294 ــ عبد الحسين صادق: (1283 ــ 1361 هـ / 1866 ــ 1942 م)

موسوعة الامام الحسين

2021-01-19

271 زيارة

قال من قصيدة في رثاء أبي الفضل العباس (عليه السلام) تبلغ (26) بيتاً:

سِيمَ الهوانُ بـ (كربلاءَ) فطارَ للـ      ـعزِّ الـرفـيـعِ بـه جناحُ إبائهِ

أنَّـى يـلـيـنُ إلـى الـدنـيَّـةِ مَـلـمَساً      أو تنحتُ الأقدارُ من ملسائِهِ

هـوَ ذلـكَ البسَّامُ في الهيجاءِ والـ      ـعـبـاسُ نـازلـةً عـلى أعدائهِ

وقال في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) من قصيدة تبلغ (38) بيتاً:

حـتـى إذا بـلـغـتْ محاني (كربلا)      عكفتْ معرَّسةً على عرصاتِها

ضربتْ مخيَّمَها المنيعَ وطائفُ الـ      أعـداءِ غـصَّ به رحيبُ فلاتِها

وضحتْ ولـكـن لـلأسـنَّـةِ والـظـبا      تحمي عـريـنـتَـها بشوكِ قناتِها

وقال من حسينية أخرى تبلغ (44) بيتاً:

سَـلْ (كربلا) كـمْ مـهـجـةٍ لـمُـحمدٍ      نهبتْ بها وكمِ استُجذّتْ من يدِ

ولـكـمْ دمٍ زاكٍ أرِيـقَ بــهــا وكــمْ      جـثـمـانِ قـدسٍ بـالسيوفِ مُبدّدِ

وبها على صبرِ الحسينِ ترقرقتْ      عـبـراتُـه حـزنـاً لأكـرمِ سـيــدِ

وقال من أخرى تبلغ (20) بيتاً:

أهذي السما أم (كربلا) وبروجُها الـ      ـقبابُ وبـرجُ الليثِ ظهرٌ المُطهَّمِ

أشـهـبٌ بـهـا تـنـقـضُّ أمْ آلُ أحـمـــدٍ      تهادتْ تِباعاً عن مطا كلِّ شيضمِ

أأقـمـارٌ تـمِّ غـالها الخسفُ أم هيَ الـ      ـمصابيحُ ساداتُ الحطيمِ وزمزمِ

وقال من مقصورة حسينية تبلغ (33) بيتاً:

أنـجمٌ مطلعُها من يثربٍ      ولـهـا كـانـتْ مـغيباً (كربلا)

خيَّموا فيها ولمّا قوِّضوا      قوِّضَ المعروفُ والدينُ معا

كمْ بـهـا من حرَّةٍ زاكيةٍ      مـحـتـداً ما عرفتْ غيرَ الخبا

ومن أخرى تبلغ (69) بيتاً:

بنـفسي وسيمُ الوجهِ عبَّقَ طيبُه      ثرى (كربلا) لا شيحُها وعرارُها

ومستأصلٌ بالروعِ كلَّ شمردلٍ      بـأسـيـافِ عـزمٍ ليسَ تنبو شفارُها

لـقـىً فـي مـحـانيها خيولُ أميةٍ      على صدرِهِ صـدرُ الـنبيِّ مغارُها

وقال من قصيدة تبلغ (78) بيتاً:

سَلْ (كربلا) والوغى والبيضَ والأسلا      مستحفياً عن أبيِّ الضيمِ ما فعلا

أحـلـقـتْ نـفـسُـه الـكـبـرى بـقـادمــتــي      إبائه أمْ عـلـى حـكمِ العدى نزلا

غـفـرانـكَ اللهُ هـلَ يـرضـى الـدنيَّةَ مَن      لقـابِ قوسينِ أو أدنى رقىً نَزلا

ومنها:

للهِ وقـفـتُـه فـي (كــربــلا) وســـطا      بينَ الوغى والخبا يحمي بها الثقلا

يعطي النسا والعدى من وفرِ نجدِتِه      حـظـيهما الأوفرينِ الأمنَ والوجلا

عـبَّ الأمـريـنِ فـقـدانَ الأعـزَّةِ والـ      صَبرَ الجميلَ ومجَّ الوهنَ والفشلا

وقال من قصيدة يصف فيها القبة الشريفة لمرقد الإمام الحسين (عليه السلام):

قـامـت لـمن في (كربلا      ء) أسـالَ دمَ الإيـمانِ قائمْ

وعلى الجوى أحـشاؤها      حـبـستْ لقتلى نسلِ فاطمْ

قُتلوا عـلـى ساقِ المآتمِ       كي يردعوا جوراً لـظالمْ

الشاعر:

عبد الحسين بن إبراهيم بن صادق بن إبراهيم بن يحيى بن محمد بن سليمان بن نجم المخزومي العاملي الطيبي، عالم وأديب وشاعر، ولد في النجف الأشرف من أسرة علمية أدبية عريقة عرفت بـ (آل صادق) يعود أصلها إلى جبل عامل وقد ترجمنا لبعض رجالات هذه الأسرة ومنهم والد الشاعر عبد الحسين: إبراهيم بن صادق، ووالد جده إبراهيم بن يحيى، وقد أنجبت هذه الأسرة كثير من العلماء والأدباء منهم: نصر الله بن يحيى، وإبراهيم بن نصر الله، وحسن بن عبد الحسين صادق وغيرهم.

وقد كتب السيد حسن الأمين مقالاً تحدث فيه عن رجال هذه الأسرة قال فيه: (وآل صادق من أشرف بيوت العلم في جبل عامل وأعرقها في الفضل والأدب نبغ فيهم أعلام في الفقه والشعر لم تزل آثارهم غرة ناصعة في جبين الدهر ولا سيما شعراؤهم الأفذاذ الذين طار صيتهم في الآفاق، وكانوا يعرفون قبل الشيخ صادق بآل يحيى نسبة إلى جدهم الذي كان من صدور علماء عصره وأدبائه) (1)

وقال السيد جواد شبر عن هذه الأسرة: (أسرة شعارها الولاء وأنجبت الشعراء والعلماء).(2)

لم يعش صادق كثيراً في كنف أبيه فقد مات والده وهو صغير وكانت والدته قد ماتت وهو في طور الرضاعة، فنشأ يتيم الأبوين فعهدت برعايته أخته الكبرى وزوجها فسافرا به إلى موطن الأسرة لبنان وهناك درس مقدمات العلوم الدينية، ولما شبَّ سافر إلى النجف الأشرف لإكمال دراسته فدرس على يدي العالمين الجليلين الشيخ ميرزا حسين خليل، والشيخ كاظم الخراساني الذين أجازاه بالاجتهاد ثم عاد صادق إلى موطنه، ومن إنجازاته تأسيسه مدرسة علمية وتشييده عدداً من الجوامع وبقي يواصل نشاطه الديني حتى وفاته فدفن في النبطية.

عدّه عنه الشيخ محمد السماوي في الطبقة الأولى من الشعراء وقال عنه: (رأيته يتفجّر فضلاً ويتوقّد ذكاءً إلى أخلاق كريمة). (3)

آثاره

قال السيد شبر عن شعره: (أدبه عريق أخذه عن أب عن جد وهذه دواوينه المطبوعة بلبنان وهي (سقط المتاع) (عرف الولاء) (عقر الظباء) وكلها من الشعر العالي وولاؤه لأهل البيت (ع) يذكر فيشكر ...)

وللشاعر أيضاً إضافة إلى هذه الدواوين مؤلفات في الفقه والأصول والعقائد منها: (سيماء الصالحين) و(منظومات في المواريث)، و(الرد على المخالفين)، و(النظرات والمناظرات) كما لديه بعض الموشحات والبنود

وقد ترجم للشاعر كل من:

علي الخاقاني في شعراء الغري ج 5

السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة ج ٧ ص ٤٣٥

عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين

كوركيس عواد في معجم المؤلفين العراقيين في القرنين التاسع عشر والعشرين

شاعريته وشعره

كان الشيخ عبد الحسين شاعراً مطبوعاً، فقد توارث الشعر وجرى على لسانه منذ صغره يقول السيد شبر (ويظهر أن نظم الشعر لدى المترجم له أسهل عليه من النثر فإنه لما أسّس الحسينية بالنبطية سنة ١٣٢٩ ه‍. وأراد إجراء صيغة الوقف قال:

أنا عبدُ الحسينِ والصادقُ الودّ      لآلِ الـنـبـيِّ ثــــبـــتُ الــــولاءِ

أمـروا بـالـعـزا لـهـم فبذلتُ الـ      ـجهدَ حتى أقمتُ بيتَ الــعــزاءِ

فـهـوَ وقـفٌ مـؤبّـدٌ أنـا والــــيـ      ـهِ وبعدي ذو الفضلِ من أبنائي

ولـدى الانـقـراضِ منّا يُناط الـ      أمـرُ فــيـــهِ لأورعِ الــعــلـمــاءِ

أما شعره في أهل البيت (عليهم السلام) فكثير جداً وله مطولات كثيرة في الإمام الحسين (عليه السلام) وقد انتقينا بعض النماذج من قصائده:

قال من قصيدة في مدح النبي (صلى الله عليه وآله):

لـو لـم يكن جوهراً فرداً بلا عرضٍ      مـا كـان يُـدعـى يتيماً وهوَ مكفولُ

وراحَ مـن هـاشـمِ الـبـطـحـاءِ يـكنفُه      خـيـرُ الـعمومةِ ثبتُ الجأشِ بهلولُ

زاكـي الأرومـةِ مـيـمـونُ الـنقيبةِ لمْ      يـرعـه عـن حـفـظـهِ هـولٌ وتنكيلُ

عـلـيـهِ أحـكـمَ سُـوراً مـن حـفـيـظتِهِ      سـامـي الذرى بابُه بالبيضِ مقفولُ

عـن قـرعِـه هـمـمُ الأبـطالِ ناكصةٌ      والـحـزمُ والـعـزمُ مـثـلـومٌ ومـفلولُ

ودونَ أنْ يـلـجَ الأعــداءُ حـــوزتَــه      لـلـبـيضِ وصلٌ وللأعضاءِ تفصيلُ

وكـيـفَ يـولـجُ غـيـلٌ والـهـزبـرُ بهِ      جـاثٍ ومـن حـولِـه أسـدٌ رآبـيــــــلُ

أبـى أبـو طـالـبٍ والـشـبـلُ حـيـدرةٌ      إلّا مِـن الـمـصـطـفى أن يعلوَ الـقيلُ

فذاكَ حامى وآوى مـا اسـتـطاعَ وذا      سـيـفٌ لـنـصـرةِ ديـنِ اللهِ مـسـلـولُ

كـمْ مـوقـفٍ حـفظَ الدينَ الحنيفِ بهِ      مِـن بـعـدِ ما كان أن تـغـتـالُـه غـولُ

لـوْ لـمْ يـكـن آيـةً كـبـرى ومـعـجزةً      عـظـمـى لـمـا خـصَّه بالمدحِ تنزيلُ

ودادُه بـعُـرى الإيــمـانِ مُـنـعـقـــــدٌ      وعـقـدُ نـعـمـائِـه فـي الكونِ محلولُ

مـن ذا يـبـاريـهِ أو يـحـكـيــهِ مرتبةً      وهـوَ الـكـفـيلُ وخيـرُ الخلقِ مكفولُ

هـوَ الـمـصـدّرُ فـي الإسـلامِ سـابقةً      وعـامـلُ الـرفـعِ والإيـمـانِ مـعمولُ

خيرُ ابنِ عمٍّ وصهرٌ مرتضى وأخٍ      ومَـن يـؤاخـي رسـولَ اللهِ مـفـضولُ

الصحبُ عقدُ جـمـانٍ يزدهي درراً      والمرتضى وسطاً في العقدِ مجعولُ

صـلـى الإلـهُ عـلـيهِ مـا استهلَّ حياً      ومـا بـدا لـمـحـيَّـا الـصـبـحِ تـهـلـيـلُ

وقال في أمير المؤمنين (عليه السلام):

أنـتَ الـسـنـاءُ الـذي في العرشِ قد بزغا      وآدمٌ عـالــمَ الإيــجـــادِ مــا بـلغـا

بـكَ اجـتـبـاهُ وأولاهُ الــرضــا وهـــــدى      من بعد ما نزغَ الشيطانُ ما نزغا

تـاهـتْ بـنـعـتِـكَ ألـبـابُ الأنــامِ فـــلــــمْ      تبلغْ على جهدِها في وصفِكَ البُلغا

ثـنـيـتَ عـطـفـاً عـن الـدنـيـا لآخـــــــرةٍ      لا كـالـذي تـركَ الـدنـيــا لها فبغى

جـمـعـتَ بـرديـكَ عـن تـدنيسِ زهـرتِها      وكـمْ فـتـىً بـأوانـي رجــسِـها ولغا

حـاربـتـهـا وهـيَ سـلـمٌ لـو تــسـالـمُــهـا      لـكـن أبـى لـكَ قـلـبٌ لـلـهدى فرغا

خُـلـقـتَ عـيـلـمَ عـلـمٍ جـــاشَ غــاربُـــه      بـمـحـكـمِ الـذكرِ حتى للأثـيرِ طغى

درَّتْ عـبـابُــــكَ فـي زهـدٍ وفــي ورعٍ      ولـجُّكَ الغمرُ في صفوِ الرشادِ رغا

ذبـابُ سـيـفِـكَ أجـيـادُ الـطـغـاةِ فـــــرى      وصِلُّ ريـحِـكَ أحـشاءَ العـدى لدغا

رعـيـتَ يـا راعـيَ الإسـلامِ حـوزتَـــــه      بـحدّ عـضـبٍ لـهامِ الشركِ قد دمغا

زهـا بـكَ الـديـنُ أكـنـافـاً وأنــديـــــــــةً      والكونُ لولا بزوغِ الشمسِ ما بزغا

سـمَـا الـهـدى بـكَ والإسـلامُ عزَّ وركـ      ـنُ الـحـقِّ قـامَ ويـنـبـوعُ الـتـقى نبغا

شـرعـتَ نـهـجَ رشـادٍ لـــيـسَ يـنـهـجُه      مـن طـرفِـه بـقـذاءِ الكفرِ قد طـمـغـا

صـبـغـتَ بـالـمـوتِ جـثمانَ الكماةِ كما      مـنـهـا شـبـاكٌ بمحمرِ الطلا صـبـغـا

ضـربـتـهـا لـلـهـدى بـدءاً وخـــاتــمــةً      بـمـرهـفٍ مـا نـبـا فـي كـلـمِـهـا ولغا

طـحـنـتـهـم بـرحـى حـربٍ يـدورُ بـها      حـتـفٌ بـسيفِكَ أرواحُ العدى مضـغـا

ضـجَّـتْ لـبـأسِـكَ بـالـتـوحـيدِ مضمرةً      بـصـدرِهـا الـكفرُ والإلحادِ والـوتـغـا

عـوداً عـلـى بـدئـهـا بـعـد النبيِّ عدتْ      عـلـيـكَ تـطلبُ مـنـكَ الـوِترَ والـبـلـغا

غـزوتـهـا مـنـكَ فـي دهـمـاءَ غـاشـيـةٍ      بـلـيـلِـهـا غيرَ صبحِ البضِّ ما بـزغـا

فلّـقـتَ هـامـاتِـهـا في نصلِ ذي شطبٍ      لو فيهِ عارضـتَ رضوى رهـبةً فلغا

قـدمـاً على الذكرِ أجَّجتَ الوغى وعلى      تـأويـلِه حـادثـاً أصـلـيـتَ نـارَ وغـى

كـانـوا وكـنـتَ ونـارُ الـحـربِ مـسعرةٌ      بـبيضِها الأفـعـوانِ الـصـلِّ والوزغا

لا زالَ سـيـفُـكَ دبَّـاغـاً إهـابَ بـنـي الـ      ـهيـجـا ولـكـن بـغيرِ الحتفِ مـا دبـغا

من أينَ يحكيكَ في الجدوى قطارُ حيا      والـقـطرُ لولا ندى كـفّـيـكَ مـا سـبـغـا

نـاهـيـكَ مـن حـجَّـةٍ عـظـمى ومعجزةٍ      كـبـرى وآيٍّ لـهـا سـمعُ الزمانِ صغا

هيهاتَ تفصحُ عن أوصافِـكَ الـفـصحا      أو تـبـلـغُ الحصرَ في تـعـدادها البُلغا

وكـيـفَ لا ومـعـانـيـكَ الـغـوامضُ في      تـبـيـانِـهـا جـلـبـتْ لـلــمـصــقعِ اللثغا

لا يـبـلـغُ الـمـدحَ مـنَّـا فـيـكَ غـايَـكَ إذ      ما كان في مدحِكَ الذكـرُ المـبينُ نغى

يـضـيـقُ رحـبُ لسانِ الشعرِ عنكَ ثنا      وإن يـكـنْ ربُّـه فـي الـنـظـمِ قـد نـبـغا

وقال في سيدة نساء العالمين الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام):

فـقـلـتُ يـمـيـنـاً فـاتـنـي الـصـبـرُ كـــــلّه      لرزءٍ أصيبتْ فـيـه فـاطـمـةُ الـزهـرا

غـداةَ تـبـدّتْ مـسـتـبـاحــاً خــبــاؤهـــــا      ومـهـتـوكـةً حـجــبُ الـخفارةِ والسترا

عـلـى حـيـنِ لا عـيــنُ الـنـبـيِّ أمـــامَـها      لـتـبـصـرَ مـا عــانـتـه بـضـعتُه قسرا

على حينِ لا سيفُ الرسولِ بمنتضى الـ      ـغِـرارِ ولـمْ تـنــظـرْ لــرايـاتِـه نـشـرا

عـلـى حـيـنِ لا مـسـتـأصِلٌ من يضيمُها      ولا كـاشفٌ عنها الـحوادثَ والـضـرا

عـمـوا عن هُداها ثم صـمُّـوا كـثـيـرهـم      كأنَّ يـسـمـعُ الـقـومَ عـن قــولِـها وقرا

لقد أرعـشـتْ بـالـوعـظِ صِـلَّ ضغونِهم      فـثاروا لها والصِّلُّ إن يرتــعشْ يَضرا

فـلـو أنَّـهـا وصّـى الـنـبـيُّ بـظـلـمِــهـــم      لها ما استطاعوا فوقَ ما ارتكبوا أمرا

وأنّـى وهُـمْ طـوراً عـلـيـهـا تــراثــهـــا      أبـوا وأبـوا مـنـهـا الـبـكـا تـارةً أخرى

وهـمْ وشّـحـوهـا تــارةً بــســيــاطِـهـــم      وآونـةً قـد أوسَـعـوا ضـلـعَـهـا كـــسرا

وخـلِّ حـديـثَ الـبـابِ نــاحــيـــةً فــمــا      تـمـثّـلـتـه إلّا جــرتْ مـقـلـتـي نــهـــرا

بـنـفـسـي الـتـي لـيـلاً تـوارتْ بـلـحـدِها      وكـانَ بـعـيـنِ اللهِ أن دُفــنــتْ ســــــرَّا

بـنـفـسـي الـتـي أوصـتْ بـإخـفاءِ قبرِها      ولـولاهـمُ كــانــتْ بـإظــهــارِهِ أحـرى

بـنـفـسـي مَـن مـاتـتْ ومـلءَ بـرودِهــا      مِـن الـوجـدِ مـا لـم تـحـوِهِ سـعةُ الغبرا

رمـوهـا بـسـهـمٍ عـن قـسـيِّ حـقـودِهـمْ      فـأصـبـحَ فـيـمـا بـيـنـهـمْ دمُــهــا هدرا

عـلـيـهـا سـلامُ اللهِ لا زالَ واصـــــــلاً      لـهـا وصـلاةُ اللهِ مـا بـرحــــــتْ تُترى

وقال في الإمام الحسين (عليه السلام):

صنوُ طهَ بضعةُ الزهرا أخو الـ      مجتَبى شبلُ أميرِ الـمـؤمـنـينْ

سـيّـدُ الـشـبَّـانِ فـي الـخـلدِ ورَيـ      ـحانةُ الطهرِ ختامِ المرسـلـيـنْ

والدُ الـتـسـعـةِ أعـلامُ الــهـــدى      خامسُ الخمسةِ خيرُ الـعـالمينْ

مَـن زكـا جــدّاً وأمّـــاً وأبـــــــاً      وأخـاً بـرّاً ونـفـسـاً وبـنـيـــــنْ

مـعـشـرٌ أذهــبَ عـنـهـمْ ربُّـهـمْ      كلَّ رجسٍ واصطفاهمْ أجمعينْ

بـيـتُـهـم عـيـبـةَ أحـكــامِ الورى      وفـنـاهـمْ مـهبطُ الروحِ الأمينْ

بـغـضـهـمْ كـفـرٌ وفرضٌ ودُّهمْ      وبـهـذا نـطقَ الـذكـرُ الـمـبـيـنْ

وقال في رثائه (عليه السلام):

سل كربلا والوغى والـبـيضَ والأسـلا      مستحفياً عن أبيِّ الـضـيمِ ما فـعـلا

أحـلّـقـتْ نـفـسُـه الــكــبـرى بـقـاـدمتيْ      إبـائـهِ أمْ عـلـى حــكــمِ العِدا نــزلا

غـفـرانَـكَ الله هـلْ يــرضى الـدنيَّة مَن      لـقـابِ قـوسينِ أو أدنـا رقى نُــزلا

يأبى له الشــرفُ الــمـعـــقـودُ غـاربَـه      بذروةِ العـرشِ عـن كرسيِّه حِــولا

سـامــوهُ إمَّـــا هـــوانـاً أو ورودَ ردىً      فساغَ في فمِه صـابُ الرَّدى وحَـلا

خـطـا لـمـزدحمِ الهيجاءِ خـطــوتَــه ال‍      ـ‍فـسـحـاءَ لا وانـياً عزماً ولا كـسلا

يـخـتـالُ من جـدِّه طـــهَ بـبــردِ بــهـــاً      ومـن أبـيــهِ عـلـيٍّ فـي نــجـادِ عُلا

فـالـكـاتـبــانِ لـه فـــي لوحِ حــومـتِـها      ذا نـاظـمٌ مـهـجـاً ذا نــاثـــرٌ قُـلــلا

يمحو بهـذيـنِ من ألــواحِـهـا صـــوراً      أجـلْ ويُـثـبتُ في قـرطاسِها الأجلا

يـحـيـكُ فـيــهــا عـلــى نـولَـيْ بسالـتِهِ      مـن الـحِـمامِ إلـــى أعـدائِـهِ حُـــلـلا

ما عَضبُه غـيـرُ فــصّـالٍ يـداً وطـــلا      ولـدنُـه غـيرُ خــيـاطٍ حـشــاً وكُــلا

هـمـا مـعـاً نـشـرا مـن أرجـوانِـهـــمـا      متا جلّـلَ الأرحبينَ السهلَ والجـبلا

تقلُّ يمناهُ مـشـحـوذَ الــغــرارِ مـضــاً      مـواجـهٌ عـلـقـاً وهّــاجـــةً شُـــعــلا

ما بينَ مضطربٍ مـنـه ومــضــطـرمٍ      نـارٌ تـلظّـى ومـاءٌ لـلـمـنـونِ غــلى

طوراً يـقـدُّ وأحــيــانــاً يــقــطّ وفـــي      حـالـيـهمـا يـقـسـمُ الأجسامَ مُعـتـدلا

فـهـوَ الـمـقـيمُ صلاةَ الحربِ جامــعـةً      لـم يُـبـقِ مُفـتـرِضَـاً مـنهـا ومُـنتفلا

تـأتـمّ فــيــه صـفـوفٌ مـن عـزائــمِـه      تستغرقُ الكونَ ما استعلا وما سفلا

بـالـنـحــرِ كـبَّـرَ مـاضـيـهُ وعــامــلُـه      بـالـصـدرِ فـاتحةَ الطعنِ الدراكِ تَلا

فالسيفُ يركعُ والهاماتُ تـســجـدُ والـ      ـخـطيُّ فـي كـلِّ قلبٍ أخلصَ العَملا

أقامَ سـوقَ وغـىً راجـتْ بــضـائـعُها      فـابـتـاعَ للهِ مـنـهـا مـا عــلا وغـــلا

تعطيهُ صفقتها بيضُ الـصــفاحِ وسمـ      ـرُ الـخـطّ تـربـحُ منـهُ العلَّ والنهلا

والـنـبـلُ تـنـقـدُه مـا فــــي كــنـانـتِـهـا      والـقوسُ تـسـلـفُه عـن نـفـسِـه بـدلا

والـبـيِّـــعـــانِ جـلادٌ صــــادقٌ وردى      فـذاكَ أنـشــأ إيـجــابـــاً وذا قــبـــلا

قـضـى مـنـيــعَ الـقفا من طعنِ لائـمةٍ      مُـذ لـلـقـنا والـمـواضـي وجـهُه بذلا

قضى تريبَ المُحيَّا وهوَ شمسُ هـدىً      من نورِهِ كـمْ تجلّى الكونُ بابنِ جَلا

قضى ذبولَ الحشا يـبـسَ الـلـهى ظمأً      مِن بعدِ ما أنهلَّ الـعـسَّـالــةَ الــذبـلا

قضى ولو شاءَ أن تمحى العدا مُحيتْ      أو يـخـلـيَ اللهُ مـنـهـا كـونَـــه لـخَلا

لـكـنْ وللهِ فــي أحــكـامِـــه حـــكـــــمٌ      كـتـابِـه الـقـدرُ الـجـاري فــخـرَّ إلى

للهِ مـا انـفـصـلـتْ أوصــالُــه قِـطـعـاً      للهِ مـا انـتُـهِـبـتْ أحـشــاؤه غـلــــــلا

للهِ مـا حـمـلـتْ حـوبـــاؤه مــحــنــــاً      بـثـقـلِـهـا تُـنـهضُ النسرينَ والــحَمَلا

أفـديـهِ مـن مـصـحـرٍ للحـربِ منشئةٌ      عـلـيـهِ عـوجُ المواضي والقنا طـللا

والـصـافـناتُ المذاكي فـوقه ضربـتْ      سـرادقـاً ضـافـيَ الـسجفـينِ مُنسـدلا

بـيـتـاً مـن الـنـقـعِ عـلـويّـاً بـه شـرفٌ      وكـلُّ بـيـتٍ حـواهُ فـهـوَ بـيــتُ عُـلا

ضـافـتـه بـيضُ الظبا والسمرُ ساغبة      عـطـشـى فـألـفتـه بـذّالَ القِرى جَذلا

للهِ مـا شـربَ الـخـطـيُّ مــن دمِــــــهِ      للهِ مـا لـحـمَـه الـهـنـديُّ مـــا أكــــلا

أحـيـا ابـنُ فـاطـمـةٍ فـي قـتـلِــه أُمـماً      لـولا شـهـادتـه كـانـتْ رمــيـــمَ بــلا

تـنـبّـهـتْ مـن سـبـاتِ الـجـهـلِ عالمةً      ضـلالَ كـلِّ امـرئٍ عـن نهـجِه عَدلا

لـوْ لـمْ تـكـنْ لـمْ تَـقُـمْ لـلــديـنِ قـائـمةٌ      ولا اهـتـدى لـلـهدى من أخطأ السُّبُلا

ولا اسـتـبـانَ ضلالُ النـاكثينَ عن الـ      ـمـثـلـى ولا ضـربـوا فـي غيِّهمْ مَثلا

ولا تـجـسَّـمَ نـصـبُ الـعـيـنِ جـعـلهمُ      خـلافـةَ الـمـصـطـفــى ما بينهمْ دُولا

ولا درى خـلـفٌ مـاذا جــنـى سـلـفٌ      فـي رفـضِــهِ أولاً سـاداتــــــه الأوَلا

ولا تـحـرَّرَ مـن رقِّ الـجـهـالـــةِ وثّـ      ـاباَ إلـى الــعـلـمِ يـأبـى خـطـةَ الجُهلا

سـنَّ الأبـا لأبــاةِ الـضـيـمِ مُـنـتــحَراً      وتـلـكَ شـنــشـنـةٌ لـلـسـادةِ الـفُـضـــلا

للهِ وقـفـتـه فـي كــربـــلا وســطــــا      بـيـنَ الـوغـى والـخـبا يحمي به الثقلا

يـعــطي النسا والعدا من وفرِ نجدتِهِ      حـظـيـهـمـا الأوفريـنَ الأمنَ والوجلا

عـبَّ الأمـرّينَ فـقـدانَ الأعــزّةِ والـ      ـصـبـرَ الـجـميلَ ومَـجَّ الوهنَ والفشلا

ومنها في شهادة الطفل الرضيع (عليه السلام):

وربَّ ظـامٍ رضـيــعٍ ذابــــلٍ شـــفــــــةً      وفـاغـرٍ لـهـواتٍ غـائـــرٍ مُـــقــلا

أدنـاهُ مـن صـدرِهِ رفـقــاً ومــرحـــمــةً      لـحـالِـهِ وهـيَ حـالٌ تدهشُ العُـقلا

فاستغرقَ النزعَ رامي الطفلِ فانبـجستْ      أوداجُه مُذْ له السهمُ المراشُ غـلا

فـاضـتْ دمـاً فـتـلـقــــــاهُ بـــراحـــتِـــهِ      ولـلـسـمـاءِ رمـى فـيـهِ فـمـا نـزلا

وهـوّنَ الـخـطـبَ أنَّ اللهَ يــــنــــظـــرُه      وفـي سـبـيـلِ رضـاهُ خفَّ ما ثقُلا

ومنها في السبايا:

ونـسـوةٌ بـعـدَه جـلّـتْ مـصـيـبـتُـهــــا      وإن يكنْ كلُّ خـطـبٍ بـعـدَه جـللا

عـلـى الـنـبـيِّ عـزيـزٌ سـبـيـهـا عـلـناً      وسلبُها الزيـنـتـيـنِ الحليَّ والحُللا

تـدافـعُ الـقـومَ عـنـهـا وهـيَ حـاسـرةٌ      مـصـفـرّةٌ وجلاً مـحـمـرَّةٌ خـجـلا

مـا حـالُ دافـعـةٍ مـبـتـزَّهـا بـــيــــــدٍ      تودُّ مـفـصـلـهـا مـن قبلِ ذا فُصِلا

رأتْ فـصـيـلـتـهـا صرعى وصبيتَها      من الظما بين من أشفى ومن قُتلا

رأتْ نجومَ سما عمرو العلى غربتْ      عـنـهـا وبدرُ سماءِ المصطفى أفلا

وقال في الاستغاثة بصاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف):

يا حجَّةَ اللهِ وابنَ السادةِ الـحـجـجِ      عطفاً على أممٍ مذعورةِ المـهجِ

شـبَّ الـوبـاءُ فـلا غـوثٌ لـمنتدبٍ      بـهِ سـواكَ ولا أمـنٌ لـمـنـزعجِ

إلـيـكَ مُـدّتْ يـدُ الآمـالِ طـارقــةً      للهِ بـابَ نـجـاةٍ غـيـرِ مــرتــتـجِ

أنتَ الذريعةُ يا ابنَ العسكريِّ لنا      فـمـن أتـى اللهَ إلا مـنـكَ لـمْ يلجِ

يا رحـمـةَ اللهِ غـوثـاً إن أنـفـسَـنا      حـرّانـةٌ لـزلالِ الأمــنِ والـفرجِ

وقال في أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام):

عقدت لـواهـا بـعد أن عقدتْ على      نـصـرِ ابـنِ بـنـتِ نـبـيِّـها نيَّاتِها

واسـتـبـدلـتْ عن دارِها داراً وطلَـ      ـقَـتِ الـحـيـاةَ فـثـلّـثـتْ طـلقاتِها

وقفتْ وليسَ طـلابَـهـا غـيـرَ الـقنا      وسنانَها وسوى الظبى وشـباتِها

وخطتْ إلى الـهيجاءِ خطوةَ عاجلٍ      لـوصـالِـهـا وعـنـاقُ خـطّـياتِها

فمحتْ بوطأتِها الـهـضابَ وأثبتتْ      بـمـكـانِـها الأطوادَ من عزماتِها

فهيَ الأجادلُ في الـوغـى منقضَّةٌ      والأسْـدُ فـي وثـبـاتِـهـا وثـبـاتِـها

وهـبـتْ لـسـيـدِهـا نـفـيـسَ نفوسِها      وتـنـافـسـتْ مـا بـيـنَـهـا بـهباتِها

كـلٌّ يـشـحُّ عـلـى الـحـيـاةِ بـنـفـسِه      وعلى الحسامِ يجودُ في علقاتِها

ويـودُّ سـبـقَ أخـيــهِ عـلـمـاً أنّــــه      لا يُـحـمـدُ الإيـثـارُ في طاعاتِها

مـا الـقـومُ كـلّـهـمُ سوى نفسٍ حلا      مـرُّ الـحِـمـامِ ومـرُّه بـلــهـاتِــهـا

ويـسـيـئـهـمْ أن الــمـنـيَّــــةَ مُـــرَّةً      ويـسـرُّهـمْ لـو أردفـوا مـرَّاتِـهـا

أشـهى لهمْ مِنْ وصلِ لعساءِ اللمى      نخرُ الطلا والـطـعـنُ في لبَّاتِها

ناهيكَ منهم واردي حوضَ الرَّدى      وقـلـوبُـهـم تُـطوى على غلّاتِها

ومـرارةُ الـمـوتِ الـزؤامِ يـعـلّــهـا      صادي الحشا منهمْ على عِلّاتِها

والـروحُ طـائـرةٌ بـأجـنـحةِ الظبى      والـنـفـسُ سـائـلـةٌ عـلى أسلاتِها

هـاجـوا وبـيـضُ الهندِ ملكُ يمينهمْ      يـتـصـرَّفـونَ بـحـدِّهـا وظـباتِها

ومُـذ اسـتـقـلّوا أورثوا مهجَ العدى      شـفـراتِـهـا وأكـفَّـهـمْ قـبـضـاتِها

صُرعوا وبـيـنَ بـنتانِهم قصدُ القنا      وقـوائـمُ الأسـيـافِ فـي راحاتِها

والسابغاتُ السردُ مـن نـسـجِ الـقنا      قـد ضـاعفتْ بجسومِهم حلقاتِها

فـلـتـنـدبِ الـهـيـجـاءُ بـعـدَهمُ على      أكـفـانِـهـا أبـطـالِـهـا وكـمـاتِـهـا

ولتبكِ بيضُ البارقـاتِ مـعـنـدمـي      صـفـحـاتِــهـا ومورِّديْ وجناتِها

ولـتـعوِلِ السمرُ اللـدانِ مـرنّـحـي      قـامـاتِـهـا ومــخـضِّـبـي لـمَّـاتِها

ما بـيـضـةُ الإســلامِ إلّا ثــاكــــلٌ      من بعدهمْ فُجِـعتْ بخيرِ حماتِها

والـشـرعـةُ الـغـــرَّاءُ فارغةٌ وطا      بَ الـسـنّتينِ صَـلاتِها وصِلاتِها

آهٍ عـلـى تـلـكَ الوجــوهِ تـعـفَّـرتْ      وهـيَ الـتـي تستـنُّ في دجواتِها

وتـحـطّـمـتْ تلكَ الظهورُ وطالما      للهِ لـيـلاً قـوَّســتْ صـعـداتِــهــا

وتقطّعتْ تلكَ الأكـفُّ وكـمْ غدتْ      مـبـسـوطـةً للهِ فــي سـبـحـاتِــها

فـلـيـهـنـأ الـفـوزُ الـعـظـيـمُ بـجنّةٍ      قـد أزلـفَ الـبـاري لها غُرفاتِها

وقال في أبي الفضل العباس (عليه السلام):

بسطتُ لشبلِ المرتضى راحةَ السؤْلِ      وألـقـيـتُ فـي أكنافِ أعتابِهِ رحْـــلـي

وعـرَّسـتُ آمـالـي بـهـا وقـصـرتـهـا      على ساحِ فضلٍ منه ممدودةُ الـــظـلِّ

هـرعـتُ لـه مُـسـتـرفـداً متن حـبـائِهِ      وقـد أبـتُ مـمـلـوءَ الـمزادةِ بالـــبــذْلِ

فـزعـتُ لـه أشـكـو مـن الدهرِ سورةً      فـعـدتُ ومنه الدهرُ عنّي في شــــغْـلِ

جـلـوتُ بـه عن نـاظـري كـلَّ عـاثـرٍ      كـذاكَ الـحـيا تُجلى به أزمِ الـــمــحْـلِ

خـضـمُّ نـدى مـن سـلـسـبـيـلِ نـوالِـهِ      تـفـوزُ بـنـو الآمـالِ بالــنـهلِ والــعَــلِّ

وسـيـفٌ بـراهُ اللهُ لـلـديـنِ مُــرهــفــاً      تـعـرَّى شـبـاهُ عـن نـبـوٍّ وعــنْ فَــــلِّ

غـوامـضُ مـعـنـاهُ وأسـرارُ نـعـتِـــهِ      إلـى اللهِ يـومـاً أن تـكــيَّـفَ بـالـعــقْــلِ

حـريٌّ إذا مـا قـيـلَ مـن طـبَّقَ الدنى      بـتـيـارِ فـضـلٍ أن يُـقــالَ أبو الـفـضْلِ

حليفُ العُلى خـدنُ الـبـسالةِ والوغى      أبو السمرِ شـبـلُ المـرهفاتِ أخو النبْلِ

نـمـاهُ عـلـى الـعـلـيـاءِ حـيدرةُ العُلى      فـعـزَّ مُـــبــاريِـهِ وجــلَّ عـن الــمـثْــلِ

هوَ الليثُ ليثُ الحربِ والسمرِ غيلُه      ولـيـسَ لـه زأرٌ ســوى زجلِ الـنـصْـلِ

مـثـقّـفـه مـا زالَ يـهـجـمُ لـلــكُــــــلا      وصـارمُـه مـا انـفـكّ ينطقُ بالـفـصْـلِ

فـلا غروَ إن طالَ السماكينِ مفـخراً      وداسَ عـلـى شـمِّ الـفـراقــدِ بـالـنـعْـــلِ

فـقـد جُـمِّـعـتْ فـيـه الـمـحــامدُ كلّها      من المرتضى السامي على الكلِّ بالكلِّ

لـه سـطـواتٌ مـن سـهـامٍ رمـى بها      صفاتِ الجبالِ الشمِّ ساختْ على السهْلِ

وبـأسٌ زعـافـيُّ الـمـذاقـةِ صـــابُــه      وهلْ يخلفُ الضرغامُ بأساً سوى الشبْلِ

حـمـى الديـنِ مُذ عزَّ الحميُّ بأسـمرٍ      يـنـضـنـضُ فـي سـمِّ الـمـنـيَّـةِ كـالصِّلِّ

وفـي أبـيـضٍ مـاءُ الـردى مـتـموِّجٌ      بـهِ وهـوَ مـن مـاءِ الـطـلا دائــمَ الـنـهْلِ

سَلِ الشوسَ عنه كيفَ ثلَّ عروشِها      غـداةَ عـلـيـهِ انـهـالـتِ الـشوسُ كالرمْلِ

ويوماً به غـصَّـتْ من الكفرِ نينوى      لـحربِ ابنِ طهَ المصطفى خاتمِ الرُّسْلِ

غـدا سـالـبـاً أرواحَــهـا فـي مـهـنَّـدٍ      يـقـاسـمُـهـا الأجـسـامَ بـالنصفِ والعدْلِ

يـكـرُّ عـلـى الـجـيـشِ الـلهامِ بسابحٍ      مـن الـجردِ قبِّ البطنِ نهدِ الشوى عبْلِ

إلـى أن دعـاهُ لـلـشـهـادةِ حـتـمُــهـا      فـلـبَّـى كـمـا يـهـوى لـه طـيِّـبُ الأصلِ

قـضـى وهو محمودُ النقيبةِ صابراً      عـلـى الـقـتـلِ مُـذ ألـفـى الـسعادةَ بالقتلِ

فـلا بـرحتْ تترى على قدسِ نفسِهِ      صـلاةُ إلـهِ الـعـرشِ دائــمــةُ الـوصْــلِ

وقال في علي الأكبر (عليه السلام):

وعـلـيُّ قـدرٍ مـن ذؤابــــةِ هــاشــمٍ      عـبـقـتْ شـمـائـلُـه بـطـيبِ المحتدِ

أفـديـهِ مـن ريـحـانـةٍ ريَّـــانـــــــــةٍ      جـفّـتْ بـحـرِ ظـمـاً وحـرِّ مـهـنَّـدِ

بـكـرُ الـذبـولُ عـلى نضارةِ غصنِهِ      إنَّ الذبـولَ لآفـةُ الـغـصـنِ الـندي

للهِ بـدرٌ مـن مُــراقِ نــجــيـعِــــــــه      مـزجَ الـحـسـامُ لـجـيـنَـه بالعسجدِ

مـاءُ الـصِّـبـا ودمُ الـوريـدِ تـجـاريـا      فـيـهِ ولاهـبُ قـلـبِـهِ لـمْ يــخــمــدِ

لـمْ أنـسَـه مـتـعـمِّـمـاً بـشـبـا الـظــبا      بـيـنَ الـكـمـاةِ وبـالأسـنّـةِ مُـرتدي

يـلـقـى ذوابـلَـهـا بـذابـلِ مـعــطـــفٍ      ويـشـيـمُ أنـصـلَـهـا بـجـيـدٍ أجـيـدِ

خـضـبـتْ بـقـانـي هـامِــه وفـراتِــه      فـاحـمـرَّ ريـحـانُ الـعـذارِ الأسودِ

جـمـعَ الـصـفـاتِ الـغـرِّ وهيَ تراثُه      مِن كلِّ غـطـريـفٍ مـلـيـكٍ أصـيدِ

فـي بـأسِ حـمـزةَ فـي شجاعةِ حيدرٍ      بـإبـا الـحـسـيـنِ وفي مهابةِ أحمدِ

وتـراهُ فـي خُـلـقٍ وطـيـبِ خـلائــقٍ      وبـلـيـغِ نـطـقٍ كـالـنـبــيِّ مـحـمــدِ

يـرمـي الـكـتـائبَ والفلا غصَّتْ بها      فـي مـثـلِـهـا مـن عـزمِـه الـمـتوقّدِ

فـيـردُهـا قـسـراً عـلـى أعـقــابِــهــا      فـي بـأسِ عـرِّيـسِ الـعـرينِ الـمُلبدِ

ويـؤوبُ لـلـتـوديــعِ وهــــوَ مـكـابـدٌ      لـظـمـا الـفـؤادِ ولـلـحـديـدِ المُجـهدِ

صادي الـحـشـا وحـسـامُه ريَّانَ من      مـاءِ الـطـلا وغـرارُه لــم يـبــــردِ

يـشـكـو لـخيرِ أبٍ ظماهُ وما اشتكى      حرَّ الظما إلّا إلى الظامي الصدي

فـانـصـاعَ يـؤثـرُه عـلـيـهِ بـريــقِـــه      لـو كـانَ ثـمَّـةَ ريـقـةٍ لـم تـــجــمـدِ

أعـلامُ طـهـرٍ تـشـتـكي ظمأ الحشى      خـفّـاقـة تـهـفـو لـعـذبِ الـمــــوردِ

كلٌّ حـشـاشـتُـه كـصـالـيـةِ الـغـضـا      ولـسـانُـه ظـمـأ كـشـقّـــةِ مـــبـــردِ

ومُـذ انـثنى يلقى الكـريـهـةَ بـاسـمـاً      والـمـوتُ مـنـه بـمـسـمـعٍ وبـمشهدِ

لـفَّ الـوغـى وأجـالَـها جولَ الرَّحى      بـمـثـقـفٍ مـن بـأسِــــهِ ومُــهـنّـــدِ

حـتـى إذا مـا غـاصَ فـي أوسـاطِها      بـمـطـهَّـمٍ مـن فـوقِ مـهـرٍ أجـــردِ

عـثـرَ الـزمـانُ بـه فـغـادرَ جـسـمَـه      نـهـبَ الـقـواضـبِ والـقنا المتقصِّدِ

غـالَ الـرَّدى يـا قـاتـلَ اللهُ الـــرَّدى      مـنـه هـلالَ دجـىً وغــرَّةَ فــرقـــدِ

يـا نـجـعـةَ الـحـيـيـنِ هـاشمَ والنّدى      وحـمـى الـذمـارينِ العُلى والسـؤددِ

كيفَ ارتقتْ هممُ الرَّدى لكَ صعدةً      مـطـرودةَ الـكـعـبـيـنِ لــمْ تـتــــأوَّدِ

فـلـتـذهـبِ الـدنـيـا عـلى الدنيا العفا      مـا بـعـدَ يـومِـــكَ مـن زمانٍ أرغدِ

وقال في القاسم بن الإمام الحسن المجتبى (عليهما السلام):

نـاهـيـكَ بـالـقـاسـمِ ابـن الـمجتبى حسنٍ      مـزاولُ الـحـربِ لـم يـعـبـأ بما فيها

كـأنّ بـيـضَ مـواضـيـهـا تـكـلّـــمــــــه      غـيـدٌ تـغـازلـه مـنـهـا غــوانـيـهــــا

كـأنَّ سـمـرَ عـوالـيـهـا كــؤوسُ طـــلا      تـزفّـهـا راحَ سـاقـيـهـا لـحـاسـيــهـا

لو كـانَ يـحـذرُ بـأســاً أو يخافُ وغـىً      ما انصاعَ يُصلحُ نعلاً وهوَ صاليها

أمـامَـه مـن أعــاديـــهِ رمــالُ ثـــــرى      مـن فـرقِ أسـفـلِــهـا يـنـهـالُ عاليها

ما عـمَّـمَ الأزرقُ الأزديُّ هـــامــتَـــــه      فـاحـمـرَّ بـالأبـيـضِ الهنديِّ هاميها

إلا غــداةَ رآهُ وهـــوَ فــــي سِـــنــــــةٍ      عـن الـعـداةِ غـفـولُ الـنفسِ سـاهيها

وتـلـكَ غـفـوةُ لـيـثٍ بـهْـمـةٍ حـــــــدثٍ      مـا نـالـهُ الـسـيـفُ إلا وهـوَ غـافيها

فـخـرَّ يـدعـو فـلـبّـى الـسـبـطُ دعـوتَـه      فـكـانَ مـا كـانَ مـنـه عـنـد داعــيها

فقُل بهِ الأشـهـبُ الـبـازيُّ بـيـن قــطـا      قـد لـفَّ أولَـهـا فـتـكـاً بـــتـــالــيـهـا

يجني ولـكنْ رؤوسَ الـشـوسِ يـانـعـةٌ      ومـا سـوى سـيـفِـهِ الـبـتّـــارِ جانيها

حتى إذا غـصَّ في الأشـلاءِ أرحـبُـهـا      وفـاضَ فـي عـلـقِ الأحـشاءِ واديها

تـقـشّـعـتْ ظـلـمـاتُ الـجـهـلِ نـاكصةً      فـرسـانُـهـا عـنه وانـجابتْ غواشيها

وإذ بــه حـــاضـنٌ فـي صـدرِهِ قـمـراً      يـزيـنُ طـلـعـتَـه الـبـيـضــاءَ داميها

وافـى بـه حـاملاً نـحـوَ الـمـخـيَّـمِ والـ      آمـاقُ فـي وجـهِـهِ حمرٌ مــجـاريـها

تـخـطّ رجـلاهُ فـي لوحِ الثرى صُحُفاً      الـدمـعُ مـنـقـطـهـا والـقـلـبُ تـالـيها

فما الجوى والأسى والبثّ واللهفُ الـ      ـمـسـجـورُ والحزنُ إلا مِن معانيها

آهٍ عـلـى ذلـكَ الـبـدرِ الأتـــــمِّ نــحـــا      بـالـخـسـفِ غـرَّتَـه الغراءَ ماضيها

وقال في مسلم بن عقيل وأخوته وأولادهم الشهداء من آل عقيل (عليهم السلام) في كربلاء:

لـمَـنْ أذيـلُ عـقـيـقَ الأدمــــعِ الـسـجــمِ      مـن بـعـدِ آلِ عـقــيـلٍ معقلِ الكرمِ

غـاضـوا بـحـوراً وغـابوا أنجماً زهـراً      وأقلعوا وهـمُ أهـمــى مـن الــدِّيَــمِ

حـمـوا بـأسـيـافِــهــم آلَ الـنـبـيِّ فـمــــا      لآلـهِ بـعـدهـمْ من نـاصـرٍ وحـمِـي

سَـلْ كـوفـةَ الـجـنـدِ مُـذ مـاجتْ قبائلـها      تسدُّ ثغرَ الفـضـا فــي سيلِها العرمِ

غـداةَ زلّـتْ عـن الإســـلامِ فــاتــكــــةً      بـمـسـلـمٍ حـيـن أضـحى ثابتَ القدمِ

فـقـامَ وهـوَ بـلـيـغُ الـوعـظِ يـنـــذرُهــا      بالمرهـفـيـنِ غـراريْ صــارمٍ وفـمِ

يـهـديـهـمُ وهـمُ عـمـيٌ يــقــودُهــــــــمُ      إلـى الـضلالِ بعيدُ الـغورِ فيهِ عمي

لمْ أنـسَـه وهـو نـائـي النهمِّ حينَ سرى      مـن يـثـربٍ يـمـلأ الـبـيــداءَ بـالهممِ

عـجـلانَ قـلـقـلَ أحـشـاءَ الـبـسيطةِ في      إرقـالـةٍ مـن بـنـاتِ الأيـنـقِ الــرسمِ

طـوع ابـنِ فـاطـمـةٍ أمَّ الـعــراقَ عـلى      عـلـمٍ بـأنّ وراءَ الـسـيــرِ سـفـكُ دمِ

بـسّـامُ ثـغـرٍ سـرى والـمـوتُ غـايــتُـه      أفـديـهِ مـن قـادمٍ لـلـمـوتِ مُـبـتــسـمِ

يـرى الـمـنـيَّـةَ مـن دونِ ابـنِ حـيــدرةٍ      أشهى له من ورودِ الماءِ وهوَ ظمي

فـكـمْ تـثـمـرَ مـنـه فــي الـوغــى أســدٌ      أظـفـارُه نـشـبـتْ بـالـشـوسِ والـبهمِ

وكـمْ تـحـلّـبَ مـن أخــلافِ صـــارمِـهِ      مـوتٌ زؤامٌ وحـتـــفٌ غـيـرَ منخرمِ

وكـمْ تـلـمّـظَ بـالأبـطــالِ أســمــــــــرُه      غـداةَ أطـعـمـه أحـــشـاءَ كــلَّ كـمي

حـتـى إذا أوشـكـتْ تـفـنـى جـمــوعـهمُ      مـا بـيـنَ مـلـتـقـفٍ فـــيـهِ ومـلـتــقـمِ

كـبـا بـهِ الـقـدرُ الـجـاري وحـــانَ لـــه      مـن الـشـهـادةِ مـا قــد خــطّ بـالـقـلمِ

فـراحَ مـلـتـثـمـاً بـالـسـيـفِ مــبــســمُـه      أفـديـهِ مـن مـبـسـمٍ لـلــســيفِ ملتثمِ

وحـلّـقـتْ نـفـسُـه لـلـخـلـدِ صــاعـــــدةً      غداةَ في جسمِهِ وجهُ الـصعـيدِ رُمي

للهِ مـن مـفـردٍ أضـحـتْ تـــوزّعُـــــــه      جـمـوعـهـمْ بـشـبـا الـهــنـديَّــةِ الخذمِ

هـامـتْ بـه الـبـيـضُ تـقـبـيلاً وهامَ بها      ضـربـاً وكـلٌّ بـغـيـرِ الــمـثـلِ لمْ يهمِ

أضحى تريبَ المحيَّا الطلقِ ما مسحتْ      عـنـه غـبـارَ الـنـقـا كــفٌّ لـذي رحمِ

مـا الـشمسُ في بهجةِ الإشراقِ ناصعةً      تـحـكـي مـحيَّاهُ مخضـوباً بفـيضِ دمِ

ما شـدَّ مـن هـاشـمٍ لـحـييهِ حين قضى      نـدبٌ ولا نـدبـتـه الأهـــلُ مـــن أمــمِ

نـائـي الـعـشـيـرةِ نـائـي الدارِ شاسعُها      يـا بـعـدَه عـن سـراةِ الــحيِّ والـحرمِ

لا الـبـيـضُ مـن بـعـدِهِ حمرٌ مناصلها      ولا الـقـنـا بـعـده خـفَّـاقـــةُ الــعـلـــــمِ

قـد كـانَ لاهـبَ عـزمٍ كـلّـمــا لـقـحتْ      ريـحُ الـوغـى شبَّ منه مارجُ الضَّرمِ

مَـن مـبـلـغَ الـسـبـطِ أن الـدهرَ فلَّ له      مـن الـصـوارمِ سـيـفـاً غـيـرَ مُـنـثـلــمِ

وهدَّ من شـاهـقـاتِ الـدينِ ركنَ هدىً      مـا كـانَ جـانـبُـه الـسـامـي بـمُــنـهـدمِ

محمد طاهر الصفار

..................................................................................

1 ـــ نُشر في مجلة البلاغ الكاظمية تحت عنوان (علائق شعرية عراقية عاملية).

2 ــ أدب الطف ج 9 ص 230

3 ــ الطليعة من شعراء الشيعة

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً