العباس عليه السلام الوليد المبارك

نفحات إسلامية

2017-05-10

8766 زيارة

حمل هذا الوليد كل معاني البطولة والشجاعة ، وجسد ذلك في كربلاء الدم والشهادة، كان بطلا من ابطال الحق قارع الظلم والجور . ولما يتحمل من مسؤولية في مستقبل حياته ، جاء الاسم على المسمى ، حمل العباس عليه السلام هذا الاسم لما يحمل في كينونته من شجاعة ، واجتماع خصال الكرم ، ومزايا الكمال فيه .

ففي اللغة ان معنى العباس يأتي بمعنى الاسد الذي تهرب منه الاسود ، وبه سمي الرجل - عباسا . لسان العرب:ج٩ص٢٠مادة: عبس.

اي يظهر الخوف والهلع من صولته وشجاعته وعبوسته في قبال الخصم وقتال القوم . وهذه الصفات لا ريب فيها ولا شك انها منطبقة على شخصية العباس عليه السلام ، فقد كان كالجبل العظيم وقلبه كالطود الجسيم ، لانه كان فارسا هماما وبطل ضرغاما ، وكان جسورا على الطعن والضرب في ميدان الجهاد والحرب . منتخب الطريحي : ص٣٠٦ .

من خصال العباس عليه السلام:

١- البحر بالعلوم والمغازي والسير :

كان عليه السلام عالما ومتبحرا بالعلوم والمغازي والسير ، وان خفي عن البعض .

٢- علم في البراز والشجاعة :

وقد اشتهر العباس عليه السلام بالبراز والشجاعة ، وكانت له الرتبة القصوى في ذلك .

٣- جريء في الاقدام والقوة :

تميز العباس عليه السلام ، بالجرأة في الاقدام والقوة على مقارعة الخصم ، وقد ورث جميع تلك الخصال من ابيه الامام علي عليه السلام . وقد حمل راية النصر ، راية البطولة والشجاعة في معركة كربلاء الدم والشهادة ، وهو يمتطي جوادا تذيب قدمه الحديد وصوته كالرعد القصاف ، ولونه كالبرق الخاطف بيده صفيحة يمانية ، وترس كمطرقة الفولاذ وطلعته كالبدر الاتم . هكذا وصف في الكبريت الاحمر: ج٢ص٣٠٠ .

ولعلم الامام علي عليه السلام بشجاعة العباس عليه السلام وشهامته وسطوته وبطولته وصولته ، سماه بهذا الاسم المبارك .

فقد كانت الاعداء في معركة كربلاء ترتجف ابدانهم عند صولاته وبرازه ، وترتعد فرائصهم ، وتعبس وجوههم عند سماع صوته عليه السلام . وقد عرف في الحروب والجهاد ، انه يحارب الشجعان وينازلهم كالاسد الضاري حتى يجدلهم صريعا .

الحياة الكريمة :

ان تميز العباس عليه السلام بهذه الخصال ، ومكانته العلمية والمعرفية لم تأتي من الفراغ ، بل كانت نشأته وولادته من ابوين تميزا بخصالهم الذاتية ، فالاب علي امير المؤمنين عليه السلام وهو غني عن التعريف . والام اختيرت من رجالات الفحول ، قال الامام علي عليه السلام : (انظر لي امراة ولدتها الفحول من العرب من ذوي البيوت والنسب والحسب والسجاعة لكي اصيب منها ولدا يكونا شجاعا وعضدا ينصر ولدي هذا - واشار الى الحسين - يواسيه في طف كربلاء ..) . بطل العلقمي: ج١ص١٢١ .

وتميزت ام البنين عليها السلام بخصائصها الاخلاقية ، وصفاتها التي عرفت فيها: الوفاء لامير المؤمنين عليه السلام في صفاء واخلاص .

فقد ارتضع من تلك الام الوفية والوالدة الكريمة ، وتربى في احضان الهدى فصنع على عين الاسلام والجهاد ، وكان عنوان من عناوين الشجاعة والارادة والصبر .

وكانت ولادته في الرابع من شعبان المعظم سنة ٢٦ هجرية. اعيان الشيعة : ج١١ص٤٧٦.

حيث اشرقت الارض بنور ولادته تحمل معها الخصال الحميدة ، والصفات الشريفة ، والنبل والوفاء والشجاعة والمؤاساة ، فاحتضنه الامام علي عليه السلام مستبشرا به ليوم ينصر فيه اخاه الامام الحسين في واقعة كربلاء ، وقد اشار الى ذلك عندما طلب من اخيه عقيل ان ينظر اليه امرأة انجبتها فحول من العرب لكي يصيب منها ولدا ينصر ولده الامام الحسين ويواسيه في طف كربلاء .

فكانت حياته حلقات متواصلة ومترابطة لا فاصل فيها حيث لا يمكن خرق امتدادها ، فهي بحد ذاتها تشكل مدرسة يتعلم فيها اتباعهم الاسلام الصحيح الواقعي .

اكذوبة المؤرخين :

ومع كل هذا الا ان بعض المؤرخين للتاريخ لم تروق لهم مكانت العباس عليه السلام التاريخية ووجوده الفعال في ملحمة كربلاء ، فاخذوا يحرفوا بعض مفاهيم الطف لكي ينالوا من انسانية رموزها المقدسة بالدس والتزوير ، من اجل تحجيم تأثيرها الانساني في دنيا عالم الانسان . وبما ان العباس عليه السلام استطاع ان يخرق التاريخ بإثاره وجهاده ، وتضحياته ومواساته لاخيه الامام الحسين عليه السلام . وان يشكل الخط الاول في مدرسة التأثير الروحي والمعنوي في زرع القيم والاخلاق الانسانية ، عملوا على الدس والمكر لزعزعة النفوس عن تلك الشخصية التي طالما اخذت حيزا في قلوب المسلمين والمؤمنين .

قال ابن الاثير : (ان العباس بن علي قال لاخوته من امه وابيه عبد الله ، جعفر ، وعثمان : تقدموا حتى ارثكم فانه لا ولد لكم ففعلوا وقتلوا في الواقعة) الكامل في التاريخ : ج٣ص٥٢٩.

وكرر الطبري هذا القول : حتى ارثكم . تاريخ الطبري: ج٥ص٤٤٨ .

والقارئ للتاريخ يجد يد الاموين لها الطول في التزوير والتحريف ، فلو تأمل الانسان بكلمة (أرثكم) وهي قريبة من كلمة (أرزئكم) يرى بوضوح التحريف المقصود للنيل من صورة البطل الهاشمي الذي اغاض بنو امية بشجاعته ودفاعه عن الاسلام . مقتل الحسين عليه السلام : المقرم : ص٢٠٦ .

ان هذه الاكذوبة التاريخية لا يقبلها اي عاقل لانها منافية لكل القرائن فان العباس عليه السلام في تلك اللحظات الحرجة لا يفكر بغير حماية الحسين عليه السلام وعياله ، بل ان ادنى انسان غيور في مثل هذه الساعات لا يفكر بالامور الدنيوية مطلقا ، فكيف بالعباس عليه السلام .

اما النص الوارد على لسان العباس في يوم العاشر من محرم ، ما ذكره الدينوري : (ولما رأى العباس بن علي كثرة القتلى قال لاخوته عبد الله وجعفر وعثمان بن علي وامهم جميعا ام البنين العامرية من آل الوحيد : تقدموا بنفسي انتم فحاموا عن سيدكم حتى تموتوا دونه فتقدموا جميعا فصاروا امام الحسين عليه السلام يقونه بوجوههم ونحورهم ) . اخبار الطوال: ص٢٥٧ .

وقد انشأ العلامة الاورد بادي ابيات من الشعر بهذا الخصوص :

حثهم اخوهم المقدام ... على التفادي والردى لزام .

قدمهم من قبله للحرب ... ندبا هماما مقتفي بندب .

محتسبا فيهم عظيم الاجر ... محتقبا فخرا ليوم الحشر .

وود ان يراهم لدى الوغى ... دون الحسين السبط نالوا المبتغى .

فقال : لا ولد لكم فيرقب ... من بعدكم بدء بهم وعقب .

فبادروا الى جميل اجورا ... تجارة في الله لن تبورا .

مثوبة المصاب بالفقيد ... والاجر بالجهاد والتجنيد .

ثم يقول :

فلم يروا الا الحسين والهدى ... اذ دب فيهم الولاء صرخدا .

ووطؤوا شوك الهياج جمرا ... واقتحموا من الحمام غمرا . العباس الوفاء الخالد : ص١٩٧.

وبناء على هذه فالجملة (حتى ارثكم فانه لا ولد لكم ) من زيادات الوضاعين المخالفين لاهل البيت عليهم السلام .

فيبقى العباس عليه السلام المولود المبارك صاحب الغيرة والحمية والشجاعة كما سماه الامام علي عليه السلام بذلك .

 

الكاتب: السيد زكي الموسوي

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً