419 ــ محمد علي قسّام (1299 ــ 1373 هــ / 1881 ــ 1954 م)‍

موسوعة الامام الحسين

2021-06-30

130 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) تبلغ (21) بيتاً:

مـاذا الـقـعـودُ وجـسـمُ سـيِّدكمْ لقىً      فـي (كربلا) تـخـذَ الـرمالَ وِسادا

تـعـدو عـلـيـه الـعـاديـاتُ ضوابحاً      جـريـاً فـتـوسـعُ جـانــبــيهِ طِرادا

وتُساقُ نسوتكمْ على عجفِ المطى      أسرى تكابدُ في السرى الأصفادا

ومنها:

ولـربَّ زاكيةٍ لأحـمـدَ أبــرِزتْ      حـسـرى فجلببها الحيا أبرادا

تـدعـو أبـاهـا الـنـدبَ نــادبةً له      والـطرفُ منها بالمدامعِ جادا

أتغضُّ طرفاً والحرائرُ أبرزتْ      من (كربلا) نحو الشآمِ تَهادى

وقال من حسينية أخرى

فـمـا لكمْ قد قعدتمْ والحسينُ لقىً      في (كربلا) قد قضى صادي الفؤادِ ظمي

ورأسُه فوقَ رأسِ الرمحِ مرتفعٌ      كـالـبـدرِ أشــرقَ فـي داجٍ مــن الــظــلــمِ

ما بـالَ هـاشمَ قد قرَّتْ ونسوتُها      بـيـنَ الـعـدى لــم تـجـدْ مـن كـافـلٍ وحَمِي

الشاعر

الشيخ محمد علي بن محمد بن خليل بن محمد علي بن حسن بن زاير بن حسن بن خليل بن علي بن حسن الخفاجي المعروف بـ (القسام)، شاعر وأديب وخطيب كبير ومجاهد خالد، ولد في النجف الأشرف من عائلة علمية ــ أدبية عريقة برز منها كثير من أعلام الفقه والأدب.

بعد ولادة القسام بسنتين توفي والده الشيخ محمد القسّام فكفله أخوه الشيخ قاسم وعُني بتربيته وتوجيهه وتعليمه، كما درس القسام العلوم الدينية والعربية على علماء النجف واتجه للخطابة فتتلمذها على الشيخ محمد ثامر حتى أصبح خطيباً كبيراً من أشهر خطباء المنبر الحسيني وكانت له مواقف مشرِّفة وشجاعة ضد الاستعمار البريطاني.

يقول عنه السيد جواد شبر: (فارس المنابر شارك في الثورة العراقية وجلجل صوته الجهوري، وكنا نستمد من براعته وأساليبه ونتعلم منه أساليب الخطابة، ويظهر من أسلوبه الخطابي أنه درس المبادئ وأتقن النحو والصرف والمنطق والبلاغة والفقه والأصول، وأضاف الى ذلك مطالعة الكتب الحديثة فأكسبته مرونة وعذوبة فكان يمتاز بتجسيد القصة وتجسيم الوقعة التي يتحدث عنها كواقعة كربلاء أو غيرها حتى كأنك تشاهدها وهو أقدر الخطباء على التأثير في النفوس). (1)

كان القسام مرجعاً في اللغة والتاريخ والأدب وهو بحق مدرسة خطابية منبرية بحد ذاتها تخرج منها كثير من أعلام الخطابة منهم: ابنا أخيه الخطيبان الكبيران الشيخ جعفر، والشيخ جواد، ابنا حمود بن خليل بن محمد علي، وعميد المنبر الحسيني الشيخ أحمد الوائلي الذي تأثر بالقسام كثيراً وكان القسّام زوج عمّة الوائلي.

يقول السيد محمد علي الحلو: (رافقت حركة العلامة الشيخ محمد علي قسّام الفكرية أطروحته الأدبية الفذة والتي قدّم من خلالها برنامجه التاريخي التقريري الذي قرر مصائب آل البيت (عليهم السلام)، على أنه التاريخ المضيّع من قبل المدارس التاريخية المبرمجة على أساس النظرة المقابلة لمدرسة آل البيت (عليهم السلام). (2)

ولم يقتصر عطاء القسام الفكري والأدبي على الخطابة فقد طرق باب التأليف وأبدع فيه يقول شبر: (كتب كثيراً وألف ولا زلنا نحتفظ بمجاميع من خطه الجيد الذي يفوق ببراعته على الخطاطين وكل مؤلفاته في التاريخ والأخلاق والسيرة وقد طبع له بعد وفاته (الدروس المنبرية) ... والخطيب قسام يستحق أن يُكتب عنه أكثر من هذا لأن هناك جوانب من حياته مليئة بالعبقرية وما ظنك بخطيب جال أكثر المدن وملأها يقظة وكمالاً...)

أقام القسام في الحيرة لفترة خطيباً ومرشداً وموجِّهاً وألف هناك: (الأخلاق المرضية في الدروس المنبرية) ــ مطبوع ــ و(أسنى التحف في شعراء النجف) ــ لم يكمل وقد فُقد ــ (نفائس المجالس) ـ مخطوط ـ

عاد القسام إلى النجف ليخوض ميدان الجهاد ضد المستعمر البريطاني بيده ولسانه وكان مرافقاً للسيد المجاهد محمد سعيد الحبوبي فلعب دوراً كبيراً في تحريض واستنفار العشائر العراقية للجهاد والدفاع عن بلدهم ومقدساتهم.

يقول الحلو عن جانبه الجهادي: (برز في هذه الفترة الجهادية العلامة الحجة الشيخ محمد علي قسام، مقاتلا ميدانياً منفّذاً للخطط العسكرية التي يقررها القادة العلماء أمثال السيد محمد سعيد الحبوبي حيث رافقه أثناء عملياته العسكرية، ومجاهداً على المستوى العقائدي الذي كان يبث مبتنيات آل البيت (عليهم السلام) من خلال خطبه المنبرية الحسينية).

وبعد احتلال النجف غادرها القسام إلى (بدرة) وبقي فيها لفترة حتى عاد إلى النجف وساطة على شرط ألا يعود إلى الخطابة مجدداً، لكن منبره عاد إلى الجماهير بعد إقامة الحكم الوطني.

وفاته ورثاؤه

بعد حياة مليئة بالجهاد والعطاء الفكري وخدمة المنبر الحسيني توفي القسام في المستشفى الملكي ببغداد يقول شبر: (وكان يوم مجيء جثمانه للنجف من الأيام المشهودة فقد أقيمت على روحه عدة فواتح كما تبارى الخطباء والشعراء يوم أربعينه في مسجد الهندي بالنجف) وقد رثاه شبر بقصيدة يقول منها:

سندُ الشريعةِ في جميعِ الأعصرِ      هذي الروائعُ من خطيبِ المنبرِ

ذاكَ الذي يمسي ويصبحُ ناشراً      عـلـمَ الـجـهـادِ كـقـائـدٍ في عسكرِ

أمـعـلـمُ الأجيالِ تـنـثـرُ جـوهـراً      فـكـأنَّ صدرَكَ معدنٌ من جوهرِ

يـا مـنـبـرَ الإسـلامِ دمتَ مُتوَّجاً      بالأنـجـبـيـنَ وكـلِّ لــيـثٍ قـسـورِ

يا مـنـبـرَ الإسـلامِ دمـتَ مُنوَّراً      طـولَ الـزمـانِ بـكـلِّ عـقـلٍ أنورِ

يا منبرَ الإسلامِ دمتَ مـضـمَّـخاً      بـالـرائـعـاتِ مِـن الـفـمِ المُتعطّرِ

ومجالسٌ هيَ كالمدارسِ روعـةً      أمٌّ لـكـلِّ مـهـذّبٍ مُـــتــــنــــــوِّرِ

الـمـنـبـرُ الـعـالـي حـكيمٌ مبصرٌ      يصفُ الدواءَ بحكمةِ الـمـتـبصِّرِ

يـا فارسَ الميدانِ عزَّ عــلـيَّ أن      تهوي وحولكَ سابغاتُ الـضُّـمَّرِ

يـا مَـن إذا أرسـلـتَ لفظكَ لؤلؤاً      جـرتِ الــعـيـونُ بـلـؤلؤٍ مُتحدِّرِ

أو قمتَ في أعلى المنابرِ خاطباً      فـكـأنَّ قـولـكَ ريــشــةً لـمُصوِّرِ

شعره

قال القسام في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام):

يا راكـبـاً هـيـمـاءَ أجـهـدهـا السرى      تطـوي مـنـاسـمُـهـا ربىً ووهادا

عـرِّجْ عـلـى وادي الــبـقـيـعِ مُـعزياً      أســدَ الـعـريـنِ الـسـادةَ الأمجادا

أسُـدٌ فـرائـسُـهـا الأســودُ إذا سـطتْ      ولـربِّ أسْــدٍ تـفـــرسُ الآســـادا

مـاذا الـقـعـودُ وجــسـمُ ســيِّدكمْ لقىً      فـي (كربلا) تـخذَ الـرمالَ وِسادا

تـعـدو عـلـيـه الــعـاديــاتُ ضوابحاً      جـريـاً فـتـوسـعُ جـانــبـيهِ طِرادا

وتُساقُ نسوتكمْ على عجـفِ المطى      أسرى تكابدُ في السرى الأصفادا

قـومـوا فـقــد ظـفـرتْ عــلوجُ أميَّةٍ      بـزعـيـمِـكـمْ وشـفـتْ بـه الأحقادا

رامـتْ ودون مــرامِها بيـضُ الظبا      مـشـحـوذةً لـمْ تـألــفِ الأغــمـادا

رامـتْ تـقـودُ الـلـيـثَ طـوعَ قيادِها      وأبـى أبــو الأشــبــالِ أن يـنـقـادا

فـسـطـا عـلـيـهـم كــالعفرني مُفرداً      وأبـادهــمْ وهـمُ الــرمــــالُ عِدادا

يسطو فيختطفُ النفوسَ بعضبِه الـ      ـمـاضـي الشـبا ويـوزِّعُ الأجسادا

فـتـراهُ يـخـطـبُ والــسـنــانُ لسانُه      فـيـهـمْ وظـهـرُ جــوادِه أعـــــوادا

فجلا عـجـاجـتَـها ولــفَّ خـيـولَـها      وطـوى الـرجـالَ وفـرَّقَ الأجـنادا

وأبـادَ فـيـلـقَـهـا ابـنُ حـيدرَ بالظبا      والـسـمـرِ طـعـنـاً مـخـلساً وجلادا

حـتـى إذا شـاءَ الـقـضا إنجازَه الـ      ـعـهـدَ الـقـديـمَ فـأنـجـزَ الـمـيـعـادا

ومـضـى نقيَّ الثوبِ تكسوهُ العُلى      فـخـراً طـرائـفَ عــزَّةٍ وتـــــلادا

سـهـمٌ أصـابـكَ يا ابنَ بنتِ محمدٍ      قـلـبـاً أصـابَ لـفـاطــــمٍ وفـــــؤادا

وأمـضُّ داءٍ أيَّ داءٍ مــــعـــضلٍ      أوهـى الـقـلـوبَ وزعزعَ الأطوادا

سـبـي الـفـواطـمِ لـلشآمِ حواسراً      أسـرى تـجـوبُ فــدافــــــداً ووِهادا

ولــربَّ زاكيةٍ لأحـمـدَ أبــرِزتْ      حـسـرى فـجـلـبـبـهـا الــحــيا أبرادا

تـدعـو أبـاهـا الـنـدبَ نــادبةً له      والـطـرفُ مـنـهـا بـالـمــدامــعِ جادا

أتغضُّ طرفاً والحرائرُ أبرزتْ      مـن (كربلا) نـحـو الــشـــــآمِ تَهادى

وقال من أخرى في رثائه (عليه السلام) أيضاً:

عُــجْ بـالـمـديـنـةِ وانـدبْ أســدَ غابتِها      مـن طـبَّــقَ الـكـونَ فـي بـأسٍ وفي كرمِ

والضاربينَ بيوتَ العزِّ فـوقَ ذرى الـ      ـعـلـيـاءِ مـثـبـتـــةَ الأطــنـــابِ والـــدعـمِ

هــبّـوا بـنـي مضرَ الحمراءَ وانـبعثوا      كـالأسـدِ تـحـتَ شــبـا الـهـنـديــةِ الـخـذمِ

لا صبرَ حتى تـقـودوا الخيلَ مُـسرجةً      جُــرداً عـلـيـهـا مـن الـفـرسانِ كلُّ كـمي

لا صبرَ حتى تـهـزّوا السمرَ مُشرعةً      مِـن كــلِّ أســمـرَ فـي الـلـبَّــاتِ مُـنــحطمِ

فـمـا لكمْ قد قعدتمْ والــحـسـيـنُ لــقـىً      في (كربلا) قد قضى صادي الفؤادِ ظمي

ورأسُــه فـوقَ رأسِ الــرمــحِ مرتفعٌ      كـالـبـدرِ أشــرقَ فـي داجٍ مـــن الــظــلــمِ

ما بـالَ هـاشــمَ قـد قـــرَّتْ ونسـوتُـها      بـيـنَ الـعـدى لــم تـجـدْ مـن كافـلٍ وحَمِي

تـغـضُّ طـرفـاً وقـدمـاً كـنتُ أعهدها      عـلـى الــمــذلّــةِ لــمْ تـــهــجــعْ ولــمْ تـنمِ

وقال من قصيدة في المصائب التي حلت على أهل البيت (عليهم السلام) بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)

الله مــن رزءٍ يــكــادُ وقــــعُـــــــه      يـهـدّ ركـنَ الـسـبـعةَ الشدادِ

فـهـلْ رأيــتَ قــبــلــهــا ثــعــالـبـاً      تــدوسُ فـي عـريـنةِ الآسادِ

وتــخـرجُ الـضـيـغـمَ مــن عـريـنِهِ      مُـلـبّــبــاً يُــقــادُ بــالــنــجادِ

وفـاطــمُ الــزهــراءُ تــعـدو خلفَهمْ      صارخةً لا تـؤتـموا أولادي

ورنّــةُ الــسـيـاطِ فــــوقَ مــتـنِــهـا      لـهـا صـدىً باقٍ إلى المعادِ

ولـمْ يـغـثـهـا أحـدٌ مــنــهــمْ وهُـــمْ      قـد سـمـعـوهـا بـينهم تنادي

تـدعــو أبــاهـا تـشـتـكـيـهـمْ عـنـدَه      ودمــعُـهـا يـصـوبُ كالعهادِ

تـدعـو ونــارُ الــوجـدِ فـي فـؤادها      كـأنّــهـا تـقـدحُ فـــــي زنـادِ

عـزّ عــلـى الـمـخـتـارِ مـا قد لقِيتْ      بضعتهُ من صحـبهِ الأوغادِ

عـزَّ عـلـيـهِ أن يــــراهــا بــعــــدهُ      نــاحــلـــةً حـلـيـفةَ الــسـهادِ

ودعْ عــنــكَ حـديــثَ الـبـابِ جانباً      فـرزؤهُ يــفـــتُّ بــالأكـبــادِ

أيَّ رزايــــاها أعــــــــدُّهـــا وقـــد      جَـلّـتْ رزايـاها عن التعدادِ

أنــارَهــمْ أنـسـى وهــا شــعــلــتـها      لا تـنـطفي تـشبُّ في الفؤادِ

أم ضـلـعَـها المكسورَ وهيَ لمْ تزلْ      مـمـنـوعـةً مــنه عن الرقادِ

أمْ حـمـرةَ الـعـيـن وتـلــكَ نــكــبــةٌ      والله لا تُـنـسـى مـدى الآبادِ

أمْ كـيـفَ أنـسـى عضدَ الزهرا وذا      دمـلـجُـه قـد فـتَّ بالأعضادِ

وسَلْ عن المسمارِ صدرَها وفي الـ      ـدماءِ ما يُغني عن الأشهادِ

ودفـــنَـــهـــا لــيــلاً وسـتـرَ قــبرِها      دَلّا على فـضيحةِ الأعادي

محمد طاهر الصفار

...............................................

1 ــ أدب الطف ج 10 ص 63

2 ــ أدب المحنة ص 496 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً