[التغذية والرضاعة وتأثيرها على تربية وصلاح الطفل ]

نفحات إسلامية

2013-04-17

10748 زيارة

الغذاء بالنسبة لكل كائن حي مهم لبناء الجسم والبقاء على قيد الحياة، هذا في غير الإنسان، أما في الإنسان فبالإضافة إلى ذلك فأن له التأثير المباشر لبناء روحه وشخصيته، حتى يصل الأمر إلى أن له التأثير المباشر على عقيدته ... لهذا نهى الشارع المقدس عن استرضاع الأولاد من نساء غير صالحات (مجوسية أو ناصبيّة أو زانية). كما يظهر ذلك من روايات المعصوم (عليهم السلام) التي سنذكرها بعد حين. إذن للغذاء الأثر الوضعي على سلوك الناس، فكلما كان الغذاء حلالاً وصافياً من شوائب الشبهات كان له الأثر الإيجابي على كمال الشخص واستعداده لتقبل كل ما وافق الشريعة السماوية والعقل السليم، والعكس صحيح. ودرجة ابتلاء الجنين والطفل الرضيع بهذا الأمر أكثر من غيرهما فيه، وذلك لأن مصدر ونوعية غذائهما واحد وهو دم الأم بواسطة المشيمة عندما يكون جنيناً وحليب مرضعته في حال كونه رضيعاً لا شيء غيرهما. أما بالنسبة إلى غير الجنين والرضيع فتعدد نوعيات ومصادر أكله يهون الخطب عليه فإذا كانت بعض نوعيات أكله أو مصادره حراماً، سيكون البعض الآخر حلالاً فتخف درجة ابتلائه من هذه الناحية. ولهذا عنيت الشريعة المقدسة بلفت نظر الآباء إلى خطر هذا الأمر فبينت لهم من ينبغي الإسترضاع منهم، ومن لا ينبغي الإسترضاع منهم وذلك في جملة من الروايات التي وردت عن المعصومين (عليهم السلام) نبين بعضها تحت عنوانين خاصة. روى شرحبيل بن مسلم عن المعصوم (عليه السلام) أنه قال: ((في المرأة الحامل تأكل السفرجل فإن الولد يكون أطيب ريحاً وأصفى لوناً)). [الكافي الكليني / ج 6 / ص 31/ ح 10506] وعن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) ونظر إلى غلام جميل: ((ينبغي أن يكون أبو هذا الغلام آكل السفرجل)). [الكافي الكليني / ج 6 / ص 31/ ح 10507] وعن زراره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): ((خير تموركم البرني، فأطعموه نساءكم في نفاسهن تخرج أولادكم زكياً حليماً)). [الكافي الكليني /ج 6 / ص 31 / ح 10508] وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ((ليكن أول ما تأكل النفساء الرطب فإن الله تعالى قال لمريم {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم/25] قيل: يا رسول الله فإن لم يكن اوآن الرطب ؟ قال (صلى الله عليه وآله): سبع تمرات من تمر المدينة، فإن لم يكن فسبع تمرات من تمر أمصاركم، فإن الله عزّ وجلّ يقول: وعزتي وجلالي وعظمتي وارتفاع مكاني لا تأكل نفساء يوم تلد الرطب فيكون غلاماً إلاّ كان حليماً وإن كانت جارية كانت حليمة)) . [الكافي الكليني / ج 6 / ص 31/ ح 10509] وعن الإمام عليّ (عليه السلام) أنه قال: ((انظروا من ترضع أولادكم فإنّ الولد يشبّ عليه)) .[الكافي الكليني /ج 6 / ص 62 / ح 10608] وعنه أيضاً (عليه السلام) أنه قال: ((تخيّروا للرضاع كما تتخيّرون للنكاح، فإنّ الرضاع يغيّر الطباع)) .[ قرب الإسناد / ص 93 / ح 312] وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: ((استرضع لولدك بلبن الحسان، وإيّاك والقباح، فإن اللبن قد يعدي)). [الكافي الكليني /ج 6 / ص 62 / ح 10609] وعنه أيضاً (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ((لا تسترضعوا الحمقاء، فإن الولد يشبّ عليه)) [الكافي الكليني /ج 6 / ص 62 / ح 10607] وعنه أيضاً (عليه السلام) أنه قال: ((لا تسترضعوا الحمقاء فإن اللبن يغلب الطباع)) [الكافي الكليني /ج 6 / ص 62 / ح 10607] وعن أبي جعفر عليه السلام قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه آله: لا تسترضعوا الحمقاء فإن اللبن يعدى وإن الغلام ينزع إلى اللبن يعني إلى الظئر في الرعونة والحمق)) . [الكافي الكليني /ج 6 / ص 62 / ح 10606] وعن الإمام علي (عليه السلام) انه قال: ((توقّوا على أولادكم لبن البغيّ من النساء، والمجنونة، فإن اللبن يعدي)) [بحار الأنوار / جزء 100 / صفحة 323 / ح 9 ] وعن الإمام الكاظم (عليه السلام) لمّا سأله أخوه عليّ بن جعفر (عليه السلام)عن امرأة ولدت من الزنا هل يصلح أن يسترضع بلبنها؟ قال (عليه السلام): ((لا يصلح ولا لبن ابنتها التي ولدت من الزنا)). [الكافي الكليني /ج 6 / ص 62 / ح10609] وعن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال: ((الرضاع واحد وعشرون شهراً فما نقص فهو جور على الصبي)). فطول مدة الرضاعة له تأثير ايجابي على الوضع النفسي والعاطفي للطفل، وهي أهم المراحل في البناء العاطفي والشخصي للطفل حيثُ تحتضن الاَم طفلها وتضمه إلى صدرها، فيشعر بالحنان المتواصل والدفء العاطفي، وفي هذا الصدد تقول عالمة النفس لويز كابلان: (إنّ الطفل الذي ينعم بحنان أمه المتدفق خلال العام الاَول والثاني من عمره يشعر بالأمان، وعادة لا يشعر بالقلق أو الخوف فيتصرّف بتلقائية عندما يبلغ سن الثالثة أو الرابعة، والطفل الذي يشعر بالطمأنينة يتمتع بالثقة بالنفس ويتعامل مع الاخرين بسهولة ويندمج مع الاطفال في مثل عمره). ومناغاة الطفل في هذه المرحلة ضرورية للطفل تؤثر على نموه اللغوي ونموه العاطفي في المستقبل، لذا كانت فاطمة الزهراء عليها السلام تناغي الحسن (عليه السلام) وتقول: أشبه أباك يا حسن واخلع عن الحق الرّسن ... واعبد إلهاً ذا منن ولا توالِ ذا إلاحِن وكانت عليها السلام تناغي الحسين (عليه السلام) وتقول: أنت شبيهٌ بأبي لست شبيهاً بعلي ما تقدم يدخل في خانة الآداب المعنوية في التربية والتعليم للأبناء وهي بذلك تكون اللبنة الأساسية المهمة في حياة الطفل، أما ما يخص مرحلة التطبيق العملي الفعلي فانه يتألف من عدة مراتب يقوم بها الوالدان لتنشئة أولادهما على الخلق العالي والأدب المثالي ليكونوا لهم أولاداً صُلحاء ولمجتمعهم ودينهم نفعاء وأُمناء مساندين للحق مطبقين له ومناهضين للباطل مجتنبين عنه، كل ذلك يكون عندما تُجعل إرشادات وتعاليم أئمة الهدى(عليهم السلام) في المقام هي السبيل الوحيد ومحط نظر الأبوين لنيل ذلك. فقد قام أهل البيت (عليه السلام) -منّة منهم ورحمة - في بيان كل ما يحتاجه الأبوان لتربية أولادهما التربية الصالحة والتي دعت إليها كل الرسالات السماوية وطمحت بها المناهج التربوية الوضعية عبر مراحل تطور المجتمعات في العالم القديم والحديث، وذلك من خلال دفع وترغيب الأبوين لنيل السعادة الدنيوية بإنشاء أولاد بررة لهم يسرون بنجاحهم وثباتهم في المجتمع ويكونون عوناً لهم عند كبرهم، وكذلك لنيل السعادة الأُخروية بما سوف يرونه من أجرٍ وثواب مرصوداً لهم من قبل الباري تعالى مكافئة لهم على ذلك، فنيل السعادة والراحة الدنيوية والفوز بلذائذ الحياة الأُخروية مُنية كل لبيبٍ على هذه البسيطة. كل الروايات الخاصة في المقام خالية من التعقيد والتكثير والتركيز في المناهج كما يُشاهد ذلك في المناهج التربوية الوضعية وكأنهم يتعاملون مع آلة يُراد بها لابدية التميّز والتطوّر بأن لا يضاهيها آلة أُخرى. لا قطعاً الأمر ليس كذلك فالمخلوق - الذي اعتنى به الباري تعالى وذلل له كل ما في هذا الكون - غير، والآلة الجامدة عن الحواس غير آخر بعيد عنها بعد السماء عن الأرض، بل لا مقايسة بينهما من رأس، فالآلة يمكن وبإلحاح أن تكون أفضل آلة صممت على وجه الأرض، ولكن المخلوق من دون إرادة ومشيئة خالقه عزّ وجلّ وتطبيق تعاليمه كمال التطبيق استعداداته الشخصية لا يمكن هدايته للصلاح وحسن التربية الخلقية وان تضافرت عليه كل الجهود والهمم بكل ما لديهم من مناهج متطورة لتحقيق ذلك الصلاح لن ينجحوا، وهذا ما أكده الواقع منذُ خلق الإنسان على هذه البسيطة وإلى يومنا هذا، فالذي ينظر إلى أرض الواقع والتاريخ يجد الشواهد الجمة على صدق هذه الحقيقة. واختصاراً نعطي مثالاً واحداً نُثبت به واقع وصدق هذه الحقيقة المثال هو ولدا أول نبي وهو آدم (عليه السلام) - قطعاً عندما يكون الحديث عن أول نبي أي أول مخلوق يتبادر إلى أذهاننا بأن الحياة لم تكن بهذا التعقيد والفساد الذي نراه الآن بل إنها في بداية ألف باء البساطة وهذا يعني أن التربية لا تحتاج إلى مؤنة زائدة، على الرغم من هذا - نرى أن هذين الولدين قد تلقيا و ارتشفا التربية من معينٍ واحد وهو معين أبيهما آدم (عليه السلام) من دون تفرقة أو تفاوت في ذلك - حاشا لأنبياء الله أن يفرقوا بين أولادهم - النتيجة هي تلقي أحد هذين الولدين منهاج وتعاليم الأب النبي (عليه السلام) فصار أسعد السعداء في الدنيا والآخرة، ونبذ الآخر ذلك المنهاج فصار أشقى الأشقياء في الدنيا والآخرة. والحديث وذكر أمثلة من هذا النوع ذو شجون، فقط أردنا أن نلفت النظر إلى ذلك وإعطاء المثال الحي لتستقر النفس بذلك، هذا وليس مرادنا مما قدمناه وأكدناه - وهو أن للمشيئة الإلهية الدخل في هداية وعدم هداية الناس - أن يترك الأبوان الإنتفاع من المناهج التربوية الواردة عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) بحجة أن الله تبارك وتعالى إنْ شاء أن يجعل الولد صالحاً فعل وإن شاء أن يجعله طالحاً فعل، فلا فائدة تذكر من العمل بتلك المناهج، أو أن العمل بها ينافي الاعتقاد بمشيئة الله وقدرته. حاشا لله أن يكون هذا مرادنا، بل ينبغي على الأبوين أن يُفرغا ما بوسعهما في تطبيق المناهج التربوية الواردة عن الأئمة المعصومين (عليه السلام) لإصلاح أبنائهما ونيل الثواب الدنيوي والأُخروي، أي ما عليهما إلاّ أن يطرقا كل السبل لأجل تحقيق ذلك والباقي موكول إلى الله تعالى فهو أعلم بالحكمة والصالح للعباد، شأن هذا شأن الذي يعتقد بأن الله تعالى هو الشافي لا أحد سواه، ولكنه يذهب إلى الطبيب ويأخذ العلاج الذي يُرشد إليه فهل هذا معناه أنه ترك الاعتقاد بأن الله تعالى هو الشافي ؟ قطعاً لا بل أنه باقٍ على اعتقاده، فقط أنه طرق الأسباب منتظراً باطمئنان بأن الباقي متروك للباري تعالى، حيث أن بمشيئته تعالى أرجع الأمور إلى أسبابها فلابد من سببٍ حتى يُنتظر ما يكون من الحق تعالى. إذن تلخص مما تقدم أن على الأبوين الالتزام بما أرشد إليه أهل البيت (عليه السلام) بما يخص التربية والتعليم وأن يوفروا لأولادهم كافة مقومات التربية السليمة وتهيئة الأرضية الصالحة المناسبة لذلك فيكونون بذلك قد حققوا الأسباب مستمدين من الباري تعالى السداد والعون موكلين له الأمر بعد ذلك راضين بما سيقسم لهم، فما دام أنهم أدوا ما عليهم قطعاً عندها لا يحسون بتقصير وذنب مطمئنين أنهم غير مُعاقبين راغبين فيما سيُكتب لهم من الأجر والثواب. كما سيظهر لنا ذلك من الروايات أن المقصر في تربية أبنائه ينال العقاب الأُخروي بسبب ذلك التقصير وبالمقابل ينال الثواب الجزيل من يعمل بجدٍ واجتهاد على إصلاح أولاده، وعند هذه النقطة نتوقف ونكمل الكلام في العدد القادم إن شاء الله تعالى. المصدر : الأسرة في منهاج أهل البيت / السيد ليث الموسوي

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً