي بعدَ الحُسينِ تلذّذي

ومن عبرتي والثكلِ أروى وأغتذي      ويا مقلتي من أن تشحِّي تعوَّذي       

************************************

وركبٌ إذا جـــــــــاراهمُ البرقُ يعثرُ      تذكـــرتُ فيهمْ (كربلاءَ) فأجأرُ

وغيداء لا تدري الأسى كيفَ يخطُرُ      بثثتُ لها ما كنتُ بالطفِّ أضمرُ

***********************************

مجلّي الأسى في ملعبِ الصدرِ برِّزا      وماطِلُ ذاك الدمعِ فيَّ وأنجزا

وحلَّ الأسى من قلبيَ الصبِّ مركزا      فغـــــايةُ هذا الحزنِ أن يتحيَّزا

**********************************

أيا أمَّةَ الطُغيــــــــــــانِ ما لَكُمُ حِسُّ      علامَ بنــــاءُ الدارِ إن هُدِّمَ الأُسُّ

أترجونَ إصباحاً وقد غابتِ الشمسُ      وزَلَّ بكُم عن دينكم ذلكَ الرجسُ

*************************************

رويتم وضجَّ السبطُ فيكُم تعطشا      فسقيتموه ظـــــــالمينَ دم الحشا

ألا رُبَّ حقدٍ في صــدورِكُم فشا      فأغريتمُ للصارِمِ العضبِ أرقشا

*************************************

عصوا في احتمال الرأس يا ويحَ من عصى      وخلّوا حسيــــناً في الثرى متقمصا

لكي يدركوا عندَ ابـــــــــــــن حربٍ تخلّصا      كأنَّ سنا رأسِ الحُسينِ على العصا

****************************************

فؤاديَ صــــرحٌ بالجوى لا تعرِّضُ      ويا دمعُ ذهِّبْ وجـنتي لا تفضضِ

ويا سهري من طيبِ نومي تعوَّضِ      فما عُمرُ أحـــــزاني عليهِ بِمُنقَصِ

*********************************************

عزائيَ في عشــــــواءَ ثكليَ خابطُ      وسهــدي إلى وردِ المدامعِ فارِطُ

وللقلبِ في مهوى الوجيبِ مساقِطُ      تعدَّت شجونٌ في القضايا قواسِطُ

**********************************

أما لعُهودِ الهاشمييـــــنَ حافِظُ      فبالطفِّ يـــــــومٌ للرسالةِ غائِظُ

على ثكلِهِ قلبُ الكريمِ مُحافِظُ      فيا مهجتي إني على السبطِ فائِظُ

*********************************

مُصابُ حسيـــــنٍ رأسُ مالِ الفجائعِ      فلاتكُ في سلـــوانِ قلبيْ بطامِعِ

وقَرطِس بسهمِ العتبِ غيِّرْ مسامعي      ثكلتكَ من ناهٍ عن الحزنِ وازعِ

*******************************

إلى اللَه من عبدٍ عـــــلى سيّدٍ بغى      فغادره تحتَ العجــاجِ مُمَرَّغا

يُنادي رسولَ اللَه في أزمة الوغى      أجرنيَ من باغٍ بِعُدوانِهِ طَغَى

**********************************

ألا أنه يومٌ على الطفِّ آزِفُ      بهِ نُكِّرَت لابــنِ الرَسُولِ معارِفُ

وساعَدَه قــلبٌ هنالكَ واجِفُ      فنادى ظلامَ الظلمِ والنحرُ راعِفُ

*********************************************

أيا حـــاديَ المُختارِ جلدِي يُمَزَّقُ      بِعُـــــــــــــــدوانِ قومٍ غيُّهم يَتَفَرَّقُ

وكيفَ تحنُّ اليومَ أو كيفَ تُشفِقُ      قُلُوبُ عِداً عن مَوقِفِ الوَعظِ تُزهِقُ

***************************************

نجيعُ حفيدِ المصطفى كيفَ يُسفَكُ      ورِقُّ بنيـــهِ بعدَهُ كيفَ يُملَكُ

فيا (كربلا) والـــكَربُ لي ممتلكُ      ليكفيكِ مني أن ذكركِ مُهلِكُ

********************************

أيا حســـــرتي يومَ أنتأوا وتحمّلوا      إلى (كربلا) مأوى القُلُوبِ تنقلوا

ليسبوا على حكمِ الضلالِ ويقتلوا      فيا رزؤهــــــمْ صمٌّ ومثلكَ يَفعَلُ

*****************************

فَرُمتُ بهِ قلباً عن الصبــــــــرِ أجفلا      تحملَ من برحِ الجَوَى ما تحمَّلا

ولا ناصِرٌ يُعدي على جَور (كَربلا)      على أنَّ لي دمعــــاً إذا ما تسبَّلا

******************************

لأنتحلنَّ الدهرَ حــــــــبَّ بني علي      وأتلُوا مراثيهم على كُلِّ محفلِ

عسى جدهُم يومَ الجزا أن يمدَّ لي      بغفرِ ذنوبي راحــــةَ المتفضلِ

************************************

أياسا معي هذا الرثاء ترحَّموا      على مسرفٍ قد طال منه التجرُّمُ

مؤخَّر سعيٍ حُبُّهُ مــــــــــتقدِّمُ      عسى يتلقــــــــــــاهُ النبيُ المُكرَّمُ

**********************************************

أيا فاسِقاً قـــــادَ الغُرورُ شكائمَه      فأوردَ في صدرِ الحسينِ صوارِمَه

تهيَّأ ليومِ الحشرِ تجرعْ علاقِمَه      فمـــالكَ منجىً من خصومةِ فاطِمَه

****************************

تبرّأ من قلبٍ بلـــــــــــــــــذتهِ اعتنى      وآلُ رســـــــــولِ اللَهِ في شرِّ مُجتنى

إذا ما اقتضوا ورداً أحيلوا على القنا      وعترةُ حربٍ في جنى روضَةِ المنى

*************************************

قضى اللَه أن يقضي على القَمَرِ السُّها      فراشةُ سَوءٍ زَلزَلَت عُصبَةَ النُّهى

فشعرُ الحسيـــــــــــــنِ بالنجيعِ تموَّها      ترى الدمَ في تلكَ الذوائِبِ مُشبِها

**************************************

بقايا ضُلُوعي فوقَ جمرِ الغَضى تُطوى      ودمعيَ يَسقي حرَّ صدري فلا يُروى

لرزءٍ أن يغلبَ الأضــــــــــعفُ الأقوى      وينزلَ أهلُ الفِسقِ في أربُــــعِ التَّقوى

****************************************

لمثلِكَ من رزءٍ عصيتُ عزائيا      وأعطيتُ أشجـــــاني قيادَ بُكائيا

فلو أنني نــــاجيتُ طوداً يمانيا      لأذرفَ دمعاً أفضح الغيمَ هاميا

الحضارة الموحدية تستقطب العلماء

استقطبت الحضارة الموحدية العلماء والأدباء والمفكرين والفلاسفة والمبدعين واحتضنتهم ووفرت لهم كل ما يحفزهم على الإبداع، فإضافة إلى ما ضمته هذه الدولة من أعلام الفكر والعلم والثقافة كعبد الرحمن بن منقذ، وتقي الدين بن حمية السرخسي الخراساني، وعماد الدين القاضي وغيرهم، فقد ورد عليها من الشرق الكثير من العلماء والأدباء والشعراء الذين وصلت إليهم أخبار الحضارة العظيمة التي أقامها الموحدون ونهضتهم الفكرية والعلمية التي غطت أصقاع العالم فتقاطروا عليها، ومن الذين وفدوا عليها من الأعلام:

العالم والفلكي والجغرافي والرياضي الكبير الشريف الإدريسي، والمؤرخ عبد الواحد المراكشي، وأبو موسى الجزولي، والطبيب المشهور علي بن يقظان السبتي، وابنا دحية السبتي، وإبراهيم بن يحيى بن حافظ المكناسي، وأبو زكريا يحيى بن معط، وابن الأثير الصنهاجي، وعبد الرحيم بن طلحة الأنصاري السبتي، وعبد الحق بن سليمان القيسي التلمساني، ويونس بن يوسف الجذمي، ومحمد بن إبراهيم البقار الفاسي، ومحمد التميمي الفاسي، وعمر بن مودود السلماسي، ويحيى بن عبد الرحمن القيسي الدمشقي المعروف بالأصبهاني، ومحمد بن يحيى الخزرجي المصري وغيرهم الكثير.

الزراعة والصناعة والتجارة

انتعشت هذه الحقول المهمة في ظل دولة الموحدين فعاش الناس في رخاء ودعة، فهذه الحقول تشكل عصب الحياة في المجتمع حيث ازدهرت الزراعة بشكل خاص وارتقت أساليبها الفنية وتنوعت المحاصيل وانتشرت زراعة الفاكهة في أحواز إشبيلية وبلنسية، وتقدمت الصناعات الحربية والمدنية ولا سيما صناعة الأقمشة الممتازة والصناعات الجلدية وصناعة الورق وغيرها، كما ازدهرت التجارة وعم الرخاء وكانت ثغور الأندلس مثل بلنسية ودانية وإشبيلية والمرية ومالقة من أعظم مراكز التجارة الخارجية في هذا العصر.

الأسطول العظيم

يقول ابن خلدون: (إن أساطيل المسلمين وصلت في عهد الأمير عبد المؤمن بن علي إلى ما لم تصل إليه من قبل ولا من بعد وذلك من ناحية جودة الصناعة واتقان الحيل الهندسية والعلم بالشؤون البحرية). (14)

وقد خاض عبد المؤمن بن علي بهذه الأساطيل ملاحم عظيمة ومعارك ضارية في الدفاع عن الإسلام ضد الروم وتصدى لهجماتهم وأوقع بهم هزائم منكرة، ولم تشر التواريخ إلى أي هزيمة وقعت لهذا الأسطول وكان من أهم انجازات هذا الأسطول انتزاع مدينة المهدية من أيدي النورمانديين.

النهاية والبقاء

لقد بنى الموحدون حضارة لا تزال آثارها إلى الآن شاخصة وبقيت إنجازاتها مفخرة على مر الدهور، وبسقوطها بيد الإسبان خسر العالم حضارة من أرقى الحضارات التي قامت في التاريخ فغابت العلوم والفنون وتضاءل الفكر والمفكرون واضمحل الأدب وكانت ضربة قاضية وجهت إلى الشعر.

محمد طاهر الصفار

..............................................................

1 ــ الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس

2 ــ أخبار المهدي ابن تومرت ص 12

3 ــ الدولة الموحدية بالمغرب في عهد عبد المؤمن بن علي

4 ــ الحوادث الجامعة والتجارب النافعة

5 ــ العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر

6 ــ وفيات الأعيان

7 ــ الدعوة الموحدية بالمغرب

8 ــ تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية

9 ــ المجمل في تاريخ الأندلس

10 ــ تاريخ العرب في إسبانيا أو تاريخ الأندلس

11 ــ خلاصة تاريخ تونس

12 ــ نهاية الأندلس

13 ــ تاريخ التشريع الإسلامي

14 ــ المقدمة

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً