نفحات إسلامية
2019-05-17
2418 زيارة
(اَللّهُمَّ حَبِّبْ اِلَيَّ فيهِ الْإحسانَ، وَكَرِّهْ فيهِ الْفُسُوقَ وَ العِصيانَ، وَحَرِّمْ عَلَيَّ فيهِ السَخَطَ وَالنّيرانَ بعَوْنِكَ ياغياثَ المُستَغيثينَ)
فعل الإحسان
قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ)[النحل - 90 ]، والإحسان هو ما يُصنَع من معروف ويشاع من خير، وهو من الامور المحببة شرعاً وعقلاً، والمحسنون محبوبون عند الله عز وجل، والإحسان تارة يكون مقابل إحسان أسدي إليك، قال تعالى (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)[الرحمن – 60] ، وأخرى إحسان بلا مقابل، قال تعالى : (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ﴿١٩٥ البقرة﴾، ، وتارة أخرى إحسان مقابل إساءة، قال تعالى : (أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ)[القصص – 54]، وهذه الأخيرة هي أفضل الإحسان؛ لأن الأجر فيها مضاعف.
والإحسان من الأمور الغريزية لدى الإنسان، فإذا كان ذو فطرة سليمة يكون محباً لفعل الإحسان، وطبع الناس تحب من أحسن إليها؛ بل أكثر من ذلك أن الناس لا تنسى من أحسن إليها، وفي حال وقوع المحسن في ضيق أو حاجة يبادر إليه مَن أحسن إليهم، وأغلب الناس قد جربوا ولمسوا ردة فعل مجازاة الإساءة بالإحسان، كيف أن لها أثر في إطفاء الغضب والفتنة.
آثار فعل الإحسان
وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في غرر الحكم جملة من آثار الإحسان تجعل العبد يقف متأملاً فيها، وفي عظم أثرها، نذكر أهمها:
إشارة مهمة
كان الكلام سابقاً عن فعل الإحسان، ولكن الدعاء الشريف لم يقل فعل الإحسان؛ بل حبب إلي فيه الإحسان، فهل هنالك فرق؟ نعم، فرق بين حب الشيء وفعله، نعم إن من أحب شيئاً فعله، لكن لا توجد ملازمة بينهما، فأحياناً الإنسان عاجز عن فعل الإحسان لكنه محباً له، فينال أجره.
ولعله في ذكر حب الإحسان إشارة إلى المعنى العقائدي للإحسان في أنه أمير المؤمين عليه السلام لما يأتي. فتأمل.
(وَكَرِّهْ فيهِ الْفُسُوقَ وَ العِصيانَ)
ومما يؤكد أن معنى الإحسان فيما مضى هو المعنى العقائدي هو ما ذكر هنا في المقطع الثاني، كره فيه الفسوق، فمعناه اللغوي هو الخروج عن طريق الحق، وأيضاً إستعمله القرآن في هذا المعنى فقط، قال تعالى : (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)[آل عمران – ١١٠]، فالمؤمنون هم من أتبعوا الحق والفاسقون قد تركوا طريق الحق، وفي آية أخرى يتبين لنا أوضح وتؤكد أن المعنى في هذا الدعاء هو عقائدي، قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[التوبة – 67]، فالفسق يساوي النفاق، والمنافقون في القرآن الكريم هم من تركوا بل نكروا ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وحاربوه، روي عن الإمام الكاظم عليه السلام أنه سأل عن قوله تعالى : (ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا)؟قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى سَمَّى مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ رَسُولَهُ فِي وَلاَيَةِ وَصِيِّهِ مُنَافِقِينَ،وَ جَعَلَ مَنْ جَحَدَ وَصِيَّهُ وَ إِمَامَتَهُ كَمَنْ جَحَدَ مُحَمَّداً...)[تفسير البرهان ج5 ص384].
وأكثر توكيداً من معنى الفسوق هو معنى العصيان، فيعني التمرد وعَدَم الخضوع، والخروج على طاعة الرئيس ومُخالفة أَوامره، وهذه كلها متحققة في من ترك ولاية أمير المؤمنين عليه السلام.
وأيضاً أنه لو كان يقصد بالإحسان المعنى الأخلاقي الفعلي لزم أن يقول في هذا المقطع : وكره فيه الإساءة، لأن الإحسان الفعلي يقابله الإساءة كما في رواية أمير المؤمنين عليه السلام : (الإحسان غريزة الأخيار ،والإساءة غريزة الأشرار)[غرر الحكم 2029]
فالدعاء في الواقع يطلب فيه حب أمير المؤمنين عليه السلام، وبغض من خالفه وترك طريقه.
ولعل البعض يستشكل ويقول لماذا لم يُصرح بذلك في الدعاء؟ نقول: أن جميع أزمنة المعصومين عليهم السلام هي أزمنة تقية، سوى أن بعضها أشد تقية وأخرى أخف بقليل، فالحكام من بعد شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الغيبة الكبرى لولي تعمتنا وما بعدها هم مخالفون لأمير المؤمنين عليه السلام، فكيف يصرح به، فيستعمل المعصومون عليهم السلام التقية حتى في الأدعية؛ لسلامة شيعتهم ومحبيهم، وللحفاظ على التعايش السلمي بين المسلمين.
(وَحَرِّمْ عَلَيَّ فيهِ السَخَطَ وَالنّيرانَ)
والسخط هو الغضب الشديد، وذكرته الآيات الشريفة في قبال رضوان الله تعالى، وأشارت بعض الآيات إلى أن السخط مرتبط بالفسق، وهذه الآية بحاجة تمعن قليل ليتضح الإرتباط، قال تعالى (تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)[المائدة – 80 – 81]، فالآية الأولى تصرح أن سخط الله هو نتيجة تولي أعداء الله، والآية الأخرى تقول إنهم ليسوا بمؤمنين واقعاً لتوليهم أعداء الله، فهؤلاء الذين باءوا بسخط الله أكثرهم فاسقون، ونتيجتهم نار جهنم فيها خالدون.
(بعَوْنِكَ ياغياثَ المُستَغيثينَ)
فالخلاصة:
إبراهيم السنجري
مؤسسسة الإمام الحسين عليه السلام للإعلام الرقمي