رائحة القصب

أدب العترة

2019-03-06

723 زيارة

 

من قصص الانتفاضة الشعبانية المباركة

 

كنت أتأمل أشعة الشمس الخيطية المغبرّة والمخترقة لثقوب السقف المتكوّن من ملابس متهرئة وخَرِقة نشرت على أربع سعفات صغيرة وهي تتساقط على وجهه وقد ضاق ذرعاً فبدأ يتقلّب يميناً ويساراً بتناغم مع خفوت وانبثاق الأشعة.

كان منبطحاً على بساط من صنع أيادٍ غير متقنة لا يتميز لونه عن التراب إلا لمن يتمعّن به ملياً وقد غطت بعض ألوانه الباهتة بقع من الدماء وهو  يتلوّى من ألم الجرح.

ورغم أنه كان في حالة شبه غيبوبة فقد كنت على قناعة تامة بأن ردّة فعله وهو في مثل هذه الحالة تجاه أي حركة أسرع من ردة فعلي وأنا بكامل قوتي العقلية والبدنية.

تمطى بجسده باتجاهين متعاكسين، فبرزت قدماه الصلبتان المكدومتان وهما تخترقان خط الظل المتكوّن من نشر ملابسه المبلولة فاستطعت على إثر أشعة الشمس الساقطة بكثافة أن أرى ثغرة دائرية متقيّحة لرصاصة اخترقت أسفل رسغه.

التفت إليّ فرآني أحدق به، تبسم كعادته نفس الابتسامة التي تغزو وجهه في أشد الحالات هلعاً وقال هو يداعبني كما يفعل كل مرة:

ــ الكل يريد رقبتي وما بداخلها مع أنها لا تحتوي إلا الجفاف !!

قدمتُ إليهم من ما وراء القصب المتراكم كيفما اتفق والذي كون غابات موحشة يفصل فيما بينهما ماء أزرق تحوم فوقه آلاف الطيور الملونة وتنبع من دواخله الأسماك المختلفة.

أتيت إليهم ولا أحمل معي إلا ما تبقى في دواخلي من شجاعة أو قوة خفية تحاول الانطلاق أو الانتقام ؟ كنت نادراً ما يضحكني مزاحهم الكثير وكثيراً ما تبكيني الأيام أحزانهم. كنت أنزوي بعيداً قليلاً وأتقرب قليلاً. لم أملك من التعريف المتبع ألا لسان قليل الثمر وصلابة موقف.

لم أقاوم محبتي له وإعجابي بشجاعته كما لم أقاوم كشفها له:

ــ أبو جاسم .. أنت بالنسبة لي روح شجاعة متفانية في فضاء الله. تركب فرساً عديمة اللون تميزها من صهيلها المستمر، وعندما يخفت العطاء تنبثق تلك الروح من جديد ملوحة بسيفها المصقول نوراً أبيضاً صاخباً بصخب الحقيقة المطلقة والمحتوية فضاء العالم لتشع الحرارة من جديد وهكذا نخاف وننام وتنهضنا أنت يا أبا جاسم تلك الروح السخية التي تطلقنا من قيود الخوف.

لا أعرف ما الذي دفعني لأن أعانقه وأبكي كما بكيت أبي ساعة شنقه، أحسست بالفيض العاطفي كقوة ممغنطة تخرج من ثنايا صدره وهو يتنفس ببطء فمسد على كتفي براحة هدأت بعدها قال لي بصوت هادئ أبوي أزلي أشبه بصوت قصيدة حب رائعة:

ــ لا عليك سأكون هديتك نحو الانعتاق نحو هواء طلق يملأ رئتيك لتتورد وجناتك وتعود ابن مدينة أصيل

ابتعدت في زاوية الموقع وحيداً أراقب هيجان الطيور الخائفة أثر رنات صوتي العالية وحركتي السريعة.

كنت في الليل المتروك والمقذوف كبركان ساكن أجلس في مواجهة الماء وظهري للموقع, كنا ننام من غير ترتيب وكان البعوض المتكاثر يسرق ما ينتظر من دمائنا النازفة باستمرار وكان لكل يوم قصة, وقصة الأمس استمرار لقصة اليوم واليوم لا تعرف إن كان سيكون هنالك حكاية قادمة.

ففي اليوم الذي حللت به هنا كنا عشرون مقاتلا. اليوم ما تبقى اثنا عشر، سبعة منهم علقت أجسادهم على مقربة منا فوق مساند حديدية أشبه بأعواد ثقاب كبيرة ودقت في أجسادهم مسامير المسيح النازف, أما الثامن فكان هو من دق تلك المسامير.

في المساء كنا نجتمع حول موقد متكون من أربعة أحجار مكونة محيط لدائرة محفورة وسطها وكان وجه أبو جاسم يتلوى في اللهب الهارب كأفعى هندية في كيس وكانت حكاياتنا يصهرها الجمر المتقد فكنت أختلس النظرات بحركة دائرية خفيفة.

كنت أتلظى لسماع حكاياته لكني لم أسأل أبداً فصببت كمية من الزيت على الجمر لأطرد البرد القادم مع أحدهم إثر انفتاح الباب لتبديل واجبات الليل الطويل ولأحافظ على حرارة الجلسة، فبدأ أبو جاسم يحرك شفتيه العريضتين فانبثق الكلام حاداً أسطورياً أو كرؤيا غير منتهية كنت وهو يتحدث ويصوغ العبارات ألبس قميصه المهترئ القديم وأتسلل عبر شخصه حتى أتماهى معه فيبلغ بي المدى بأن لا أميز هل أنا أنا ؟ أم أنا هو ؟.

كانت أكواب الشاي حاضرة للإرتشاف وفيما كان أبو جاسم يشرب الشاي أدليت كمية أخرى من الزيت لأزيد من مدى التحفز للكلام، وهنا تجرأت وكففت عن انزوائي الصامت فرجوت من أبي جاسم أن يروي لنا حكاية من حكايات بطولاته

نظر إلي بذكاء متقد فحولت نظري نحو الموقد وحركت يدي بفتح فجوات داخل الجمرات وقلبت التي لم يلسعها النار قال أبو جاسم:

ــ ليس لدينا وقت لذلك وستكون أنت من يحكي غداً مهمتنا فإنها ستكون آخر حكاية لي.

قاطعته وأنا أحبس دمعة تكاد تنزلق من عيني:

ــ مثلك يجب أن لا يموت فأنت بالنسبة لنا إحساس لا ينضب في الشجاعة  المفقودة في نفوسنا فكيف يخفت بريقك فيما أنا أراه ظلاً هادئاً من خلال ضوء الشمع الذابل فردد إني لأخاف أن أنسى أنفاسي في إحدى اللحظات الحارة لكني أخشى أن تلك الأنفاس لا تذر هواء نقياً تستنشقه النباتات المخنوقة في الصباحات المسروقة.

في الصباح جاءني أبو جاسم بخفته المعهودة وأخبرني أن أجهز نفسي هذه الليلة للإبحار معهم صوب المدينة، كان خوفي وسعادتي يسيران بخطين متوازيين نحو رأسي مما جعلني أحتاج إلى خلوة مع نفسي. عجت الأفكار في رأسي وهي تتدحرج، وتتقافز حتى انتبهت كمن يستيقظ من نوم عميق على صوت أبي جاسم: سنغادر بعد ساعة عند المغيب كن جاهزاً.

قفزت في القارب المكون من خشب مجوف مطلي بطلاء أبيض مرتبط بمؤخرته جسم كهربائي يحركه بهدير مزعج إلا أننا بدأنا التجديف بأيدينا بهدوء متناسق، كان للقصب هدهدة متمايلة ساكنة رغم الرعب الذي يحيطه وكان لشجاعة أبي جاسم وهو يخترق الموت بجسده النحيل من  اللامعقول تتزاحم برأسي كل الأبجديات الموروثة وهو يكون أمامي قوياً كبيراً كبيراً، كنا ستة سابعنا أبا جاسم.

ما إن وصلنا ضفاف المدينة حتى قفزنا بصمت حابسين أنفاسنا مشينا قليلاً. سمعنا بقايا لضحكات مسترسلة فعين لنا أبو جاسم أماكننا كل في مكان وكنت حين يجتاحني الخوف كإعصار أنظر إلى أبي جاسم وهو يقفز ويتحرك ويتكلم كأنه في حفلة للأصدقاء رغم حذره الشديد، لا يسمع أو يشد انتباه العدو، كان هجوماً مباغتاً كنت إلى الخلف منهم.

قتل جميع من كان في الربيّة وكانوا كثيرون رأيت الدماء تتمازج مكونة برك متفرقة كدت أتقيأ لكن بلا شعور أطلقت رصاصة على أحدهم قبل أن يشهر بندقيته

كان للمطر المستمر الهطول وقع سيئ لمخططنا كنا مستترين خلف ستار عندما أكملنا مهمتنا تبينت وجه الجسد الملقى على الأرض الموحلة إثر الضوء الساقط بكثافة من السيارة العسكرية الناقلة القادمة نحونا والتي ترجل منها أكثر من ستة جنود مع قائدهم.

صدى صوت أبو جاسم اخترق أذناي المتحفزة وهو يحذرنا ويدعونا للابتعاد وفي هذه اللحظة أصابته إطلاقة بكبر الدناءة اخترقت قلبه.

عج أرجاء المكان صراخ أبو جاسم وهو ينزف ألماً تهاوينا من خلف الساتر وأنزلنا غضبنا بحزن اللحظة نحو الجنود. هرب القائد باتجاه الأضواء الكثيفة القادمة نحونا مخلفاً سبعة أجساد خالية من الروح:

أبو جاسم وستة منهم.

في الليل المظلم الحزين كنت أتحسس دمعي المتساقط والممزوج بحبات المطر المتساقطة بشدة وأنا أقطع المسافة نحو المدينة. كنت أبكي على أبي جاسم بشدة.

كففت دموعي وتمتمت بثقل الوجع تلك آخر الحكايات الليلية التي كنا نطرد بها الزمن المتعفن لكن حكايتك سوف تبقى خالدة لقد مضت أكثر من عشرين سنة ولا تزال في ذاكرتي رائحة القصب الممزوجة برائحة الدماء فأبكي كلما تذكرتها

بكيت اليوم وأنا أوجه بوصلة قلبي نحو الثائر الأزلي العظيم الذي شخصت قبته الذهبية في وسط المدينة وتلألأت على حبات المطر.

أحمد طابور

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً