282 ــ علي محمد الحائري: (1351 ــ 1419 هـ / 1933 ــ 1999 م)

موسوعة الامام الحسين

2021-01-07

350 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام):

يا دماً سحَّ والسماواتُ تشهَدْ      تغتلي (كربلا) منــهُ وتحرَدْ

فوقَ رمضائِها حدودٌ تـخـدَّدْ      ودموعٌ تهمي وآهٌ تصـــــعّدْ

ونساءٌ تُسبى وغصــنٌ يؤوَّدْ      هوَ من دوحِ حيدرٍ قدْ تَنَضَّدْ

وقال من حسينية أخرى:

لـقد فدحَ المـصـابُ بـ (كربلاء)      فكلّ مصائبِ الدنيــــــا تهـونُ

وقفتَ بحيثُ تحــتـشـدُ الـرزايــا      لها في مسمعِ الدنيا رنيـــــــنُ

وحيثُ يخورُ من لم يؤتَ عزماً      وحيث يُذالُ من يخشى المنونُ

الشاعر

علي بن محمد بن محمد علي بن زين العابدين الحائري، شاعر كبير وأديب وكاتب ولد في كربلاء من أسرة كربلائية علمية عرفت بـ (آل زين العابدين)، يقول عنها الشيخ موسى إبراهيم الكرباسي: (أسرة معروفة بالعلم والأدب منذ نزوحها إلى هذه المدينة مطلع القرن الثاني عشر الهجري). (1)

 كان أبوه الشيخ محمد علي خطيباً فغرس في نفسه حب الأدب والشعر لارتباطهما بالمنبر الحسيني فرافق الحلقات التعليمية عند (الكتّاب) ودرس على يد الشيخ محمد علي النائيني، والشيخ حسن كوسة، كما لازم التعليم الرسمي حتى تخرج من كلية الآداب الجامعة المستنصرية قسم اللغة العربية. وعمل في سلك التعليم لمدة طويلة.

بدأ مضماره مع الشعر والأدب عام (1952) فنشر أولى قصائده في جريدة القدوة الكربلائية ثم نشر في الصحف والمجلات العراقية والعربية مثل العرفان والورود والتآخي وشعلة الأهالي والأديب اللبنانية ومجلة الكتاب التي تصدر عن الإتحاد العام للشعراء والكتاب العراقيين بعد أن انضم إليه, ولم يقتصر عطاء الحائري على الشعر بل نشر العديد من المقالات الثقافية في هذه الصحف والمجلات.

العطاء المخفي

للحائري أربعة دواوين هي:

1 ــ أغاني ليالي شهرزاد

2 ــ قناديل في أروقة الليل

3 ــ الركب الضائع

4 ــ ديوان خاص بمدائح ومراثي أهل البيت (عليهم السلام)

ولم يصدر ــ للأسف الشديد ــ من دواوينه الأربعة سوى ديوان (أغاني ليالي شهرزاد) في حياته، و(الركب الضائع) بعد مماته، وله ترجمة لرباعيات الخيام كاملة عن الفارسية وهي مخطوطة أيضا.

قال عنه السيد سلمان هادي آل طعمة: (عرف بالعمق الفكري والنظر الصائب إلى الحياة ولم تشغله متاعب التدريس عن قرض الشعر والمطالعة فقد أظهر نشاطا ملموسا في المشاركة والالقاء في المناسبات الدينية التي تعقد في كربلاء فضلا عن مساهمته في في نشر العديد من القصائد في الصحف والمجلات العراقية والعربية.

وشاعرنا يجنح إلى الالتزام في الأدب الواقعي المعبر عن الحالة الاجتماعية وعوامل التراث والتاريخ ...) (2)

 

ويقول الشيخ موسى الكرباسي: (ينحو الشاعر الحائري في إيراد صوره الشعرية منحى الأقدمين فقد تأثر بطابع التقليد لا في النهج ولا في الأسلوب فقط، بل في إيراد غريب الألفاظ في الكثير من قصائده فهو يمثل القديم خير تمثيل ولكنه وإن تمثلت به سمات التقليد شاعر متين السبك رقيق العاطفة متدفق الشعور جزل الأسلوب ..) (3)

وقد كتب عنه حامد حسين جعفر الأنباري دراسة ماجستير بعنوان: (الإمام الحسين (عليه السلام) في شعر علي محمد الحائري ــ دراسة موضوعية فنية ــ)

شعره

كـذبَ الـمـوتُ فـالـحـسـيـنُ مُـخَـلّـدْ      كُـلّـمـا أخْـلِـقَ الـزمـانُ تـجـدَّدْ

هذا البيت الخالد الذي أصبح شعار الذكرى ونكهة عاشوراء وصبغة الحزن المستديم المكلل بالخلود والذي خلد صاحبه في سماء الولاء الحسيني, تصدر قصيدة من أروع ما قيل بحق الإمام سيد الشهداء (عليه السلام) للشاعر الكربلائي مولداً وروحاً وقلباً وانتماءً الشاعر الكبير علي محمد الحائري رحمه الله

فقد استوحى الحائري من صوت الطف مادة شعره وإلهامه وعاطفته فجسّدها في قصائده الحسينية التي يتجلّى فيها النفس الكربلائي ومؤثرات البيئة وتبلورت في ضميره ووجدانه الأجواء الروحية للمدينة والأسرة التي نشأ بها, فقد ولد في عائلة حسينية لا يفارق ذكر الحسين ويوم عاشوراء ألسنتها حيث توارثت الخطابة في الصحن الحسيني الشريف فعاش الأجواء العاشورائية على مستوى الفكر والواقع وعاشها فكراً وخيالاً ووجداناً .. ودمعاً يقول في قصيدة يجسّد فيها هذا اليوم الذي لا ينسى مهما تعاقبت عليه الدهور والأيام:

ليومِكَ فاجعاً تُـدمى العيـــــــونُ      فلا والله أنستـــــــــه السنــونُ

لقد فدحَ المصــابُ بــــــكربلاء      فكلّ مصائبِ الدنيـــــــا تهـونُ

وقفتَ بحيثُ تحــــــتشدُ الرزايا      لها في مسمعِ الدنيا رنــيــــــنُ

وحيثُ يخورُ من لم يؤتَ عزماً      وحيث يُذالُ من يخشى المنونُ

فكانَ لصفـــــــحةِ التاريخِ نوراً      يبيدُ الدهرَ وهو بهِ ضنـــــــينُ

أبا الثوارِ يا ألقــــــــــــــاً منيراً      ويا أفقا تــــــــــــعدّاهُ الدّجـونُ

ويا بطلاً إذا الأبـطالُ جـــــدّت      أياديها وإذ عشيتْ عــــــــيـونُ

نفرتَ إلى مضــارعةِ المنــــايا      ومثلكَ لا تطاوله الظنــــــــونُ

ومثلكَ لا يـــــــرى الدنيا غلاباً      على سقطٍ مغالبهِ المهيـــــــــنُ

لأنكَ من معينٍ ليــــــسَ أصـفى      ومن نفـــــــــرٍ تفقّدها القرونُ

شهيدُ الحقِّ ما برحــــتْ دهـورٌ      كما خلّفتها بالأمـــــــسِ جـونُ

رواءٌ بالمظالمِ وهيَ عــــطشـى      حسانٌ بالمظــاهـرِ وهيَ دونُ

وما برحتْ يدُ تسدي انـعتـــــاقاً      تغللها يدٌ طـبعتْ قــــــــــيـونُ

ومـا ناديتَ إذ نـــــاديـتَ هجراً      وأنتَ بكلِّ ملحمةٍ قمـــــــــــينُ

أطلابُ المطامعِ وهـــــيَ زيفٌ      لماذا بيننا الحربُ الزبـــــــونُ

أنا ابنُ نبيِّكمْ ما جئتُ بـــــــدعاً      وغيرَ تراثِ حقّي لا أصـــونُ

فإنْ كنتمْ بأخراكمْ عبـيــــــــــداً      ففي دنياكُم الأحـــــــرارَ كونوا

وكانَ جوابُهم نبــــــــــلاً دِراكاً      لصدرِكَ حيث قبّلـه الأمــــــينُ

وحيثُ يخرّ معـتـركُ الــــرزايا      وحيثُ لغى الرسـالةِ لا تميـــنُ

وضاحاً في إبانةِ كـــلِّ خــــافٍ      غضــــاباً حين يجترئُ الهجينُ

وما ردَّ المظـــــــــالمَ غيرُ داعٍ      بقولِ الزيــــــــنِ منطقُه المبينُ

أبا الثوارِ نهجُكَ لــيـــــسَ يُبلى      ولن تخشى تقحّـــــــمه القرونُ

ولولا المجــــــــد لم يؤثرْ فداءً      ولولا المجـــدَ ما التهبتْ متونُ

ولو الخائضــــونَ غمارَ موتٍ      لما وصلتْ ليابسةٍ سـفـيــــــــنُ

طريقُ الثائريـن لظىً فمرحى      لفادٍ ليس تقـــــــــــــهرُهُ المنونُ

تتضح الثقافة الواسعة والخزين المعرفي والتأريخي واللغوي للشاعر الحائري من خلال شعره، وفي قصيدته في حق أمير المؤمنين يضمِّن معانٍ فلسفية إضافة إلى طرقه المناحي التاريخية، وهذه القصيدة لو أنصفها النقاد لتعرضوا لها بالشرح والدراسة المستفيضة, يقول في دخوله إلى محراب أمير المؤمنين (عليه السلام):

في لُهى الشعرِ مــن جـلالِـكَ عيُّ      ليسَ يَرقى إلى ســــــــماكَ حَـفِيُّ

لزَّ جُنحي كي أعــلّـي مـــــطـاراً      إن أفقاً أرومُه لقـــــــــــــــــصـيُّ

كاهلي مـثـقلٌ وخـطــوي بطــــاءٌ      وطماحي مغلغلٌ هبـــــــــــرزيُّ

بَعُدَ الـغـايُ والـمـــــــؤوَّبُ نضوٌ      غيرَ أنَّ المســــــــــرى إليهِ عَليُّ

أيها الـمـصـقعُ الذي لا يجـــارَى      مقولُ الحقِّ منه ضـــــــــاحٍ سَنِيُّ

والحكيمُ الـذي تفــــرَّدَ في الـنـطـ      ـس وداءُ النفـــــــــوسِ داءٌ دويُّ

سألتْ نفـسَها (أثيـــــــــنا) أيـعـلو      فــــــــــــــوقَ واهي تيّارِها لجِّيُ

وتأتّى سقـراط يـــــروي لـصـولـ      ـونَ حديثاً أثيــــــــــرَ منه النديُّ

قال همسـاً في أذنهِ: كيفَ يشـأى      نسجَ أنــــــــــــــوالِنا فتىً بَدَويُّ ؟

كيف يـبني على تخــومٍ تـرامـتْ      في العماياتِ مـــــــدرَهٌ عبقريُّ ؟

كيفَ يمشي على المحجَّةِ ضحيا      نَ وأفـقَ الـضـلالَ وادٍ دجــــيُّ ؟

أرمالُ الصــــحراءِ أوقـدنَ مـنه      قبساً والرمــــــــالُ جـمـرٌ وريُّ ؟

أم رغاءُ النيـــــاقِ أرهـفـنَ مـنه      مسمعاً والقفـــــــــــارُ ربـعٌ خـليُّ

طالَ باعاً وجالَ في عتمـــاتِ الـ      فكرِ يجـلـى السبيلَ منها الـسـويُّ

وتـقـضَّى الـطباعَ في مهجِ الطيـ      ـرِ فاضتْ وما بـــــــــهنَّ خـــفيُّ

ديـدبـانٌ عـلى السمـــاءِ وما تحـ      ـوي فرَتْقُ النجــــــــومِ منه مَـليُّ

وبدايــــــــــاتُـها وكـيـفَ أربَّـت      عن ســـــــديمٍ إعـلامَــها اللهـويُّ

ثم مارتْ كـــاليمِّ ثـم اسـتـقـرَّتْ      في مداراتِها وصــــــــــــكَّ الغليُّ

صنعةُ اللهِ فوقَ معتسـفِ الـتــأ      ويـــــــــلِ فاللهُ روحُـــــــها الأبديُّ

كانَ لا عن بـداية وهــو بــاقٍ      لا انتهـــــــــاءٍ والـكونُ سفرٌ طويُّ

فهو يعبر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بالحكيم الأوحد الذي فاقت حكمته وفلسفته ما أنتجته أثينا منهما ولو عاصره سقراط لذهل من علمه وحكمته ثم يتطرق إلى باقي الجوانب في حياة الإمام (ع) من علم وزهد وشجاعة وسخاء فيقول:

أيُّها الخالدُ الذي في ضـمـيــــرِ الـ      دهــرِ مـنــه مـحــــدِّثٌ ونــجــيُّ

يا مليءَ الجفــــــانِ بالـعـلمِ والأخـ      ـلاقِ والـحـادبُ الجـوادُ السخـيُّ

يا عـزوفـاً عـن الـرقــابِ تـبــارى      في سـخـامٍ فـيـهـا نـفوسٌ غـويُّ

يا خـليَّ الوفـــــاضِ والـمــالُ جـمٌّ      بين كفيـكَ والريــــــــاشُ الحـليُّ

في لهاثِ الهجيرِ تـلـتحـــفُ الـرمـ      ـضاءَ والجمرُ في لـظاها فــريُّ

صونُ نفـسٍ أبتْ مـطـاوعـةَ الأهـ      واء والصونُ في النفوسِ حَـرِيُّ

أيها الصـادقُ الـعـزوفُ عن الـلـذّ      اتِ والكبرياءُ شـــــــــبــعٌ ورَيُّ

ما تنـــاهتْ إليكَ مـن فـرصِ الدنـ      ـيا كثارٌ يغــــــــرَى بـهـنَّ الدنِيُّ

قيلَ باعُ الإمــامِ أقصرَ فـي الـتـسـ      ـييسِ والزعـمُ باطـــــلٌ وخـزِيُّ

ما جَبهت الخصومَ بالـكـذبِ المحـ      ـضِ وحبلُ الـنفــاقِ حـبـلٌ وهِيُّ

أنتَ كالشمسِ أضـحـيــانـا وكالـنبـ      ـعِ صـفـــــــاءً وشـانـؤوكَ ركيُّ

قلتَ للسيـفِ صُنْ ذمارَ الـمـحـقّـيـ      ـنَ وفصـلُ الخطابِ سـيفٌ حَمِيُّ

يا أخا المصطفى الأمـينِ الامامَ الـ      مُـرتضى، ميثــــــــــاقُـه الأبديُّ

يا فـدياً بــنــفــســهِ نــفــسَ طـــــه      ليسَ بعد الفدا عطـــــــــاءٌ سَـنِيُّ

ومُـديـمـاً فـصْـلَ الـشــهــادةِ لـلـطـ      ـفِّ وكوفــــــــــانٌ إرثها دمـويُّ

(وعلى الأرضِ من دماءِ الشهيديـ      ــنِ عليُّ ونجـــــــــــلُه) وسـمـيُّ

ثـمـنُ الــمـجــدِ أن يـعـمَّـدَ بــالـدمِّ      ويــتـلـو الـكــــــــــميَّ فـيه كـميُّ

أيها الوالجُ المجـــــــــــاهيلَ فـيها      تتقـرَّى والـطرفُ مـنـــــكَ عشيُّ

رحْ لصرحِ الإيـمانِ واقبس ذبالاً      كـلُّ وهـجٍ خـلا الـيـقـيــــنَ طـفِيّ

عالمٌ عَجَّ بالنوامــــــــــــيسِ شتى      فـخفيٌّ إطـــــــــــــــراؤها وجَليُّ

ولها من طبائعِ الغابِ فــــــــرسٌ      واكتلابٌ وسعرةٌ ونــــــــــــــزِيُّ

ودنا دونها المجـــرات في التظنيـ      ـن منها الكــــــــــــليُّ والجـزئيُّ

إنما النهجُ للظــــــــــــــمـاءِ رواءٌ      فترشّفْ وأنتَ أنــــــــتَ الصَّدِيُّ

واقطعِ الشكَّ بـالـيـقـيــــــنِ فـما أو     تيـــتَ من منطق الهــوى لـزَرِيُّ

وقال في أمير المؤمنين (عليه السلام) مقرِّضاً كتاب (نبي ووصي ووصايا) للعلامة الخطيب علي حيدر كمونة من قصيدة تبلغ أكثر من (60) بيتاً:

ووصَّـى رسـولُ اللهِ ثـمَّ وصـيُّه      فيا عظمَ هـاتـيـكَ الـوصايا الجبائبِ

ومَن كرسولِ اللهِ أسنى مـحـجَّةٍ      وآنـسَ نـهـجاً في خـطارِ المذاهبِ ؟

هيَ الـسـنّـةُ الغرَّاءُ قولاً وسيرةً      تأسَّ بها تـأمـنْ شـرورَ الـمـحــازبِ

تطامنَ منها كلُّ ركنٍ ومـشـعـرٍ      وأسـلـسَ مـنـهـا نـافـلٌ بـعدَ واجــبِ

ولا شططٌ أنَّ الـشـريـعةَ سمحةٌ      وتلكَ لعمرِ الـحـقِّ إحـدى الـعجـائبِ

ومَن بعدَ أقـوالِ الإمـامِ خـرائـدٌ      تُنضِّدُ عقدَ الـديــنِ نـضـدَ الـتـرائـبِ

ربيبُ رسولِ اللهِ قد زُقَّ عـلمَـه      فـبـزَّ بـهِ كـلَّ الــمـلا والأصــاحــبِ

لهُ الـكـلـمُ الـلاتـي سبقنَ زمانَـه      بألـفٍ ووثّـقـنَ الـنـهـى بـالـتـجـاربِ

هيَ الحِكَمُ الغرَّاءُ ما قيلَ دونـها      لسقراط في عصرِ العقولِ الذواهبِ

تـباهتْ به كوفانُ والمنبرُ الـذي      تـسـنَّـمَ مـرقـاهُ قـؤولُ الــعــجــائــبِ

وفخراً عليٌّ شيخيَ الحِبرُ إنـني      أراكَ بـمـا حَـبَّـرتَ أجــدرَ كـــاتــبِ

بأن ترتبي من سُلّمِ المجدِ رتـبةً      وتـعـلـي وسامَ الفضلِ فـوقَ المناكبِ

وعذراً بأنْ أعطتْ قوافيَّ غايَها      وقد قـصـرتْ إذ أنـتَ فـوقَ مواهبي

وللحائري (روضة) تتضمن (28) قصائد على حروف الهجاء في حق سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) استعرض فيها ولادتها وزواجها من أمير المؤمنين (عليها السلام) وما جرى عليها من المآسي والمصائب بغصبها حقها في فدك كما بين الشاعر مكانتها من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهي النبعة والبضعة وهي روح النبي التي بين جنبيه وقد اخترنا مقاطع من بعض قصائد روضته:

يقول في حرف التاء:

أفيءُ إلى النفسِ التي ما استقرَّتِ      إذا احتدمتْ في خمرةِ اليأسِ آهتي

أنهنهُ من موجِ الظـــنـونِ وألتجي      إلى ساحلٍ ترسو به وكفُ عبرتي

فـيـالـكِ مـن بـلــوى مريرٌ مذاقُها      إذا ما لبانـاتُ الـنـفـوسِ اسـتـفـزَّتِ

ويـالـكِ مـن ذكرى تحطّ بـكلـكـلٍ      على جـرحِ مســلوبِ الفؤادِ مُشتتِ

فـتـحـتُ لها كـلَّ الـكـوى فـتدفّقتْ      بأسـخـنَ مـن نـارِ الـمـعـاناةِ مُقلتي

ورحتُ أرى الزهراءَ طيَّ عوالمٍ      من الروحِ تستغـــشي دثارَ رزيتي

ويقول في حرف الثاء:

ناديتُ باسمِكِ والخطوبُ غِـيـاثا      والدهرُ أرهصَ بـالــذمامِ وعاثا

ولأنتِ ذخرُ المـعـتـفـيـنَ إذا هـمُ      حثّوا الـمطيَّ إلى الـمنونِ حثاثا

خُدَعٌ هيَ الـدنـيـا ومَـنْ يعلقْ بها      لـفَّـتْ بـوائـقَـهـا عــلـيـهِ لِـيـاثـا

وتـوهُّـمٌ هـذا الـسـرابُ فـمـن ثنا      شـكمَ الرغابِ وجـانبَ الأرفاثا

ومشى الهوينا والطريقُ وعورةٌ      ووعى وشطّ عن الذنوبِ غِثاثا

وامتارَ من طيبِ الـجنانِ غـذاءَه      واسـتـافَ مـن نفحِ البتولِ نِفاثا

ثقُلتْ بميزانِ الحـجى حـسـنـاتُـه      وزوتْ لبوسُ الـغـيِّ عنه رِثاثا

يا بنتَ من نــهجَ الـطريـقَ سنيّةُ      ودعا إلى غرسِ الخلاقِ حِراثا

ما كانَ حُبُّـــكِ غيرَ حـبلِ عقيدةٍ      شدَّ القلوبَ وقـــــــد لغـبنَ لِهاثا

ولـقد صبرتِ على الفـوادحِ بَرَّةً      بـالـعـهـدِ إذ وُرِّثــتــــه وُرَّاثـــا

دوحُ الـنـبـوَّةِ أنتِ مِن أعـياصِها      فـغـذا وهـبـتِ فـمـا بـقـينَ لِباثا

وكذلكَ الـعـنـقـاءُ كـلُّ رويــشــةٍ      فـتـلـتْ بـهـا مـا إن تـحـلُّ نِكاثا

هذا الغراسُ الفذّ والـهديُّ الـذي      ما إن يـصوِّحُ في الزمانِ غِثاثا

وهنا على جدثِ الحسينِ شهادةٌ      مـمـا سَـنـنـتِ تـوزِّعُ الأجــداثـا

ويقول في حرف الجيم:

فـلـجِـي بـالـهـوى قـوافــيّ فــلـجــا      هـنَّ لـولاكِ قـد تـولـدنَّ خُـدجــا

مركبي الشعرُ يمتطي الموجَ رهواً      بـشـراعٍ مـن آلِ يـاسـيـنَ مَـزْجا

هُـمْ سُـراجـي إذا تـعـسَّــفــتِ الأحـ      ـلاكُ يطفو على الغياباتِ سُرجا

وهـمُ الـحـالـبـونَ ضـرعـاً مـن الـدُّ      رِّ إذا بـكـى مـن رجــاءٍ ولــجَّـا

وهـمُ الـمـالـئـونَ هـذا الــخــواءَ الـ      ـمـرَّ فـي غـربـتي ولا ثمَّ مَنجى

يـا سـهـادَ الـغـريـبِ عـلّـقَ بـالـنـجـ      ـمِ جـفـونـاً وحـط بـالظنِّ سرجا

والـتـيـاعُ المهيضِ حيصٌ من الريـ      ـشِ تـوشّـتْ بـه الأضالعُ وشجا

وغـرابـيـبٌ مـن طـيـوفِ تــلــفَّــعـ      ـنَ مسوخاً وحمنَ شوهاءَ سمجا

وتـخـومُ الـمـجـهولِ وسطَ قفارِ اليأ      سِ تـمـلـي المدى غباراً ورَهْجا

فـهـيَ لـولا الأسـى بــآلِ رســــولِ      اللهِ لـمْ آلِـهـا سـمـاحــاً وفــرجــا

قـلـتُ لـلـنـفـسِ هـوِّنـي ثم هِيــــدي      ولِجي الصبرَ في الملماتِ ولجَا

إنَّ هـذا الأتـونَ خـــــــــــابَ إواراً      إنَّ هـذا الـرهـانَ بـالـغـلـقِ يَفجا

فـخُـذي خـلّـةَ الـبـهـالـيــلِ خَــيــمـاً      واسـلــكـي مـنـهجَ الفواطمِ نَهجا

إنَّ دهـراً ألـوى بـــــــهــنَّ لــدهــرٌ      شِـيـبَ وردُ الأحرارِ فيه ومُــجا

وزمـانـاً سـاوى مـع الـقـمـمِ الـوهـ      ـدَ زمانٌ ما إن به النصفُ يُرجَى

(بنتُ مَن ؟ أمُّ مَن ؟ حليلةُ مَن ؟)      هـلْ مُـدانٍ لـهـمْ عـلـوّاً وبــــرجـا

يـا هـوانَ الـذي تـجــــاهلَ مِـنـهـا      شـرفـاً بـاذخـاً وحــــسناً ومـلـجـا

هـم قـلاعُ الإيمانِ والدوحةُ الفــر      عـاءَ مـدَّ الـــزمــــانُ أرّجٌ أرجّــا

بـهـمُ بـاهـلَ الـرســـولُ وعـنـهـمْ      أذهـبَ الـرجـسَ طـاهـريـنَ وهجا

ويقول في حرف الحاء:

أرى كـبـدي تـمـزِّقُـهـا الـقــــروحُ      وملءَ دمي الحرائقُ والجروحُ

نـكـأتُ سـعـافَـهـا ضـربـاً وسُـهـداً      وعـيَّـفـتُ الـمنى فهوى السنيحُ

شـرائـدَ فـي مـهـبِّ الـريـحِ حيرى      تـؤوِّبُـهـا المـذاهـبُ والـسـفوحُ

أرى ظـلَّ الـمـجـرَّةِ سـمــهــريَّـــاً      يـلاحــقــنــي وغـيـلانـاً تـلـوحُ

سـحـائـبَ جـانـفـتهـا المزنُ جهماً      فـلا ودقٌ بـهـنَّ ولا نــضـــوحُ

وفـيـمَ تـزمُّ مــخـطـمـيَ الـلـيـالـي      وتمعنُ في محارقيَ الـنـصـوحُ

وتـصـلـيـنـي الـهواجرَ في لظاها      وظـلُّ اللهِ مـنــفــرجٌ فـــسـيـــحُ

أداري نـفـثـةَ الــتـنِّـيــنِ وهــنـــاً      فـمـا يـهـدأ بـهِ كـبـراً فـحــيـــحُ

وأقري الذئبَ من رهبٍ طعـامي      وفوقَ خُـوانـيَ الأمـلُ الـذبـيـحُ

وما وسَّعتُ من خطوي انـتـفاخاً      ولا بـاهلتُ إذ فـرسي جـمــوحُ

ولـم آلِ الـمـكـارمَ وهـيَ حـبــكٌ      إلـى الـجـلّـى وحـملٌ لا يـطـيـحُ

بـنـو الـدنـيـا مـحـصَّـنـهـمْ إخـاءٌ      ولا كـالــودِّ فـــوَّازٌ ربــــيـــــحُ

أرى النسيانَ من خُللِ التغاضي      وخـيـرُ أرومـةٍ طـبـعٌ سـجــيــحُ

وبـرَّأتُ الـعـقـيـدةَ مـن جـمـــودٍ      بـطـيءِ الـخطوِ حاملُها طـلـيـحُ

وإنّي إذْ أرى الزهــــراءَ نهجـاً      على سفنٍ فـمـنهجيَ الوضـــوحُ

فما غاليتُ في حبّي اعــــتسـافاً      وقد يـغـلـو عـلـى لـسـنٍ مـديــحُ

وبنتُ المصطفى أزكى نِـجـاراً      وتعرفُ من مهاويـهـا السطـوحُ

فمن أسنى مـحـاريـبـاً وأبـــكى      تهاجيــــــــــداً وأدمـعُـها سفـوحُ

ومـن أكـوى بـمـظـلـمـةٍ فـؤاداً      وقد عزَّ المناصــــرُ والـنـصـيحُ

إذا غلتِ الـنـفـوسُ فـلا خـسارٍ      ومـا الـدنـيا سوى وهـــــمٍ يزيحُ

ويقول في حرف الخاء:

يـؤبِّـنُـنـي الـزمـانُ ولا أصـيــــخُ      وكلٌّ في الحياةِ له رضـيـخُ

ألا يـا أهـلـي قـد أثـقـلـتُ ذنــبـــاً      وهـذي تـوبـةٌ فـمـتـى تنـيخُ

وتـزهـدنـي الـحـيـاةُ وأطّـبِـيـهـــا      وإنّي في حـبـائـلِـهـا فـخيخُ

فـأبْ يـا قـلـبُ فـالأحـلامُ وهــــمٌ      ويا نفسُ اتركي إرباً يبـوخُ

شرابُكِ من رضا الرحمنِ صردٌ      ووجهُكِ من بـلـيَّـتِـه لـطـيخُ

ومـهـمـا لـذّ كـأسُـكَ فـالـمــنـايـا      رواصدَ ركبُـــها أبـداً مُنــيخُ

وإمِّـي سـاحـةَ الـزهـراءِ تـكفي      غوائلَ كلِّ مـن فـيـهـا يـدوخُ

ولـزِّي تـربـة الـــزهــراءِ خـدَّا      يعط بهِ الـتـصـعُّرُ والشمـوخُ

وجودي من قليبِ الـحزنِ دمعاً      يرقرقُه اللهيفَ بها الصـريخُ

ومِن شرخِ تصدَّعَ فـي حــشاها      بـكـلِّ حـشـاشةٍ منها شـروخُ

ومِـن عِـرقٍ تـنـغَّـرَ من بــنـيها      بأوداجِ المحبِّ غدتْ شـدوخُ

أفـاطـمٌ إنَّ هـذا الـجـــــرحَ دامٍ      ألا شُلتْ يدُ القدرِ الـطـخــوخُ

وأجَّ أوارُ نــارِ الــثــأرِ حـتــى      يسكِّنُ لوعَه الـوتدُ الـمـسـوخُ

يُلامُ الجرحُ والأوتـارُ تَـطـغـى      وبركانُ الـمـواجـدِ لا يـبـوخُ

ويقول في حرف الذال:

عذيريَ مـن غـافلٍ ما استعاذا      مِـن الـمـنـكـراتِ وبـاللهِ لاذا

وحـســبُــكَ مـن تـوبــةٍ نــيَّــةٌ      فما الودقُ في البدءِ إلّا رَذاذا

ولا تَـسـتهِنْ بـصـغارِ الذنوبِ      فـمـنـهـا الـكـبـائرُ تأتي حناذا

ولـلـنـفـسِ فــي لـهـوِهـا جـنَّـةٌ      تـرودُ الـرغـائـبْ كثاراً لِذاذا

ومَن شبَّ في نزعاتِ الشبابْ      يُـشـابُ عـلـيـها سقاطاً حِذاذا

ومَن أمَّ في نهــــــــجِهِ فاطماً      وجـانــبَ شـيـطانَه واسـتعاذا

حوى قصبَ السَّبقِ مضـمارُه      وبذَّ خيولَ المعــاصـي بِـذاذا

وقالتْ له حلباتُ الـفـضـيــلةِ      من يمتطي الـمجدَ طهراً كهذا

وقال في حرف السين:

أعـلـلُ فـي خـطـوبِ الـدهـرِ نـفـسـي      بـمـا قـد لاقـتِ الـزهـراءُ أمسِ

ومَـن يـمـدُدْ لألِ الــبــيـــتِ حــبـــلاً      يـجدْ ثقلَ الخطوبِ حفـيفَ جسِّ

إذا ضـاقـتْ بِـكَ الـدنـيــا فـــوجِّــــه      سفينَ رجاكَ نحوَ الصبرِ وارسِ

تـأسَّ بـمَـنْ تـحـيَّـفــهـــمْ زمـــــــانٌ      أبـى أن لا يـصاحـبَ غـيرَ نكسِ

عـلـى قـدرِ احـتـمـالِـكَ فـي الـرزايا      تـجيءُ خُطاكَ في دربِ الـتـأسِّي

فـمـا الأمـرُ الـذي يـضـنـيــــــكَ إلا      نــزائـرَ شـقـوةٍ وخـفـافَ مــبـسِ

تـروحُ عـلـى الــتــأوُّهِ والـتـشـظــي      وتـغـدو جـلـيـسَ إفٍّ ثـمَّ تُـمـسي

فـأيـنَ حــلاوةُ الإيــــمـــــــــــانِ إلا      تـحـصَّـدُ مـن يـقـينِكَ كلَّ مـرسِ

عـلـى قـدرٍ قـسـومُ الـنـاسِ تـجــري      سـواسـيـةً بــلا تـبـعـيضِ جـنسِ

وأقـربـهـمْ إلـى الـرحـمـنِ نـفــــــسٌ      ثـيـابُ الـسـوءِ مـن درنٍ مـخـسِّ

ألـمْ تـرَ لـلـذيـنَ مـضــوا خـفـافـــــاً      تساموا في الـفضـيلةِ دونَ ركـسِ

عـلـى الـشـهـواتِ ما سجـروا أتوناً      وفـي الـشُّبـهـاتِ ما انـتقبوا بلبسِ

فـرائـصُـهم من الـمـثـلاتِ رجـفـى      بـيـومٍ مـن عـــذابِ اللهِ نــحـــــسِ

وأعـيـنُـهـم مـن الـعـبـراتِ وكـفـى      وأنـفـسُـهـم نــواشــجُ دونَ نـبـــسِ

أولـئـكَ صـفـوةٌ شـــدُّوا رحــــــالاً      إلـى الأخـرى قـبـيلَ نزولِ رمـسِ

رأوا مُــتــعَ الـحــيــاةِ إلـى تــلاشٍ      وأعـراسَ الـخـطــيئةِ شـرَّ عـرسِ

تَـقَـفَّ خُـطـاهـمُ واجــنــحْ لــســلـمٍ      مـعَ الإيـمـانِ تـعـطَ قــرارَ نــفـسِ

وإنَّ الـنـفـسَ مـركـبُـهـا جــمـــوحٌ      وإنَّ حـلاوةَ الـلـذّاتِ تُــنـــســــــي

وإنّـكَ إن أفــــأتَ إلــــى رشـــــادٍ      سلمتَ على المدى من كـلِّ دهـسِ

إلـى جَـدَدٍ بــه الـزهـراءُ ســـارتْ      يـؤطّـرُه الـخـــلـودُ بـكــــلِّ ورسِ

تــضــوَّعـتِ الـنــبـوةُ فـي رِداهـا      وعمَّت هضبتي رضـــوى وقـدسِ

هيَ الخدرُ الـمـصـونُ هيَ التجلّي      هيَ الـسِّـفـــرُ الـمنقِّـي كــلَّ نـفـسِ

هيَ القبسُ الذي مـا غـاضَ مـنـها      سـلـــيـــط فــي لـيـالٍ جـــدُّ دمـسِ

هيَ الدمعُ السكوبُ إذا استجاشتْ      مـواجـعُـهـا ولـيـلُ الـهـمِّ يُـــؤســي

تـطـيـلُ سـجـودَهـا وتـرودُ دنـيــا      مـن الإخـبـاتِ في سـبـحــاتِ حسِّ

ومـن شـفَّـتْ لـديـهِ الـروحُ يسمعْ      مـنـاجـاةَ الـســمـــاءِ بـكـــلِّ جـرسِ

ويقول في حرف الشين:

أفاطمُ إنَّ جـمـرَ الـرزءِ يكوي      صليبَ النقي من عظمِ المـشـاشِ

أفـاطـمُ قـد جُبلتِ على رهــانٍ      مع الآلامِ والنــــــوبِ الغـواشـي

أمـثـلـكِ بضعةٌ تجـــــفى ولمّا      يجفُّ الروضُ من تلكَ الرشاشِ؟

أمـثـلـكِ حـرَّةً تـزوى وتُـمـنى      ربوعَ الـوحـي بـالزمرِ الغشاشِ؟

وأينَ وصـاةُ مَن أربـاكِ ثـقـلاً      ولا ثـقـلٌ يـؤولُ إلـى تــلاشـــي؟

وأينَ خـصائلُ الـحـسـنينِ لزَّا      جـديـلُ أبـيـكِ مردوعُ الحواشي؟

يـشـيـلـهـمـا على الكتفينِ حُبَّاً      ويـأنـسُ مـنـهـمـا نـط الـفــــراشِ

فهلّا صِينتِ الصورُ الحواني      وهـلّا رُوعِـيـتْ ذِكَـرٌ نــواشـي؟

وهلْ زجـرتْ مـنـاديحٌ أموراً      تـعـجّـلـهـمْ إلـى قِـرفِ الـهراشِ؟

عـلامَ ونـعـشُ هاديهمْ مسجىً      وفـيـمَ يُــصار درٌّ لــلــنــقـــاشِ؟

ألم يسلوا الـغـديـرَ غـديرَ خمٍّ      وشـاعـرُهـم يـصـفِّـقُ بـالهشاشِ؟

كحيدرةِ انـتـختْ منه القوافي      مـدائـحُـه بـإرهـاصِ الــحـشــاشِ

وأيـنَ وأيـنَ فـاطـمٌ فاستعيني      بـصـبـرِكِ فـالـدُّنى خولُ المعاشِ

ولولا جـمـرةُ الإيـمـانِ أبدتْ      نـواجـذَهـا خـراطـيـمُ الــرقـــاشِ

ولولا أن حـبـلـكِ ذا مُـــمَـــدٌّ      إلـى الـقـيـمِ الـمـؤصـلـةِ الـمناشي

لـذُرَّ الـرمـلُ فـي أحداقِ راءٍ      وبـانَ الـطـبـعُ مــن خـللِ الرتاشِ

كـتـابُ اللهِ كـمْ أهـــواكَ درءٌ      لـمَـنْ سـلـكَ الـمـحجَّةَ وهوَ خاشِ

ويقول في حرف الصاد:

دامٍ وريـشُـكَ نـاصـلٌ وحـصـــيـــصُ      وجـناحُ حظّكَ في الحظوظِ قصيصُ

ألأنَّـكَ الـعـرقُ الـنـبيضُ على الشجى      لـلـرازحـيـنَ مــنــى هـواكَ رهيصُ

ولأنّ جُــرحَــكَ لا يـــبــلُّ نــغـــــارُه      إلا وجـرحُ الآخــريــنَ قــلــــــوصُ

يـهـتـاجُـكَ الـلـيـلُ الـطـويــلُ وتـدَّري      أحـلامُـكَ الأشـبـاحُ وهـيَ شـخوصُ

ويــغــيــضُ وردُكَ والأجـاجُ مــذاقُـه      ويـتـيـهُ سـربُـكَ والـقـفـارُ لـصوصُ

لـمِـنِ الـجـفـانُ الـمـفـقـهـاتُ شـواؤها      بـشـمـتْ بـهـا الـدنـيـا وأنتَ خميصُ

فـلأسـغـبـنَّـكِ يــا طــويَّـــات الـمُـنـى      حـتـى تـري مـوتـاً ولـيـسَ مَـحـيصُ

الآنَ لـجَّ بـهـا الـغـرامُ وخُــودِعـــــتْ      مـنكَ الـظـنـونُ ونـالَ مـنـكَ وقيصُ

وانـثـالـتِ الــدنــيــا عـلـيـكَ زواهـيـاً      أطـيـافُـهـا ورنـتْ رؤاكَ خـنــــوصُ

لا درَّ درُّكَ إذ حــيــاضُــكَ غــيِّــضٌ      وفـؤادُ طـيـرِكَ بـالـضـلـوعِ فـريصُ

وإذ الأكـنّـةُ مـن زغــابِــكَ مــجــمـعٌ      يـعـتـامُـهـا الـعـقـبـانُ فـهـيَ قـنـيصُ

وإذِ الأوابــدُ رعَّـــفٌ أشــــداقُـــهــــا      بـدمٍ وإذْ رمـحُ الـزمــانِ خــريـــصُ

ولـديَ مـن عِــبــرِ الـزمـانِ شـواهـدٌ      ولـديَ مـن سِـفـرِ الـعذابِ نـصوصُ

ولـديَ عـنـد الـغـوصِ فـي غـمراتِها      مـلءَ الـشـبـاكِ مـِن الشكاةِ فصوصُ

أغــضـي عـن الـمـحـارِ لا أعـتـامُـه      قـرفـاً فـطـرفُ الـشـامـتـينَ بصيصُ

وأشــاطــرُ الــزهــراءَ فــي آلامِـهـا      فـيـهـونُ عـنـــدي مـؤزمٌ وعـويـصُ

لـمّـا اخـتـزلـتُ بها المسارَ ترقرقتْ      فـي أدمـعِ الـذكـرى وســحَّ نـكـوصُ

هـيَ آهـةُ الـشـجـنِ الـذي لا ينطـفي      مـنـه الأوارُ وجــــمـرةُ الـمـقـبـوصِ

وهـي الـذؤابـةُ مـن أراكــةِ هــاشــمٍ      فـي حقِّـهـا الـمـأثــورُ والـمنصـوصُ

درجتْ على خطوِ الرسولِ ولمْ تحدْ      نـهـجـاً وبـنـيـانُ الـهــدى مرصوصُ

وزوتْ عن الدنيـــــا ومن يكَ مثلها      مـا شـابـه الـتـنـهـــــيـز والـتـفـريص

إن جـنَّ لـيـلٌ فـهـيَ فـي مـحـرابِـها      وكـذاكَ نـجـوى الـمُـخـبـتـيـنَ قلوصُ

حـتـى إذا غـارتْ لـوامــعُ نـجـمُــه      هـاجـتْ بـهـا ذكـرى وبُــلَّ قـمـيــصُ

لـيـلُ الأحـبَّـةِ لـسَّــعٌ سـاعـاتُــهـــــا      ووسادُ مـن ذاقَ الـفـراقِ قـــــروصُ

ذكـرى أبـيـها الطهرِ فوقَ جفونِـها      خـضِلٌ ومـسـكُ لـطـيـمِـهِ مـبصـوصُ

بـالأمـسِ كـان عـلى هواجرِ بيتِـها      دوحاً فـصُـوِّحَ مــن ذراهــا الـعـيـصُ

مـا كـان حـزنُـكِ يـا بـتـولَ بـهـيِّنٍ       لـكـنّـمـا فـرسُ الـمـنـونِ قــمــيــــصُ

فـتـحـمَّـلـي وزرَ الـزمـانِ وذنـبِــهِ      فـجـنـانُ مـثلكِ في الخطوبِ رصيصُ

ويقول في حرف الضاد:

أرى بعضي يـغـارُكَ فـيَّ بـعـضـي      وصحوي نهبُ أضـناءٍ وغـمـضِ

تـراودُنـي الـحـيـاةُ بـأيِّ نــعــــمــى      لئن ساومـتـهـا بـحــشـىً مُـمِــضِّ

نوالٌ مـــن رغــــابٍ مـعـرشــــاتٍ      على سـمـتينِ من طـولٍ وعـرضِ

ومـرتـبـعٌ تـلـذّ الــنــفـــسُ فـــيـــــهِ      أطـايـبُ مـا يُـصـارُ لـهـا بــحضِّ

وجـنـاتٌ تــرودُ الـطـــيـــرُ فـيــهــا      هـوادلَ نـاغـمـاتِ بـكــلِّ نـبـــضِ

تـرى حُـلـل الــروائــعِ مـن رؤاهـا      ظـلالَ إلـيـكَ تـرفـعُ كـلَّ خـفــضِ

عـلـى أنِّـي وإن خـادعــتُ نـفـسـي      أراني عن عمى الشبـهاتِ أغضي

أرانـي خـابــطــاً عــشــواتِ وهــمٍ      تـزلّـقَ مـن خـطـايَ بـكـلِّ دحـضِ

تـسـاوِرُنـي الـمُـنـى شـمـطاءَ شـيباً      تـهـرَّأ مِـن شـواهـا كـلُّ نــحـــضِ

وتـفـرشُ لي الـمـجـرَّةُ وهـيَ أنـأى      مـن العـيُّوقِ عن سكني وأرضـي

وتـسـحـبُ مـن بـساطي كلَّ وطـئٍ      وتـذوي مـن أديـمـي كــلَّ غـــضِّ

فيا نـفـسُ أألـفـي شـظـفَ الـتـلـظّي      عـلـى الـحـرمانِ وارتكني لرفضِ

ويــا حـــمـــمَ الـهـواجـرِ جـرِّديـني      مـن الـثوبِ الـمُـفضضِّ والمُفِضِّ

ويـا دنـيـا بـلـوتُـــكِ لا ضـــمـــيـنٌ      ذمـامُـكِ عـنـدَ مـحـتـكـمٍ لـتـقـضي

مـطـلــتِ فـلا نـجـائـزَ مـن وعــودٍ      ورضـتِ فـلا مـنـادحَ مِن مُـرضِّ

غــوالــي كــبـــريــاءاتٍ أذالـــــتْ      يـداكِ عـلـى مـداهـنـةِ الــتـرضِّـي

وشـمَّـاً مـن عـرانــيـــنٍ تــخـطّـتْ      بـكِ الـقـدمـانِ فـي دهـيـاءِ تـنضي

ومــقــتــصــديــنَ لا ربــواً أفـادوا      ولا هضموا الهشيمَ بشربِ حمضِ

تـأبُّـوا فـي الـمــسـافِ فـلا صـوارٍ      تـدلّـهـمـا الـطـريـقَ إلـى مـــفـضِّ

أولـئـكـمُ الـمُـــقـلّـونَ احــتــقــابـــاً      مـن الـثـمـراتِ مـن دعـةٍ وخـفضِ

ويا دنـيـا جُــبــلــتِ عــلى هــوانٍ      فـيـالـكِ مـن مـريرِ السـوءِ جـرضِ

أعـنـتِ عـلـى الفـواطمِ زعـنـفـاتٍ      إلـى مـسـتـرخـصٍ الغبَّـاتِ ركـضِ

ومـا الـدنـيا إلـى الأطـمـاعِ غــايـاً      ومـا مـن ليفَ من وضـرٍ بـرحضِ

ومـا الـــزهـــراءُ إلا مــن أبـيــها      أصـالـة مـحـتـدٍ ودبــيــبُ نـبــــضِ

هيَ الـطـهـرُ الـبـتـولُ ومن تربّتْ      عـلـى إيـــفـــاءِ نــافــلـــةٍ وفــرضِ

رعتْ بيتَ الرسالةِ وهيَ رضعى      ولـمْ يـكُ وِردُ مـرضـعِـهـا بـبـرضِ

وحـفّـتـهـا الـمـلائـكُ تـصطـفـيـهـا      تـنــزّلُ مـن ســمـــــــاواتٍ لأرضِ

سـلامـاً يـوم مـولــدِهـــــا شـهـابـاً      وحـزنـاً يـوم مـا ارتـحـلتْ كومضِ

ويقول في حرف العين:

أقضَّكَ في لـيلِ الـضـنـى حـرُّ مـضـجـعِ      وشـفَّـكَ دمـعٌ ليسَ يَرقـى لمدمـــعي

ولـيـلٌ تــغـــشّـــــانـي كـأنَّ نــجـــومَـــه      شَدَدْنَ حبـالَ الرزءِ قـيداً بأضـــلعي

طـوالَ لـيالي الحـزنِ مـن بـعـدِ فـاطـــمٍ      ونـارُ تـشــظّـى جمرُها مـن تــوجُّـعِ

فـيـا قـلـبُ لا أبـلـلتَ من هاجسِ الأسـى      ويـا جـفـنُ لا أطـبـقتَ غـبَّ تــفـجعِ

ويـا طـارقـاتٌ مـن هــمــومٍ تـــأوَّبــــتْ      وسـاديَ وانـسـلّـتْ ثـقـالاً لمخـدعـي

نـضـاراً إلـى الـطـرحِ الـذي لا أسـيـغُـه      خفافاً إلى السيفِ الذي حزَّ أخـدعـي

ولـسـتُ أرى الـدنـيـا خـلالَ طــمـاعــةٍ      ولـكـنْ طـمـاحَ الـنـفسِ دونَ الــتطلّعِ

فـلا أنـا مـوكـولٌ إلى الـغــيـرِ مـقـودي      ولا أنا مـن أرضـى الخـطامَ بمـجدعِ

فـلـيْ أسـوةٌ بـالطــيــبــيـــــنَ تـقـارحوا      كـؤوسَ فـضـيـلاتٍ دِهــاقِ التضوُّعِ

ولـيْ أسـوةٌ بـالـمـصـفـراتِ أكــفُّــهـــمْ      من المالِ حَسْرى من حطامِ الـتـبضُّعِ

تُـزمُّ بـأكـمـامِ الــــعـــفــــافِ وتـــدَّري      عـصـامـيـةُ الأخـلاقِ مُـثلى وتـرتعي

وتعطي الـنـدى لا من خــلالِ تـفـضُّـلٍ      وتـصـعـيـرِ خـدٍّ بـالـتـكـبُّــرِ مُـتــرعِ

ولـكـنْ تـرى أن الـزكـاةَ فـــريـــضــةٌ      وإنَّ احـتـجـامَ الـمـالِ أصـلُ التصدُّعِ

وإنَّ وشـــيـــــجَ الآدمــيـــةِ جَــمَّـعــتْ      بـأعـيـاصِـهـا جـذرَ الإخـاءِ الـمقـطّعِ

وإنَّ بـــنــي الـــدنــيـا سـواءً أرومـــةٌ      وإن ضـربـوا فـي كـلِّ عـرقٍ مُـقـطّعِ

أولـئـكَ آلُ الـمـصـطـفى أهـلُ بـيــتِــه      تـربّـوا عـلـى هـذا الـخـلاقِ الـمـبرقعِ

وقد ثابروا أن لا تبيتَ عـلـى الـطوى      حـشــاشـةُ مـحـرومٍ وعـانٍ ومــوجــعِ

وأعطوا وإن كانتْ بهم من خصاصةٍ      مســـاغـبَ لـم تـرفـعْ جـداهـمْ وتـمـنعِ

وشــاركـــتِ الـــزهـــراءُ آلامَ أمــــةٍ      أبـوها تـولّاهـا عـلـى كـلِّ مــهـــيــــعِ

فـهـمْ آثـروا أن يــحـجـبـوا حُرَّ إرثِها      وأن يـلـجُـوا أبـــنــاءَهـا كـلَّ بــلـــقــعِ

وتـلـكَ الـتـي أوصـى الـرسولُ بثقلِها      تُـصـارُ إلـى هـذا الـصـعـيـدِ المصدَّعِ

وتـلـكَ الـتـي لـزَّ الـرسـولُ دثــارَهـا      تُـراعُ فـلا بـوركــتِ أيــدي الــمـرَوَّعِ

ولا بـاهـلـتْ عـلـيـا قريشٍ خصومَها      بـأنَّ لـهـا صـدرُ الـنـبــيِّ الــمـوسَّــــعُ

وقـد شُـجَّ مـن رأسِ الـبـنـاءِ عـمودُه      فـغـيـبَ ولـم يـنـهـضْ نـصوحٌ ويهرعُ

ويقول في حرف الفاء:

هوَ الدهرُ يزجي المنى والحتوفا      تـنـاوبَ يـومـاهُ جـدباً وريـفـا

ولـيـسَ الـنـهـى شـافـعاً عندَ قومٍ      ولكنه اللحظُ يجري صـروفـا

قـصـارى الـذي أنـتَ تـشـقـى به      حـيـاةٌ سـتـرحلُ عنها كسيـفـا

ومـا مـلّــكــتــــــكَ زروعُ الـدنـا      تـنـازِعْـكَ فيهِ المنايا قطـوفـا

ومـن يـغـتـررْ بـسـرابِ الـوعودِ      درَّ بـكـيَّـاً وغـاضَ خــلـــوفـا

عـجـيـبٌ تـقـلّـبُ هـذا الــمــــدارُ      إذا أنـتَ مزَّقتَ منه الشفـوفـا

يـصـيـبُـكَ مـن حـيـثُ لا تـدَّري      ويـقــتــلُ إن تـصطفيهِ رديـفـا

ويـغـشـيـكَ فـي غـفـلاتِ الكرى      لـيـأنـسَ مـنـكَ قـنـيـصاً ألـوفـا

مـتـى كـانـتِ الأمـنياتُ الرطابُ      يـبـلّـلـنَ مـنـكَ فـؤاداً لــهــوفـا

وفـي أيِّ مُـنــتـــجـعٍ تـسـتــحــمُّ      وحـشـوُ إهـابِـكَ ينكى قـروفــا

لـعـاً فـي عـثـارِ الـرزايا خُطايَ      فـأوفـى مسيرِكَ كان الـوجـيـفا

ورجـعـى لـطيفِكَ صبحُ الشبابْ      فأفـوافُ وِردِكَ تـزهى صنوفا

ووثـقـنَّ مِـن حـبِّ آلِ الـرسـولْ      وثـابَ خُطى ما عرفنَ الرسيفا

هُمُ انتزعوا الدجنَ عن ناظـريْ      وهمْ رفعوا صرحَ شعري مُنيفا

إذا قـــلــــتُ قــــافـيـةً فـــيـهـــمُ      نـفـجـتُ الـلـطـيـمَ بـه فـأدِيــفــا

رعـيـتُ بـشـرحِـهـمُ ضـامـنـيـنْ      مـرعـىً خـضـيـلاً ونـبـتـاً لفيفا

وعـيَّـفـتُ طـيـري بـعـنـقـائِـهــم      وطـيَّـرتـهـنَّ الــوفـــاءَ ألــوفــا

ومـن جـعـلَ الـشـمـسَ مـشـكاتَه      تـأوَّبَ لـيـلاً وجـابَ تــنــوفــــا

وقال في حرف القاف:

عـلــى ذمـمِ الـمـروءةِ مـا ألاقـي      أذمُّ لـهـا ولا تـألـو رهـاقــــي

ولـسـعُ الـجمرِ يلسعُ فـي أتـونـي      ونارُ اليأسِ تصلي مِن حِداقي

ولا أدلـي بــدلــوي فـــي قـلـيـبٍ      تأسَّـنَ مـن مـجـاجـاتِ الـنفاقِ

شربتُ دمي عـلـى ظـمأ حــذاراً      مِنَ الكأسِ المُرنَّقِ في الـدهاقِ

وأسبـلـتُ الـجـفـونَ وقد تـلالــتْ      قــنـــاديـلٌ بـأطـيـافٍ رقــــاقِ

يـواعـدنَ الـمـذبـذبَ بـالأمـانــي      ويُـوعـدنَ الـمـخـاتـلَ بالمحـاقِ

ويــنــثـرنَ الحـدائـقَ زاهـيــاتٍ      عـلـى مُـقـلٍ مـلـبَّــدةٍ طِــــبــاقِ

فيا عجبي لـشـدقِ الـذئبِ يـخفي      نـواجـذَه ويــركــنُ لـلـوفـــــاقِ

ويـا أســفــي عـلـى الأحـلامِ إلا      أعـيـفُ طـيـورُهنَّ إلى المراقِ

ويـا قـدمـيَّ إن تـطــأي رمــالاً      عـلـى الـرمـضاءِ داميةَ المساقِ

لـخـضتُ بكِ المنايـا كـالـحـاتٍ      ولـو جُوبـهتُ من ضننِ الأباقي

إذيـقـكِ من وجـا ألـمِ الـتـخطّي      عـلى حسـكِ التغرُّبِ في الزقاقِ

ألستِ على الـمـحـجَّةِ من ولاءٍ      لآلِ الـبـيــتِ والـقـمـمِ الـسـمـاقِ

فـكـوني ندَّ شانـئ فـي هـواهـم      ولـزِّي خـيــرَ خـيـلِـكِ لـلـسـبـاقِ

ويـا لـسناً تجلببَ مـن يـراعـي      وورِّثَ مـن بــلاغـــاتٍ عــتــاقِ

هنا في ساحةِ الزهراءِ يـحــلـو      طـرادُكَ فـالـتـمسْ جـنـحَ البراقِ

وحِثّ خيارَ شعرِكَ في هـواها      بـمـضـمـاريـنِ مخـتـرمٍ وبـــــاقِ

تـرى الـدنـيـا مـوقـفـةً عُـراهـا      وآلُ الـبـيـتِ خـيـرَ عُرى الوثـاقِ

ومَن والى البتـــولَ ولاذَ فـيـها      إلـى أفـقِ الـفـضـيـلــةِ والـوفــاقِ

أثـيـبَ لـجـنـتـينِ عـلى هـواهـا      رضـاءُ اللهِ والـذكـــرُ الـبـواقـــي

ويا عين امنحي الزهراءَ دمعاً      فـواتـقـه تـجـلُّ عــن الــرتــــــاقِ

فـمـا أشـنا انحباسِك والطـوايـا      وما أحرى انهمالك فـي الـمـآقـي

ويقول في حرف الواو:

بـكـيـتُ بـمـأتـمِ الـزهـراءِ شـجـواً      مصاباً هزَّ ثـهـلاناً ورضـوى

إذا رقـرقتُ دمـعـيَ فـي الـمـآقـي      نضوتُ مـلاءةَ الأفراحِ نَضوا

ومَن ألِفَ الـخـطـوبَ مُـبـرَّحـاتٍ      رأى الـدنـيا خلالَ أسىً وبلوى

أنضوي لا بركتَ عـلى صـعـيـدٍ      ضلوعُكَ من جمارٍ ليسَ تكوى

وصبري لا ركـنـتَ إلـى شـفيفٍ      من السلوانِ محـتـقـبٌ لـسـلوى

وعـيـنـيَ لا مـلـلتِ صحابَ سهدٍ      يؤرِّقُ من منامِكِ ريثَ يُـطوى

تـلـذّيـنَ الـكـرى دَعَـةً وخـفـضـاً      وآلُ الـبـيـتِ مـذعـورونَ نأوى

وتـرتـكـنـيـنَ لـلأحـلامِ تـسـجـــو      وما عينُ الـهـواشـمِ ثـمَّ سـجـوا

تـقـاذفـهـمْ تـنـائـفُ مـلـبـــــــداتٍ      بـهـا الـذؤبـانُ طـاويـةً تُــلــوَّى

ركـابـهـمُ طوائـحُ فـي الـبـراري      وركـبـهـمُ نـزيـعٌ حـيث يضوى

كـأنَّـهـمُ الــديــالــمَ فـي ســبـــاءٍ      عيونُ الـسـوءِ تـخـزرهـمْ رِنـوَّا

وإنَّـهـمُ ولازالــتْ حــبــاهــــــم      عواقدَ فـي ذرى شــمـختْ سُمُوَّا

بـيـوتٌ أنــزلَ الـرحــمـنُ فـيـها      جـلالَ الـوحيِّ فاستــعـلـتْ عُلوَّا

على عذباتِها جبريلُ أرســـــــى      جناحاً واسـتـعـــزَّ بها دِنـــــــوَّا

وفاطمُ من سراجِ الوحيِّ ضـوءٌ      تـزاحُ بـه الـدجـنّـةُ حين ضوّى

وفاطمُ من نسيجِ الخــــلـدِ روحٌ      تضوعُ بـمسكِها الـدنــيـا زُهــوَّا

وفاطمُ من رؤى الإيـمانِ طيفٌ      وفـاطمُ فـي فـمِ الأجـيـالِ نجوى

وسـيـدةُ الـنـســاءِ بــلا مـنـاصٍ      وروضُ عـقـيـدةٍ ومنـارُ تـقـوى

رعَتْ ذممَ الأنـوثةِ في احـتشامٍ      وإصـرارٍ مـن الإصـرارِ أقـوى

وفرعُ الغصنِ بالأعيـاصِ جثلٌ      مـن الـثـمـراتِ مُـكـتَـسِـبٌ نُـموَّا

هيَ الأخلاقُ شـامـخـةٌ عـلاهـا      ولا تـزنِ الـتـبـجُّـحَ والـغُــلـــــوَّا

ألا إنْ شـئـتَ فـاستجلِ السجايا      مـن الـزهـراءِ واتَّـرِكِ الــعــتـوَّا

هيَ القيمُ الأصـائلُ فـي كـيـانٍ      تـنـاسـقَ واسـتـوى جـذراً وعلوا

ونكتفي بهذا القدر من نماذج قصائده الكثيرة في مدح ورثاء أهل البيت (ع) ففي ما ذكرناه يعطي صورة واضحة على مدى ولاء الشاعر لهم (ع) وتفانيه في حبهم ونختم نماذج شعره بالقصيدة الخالدة في حق الإمام الحسين التي تناقلتها الأفواه واعتلت لافتات الحزن في عاشوراء:

كذبَ الموتُ فالحــســــيـــــنُ مُـخَلّدْ      كُلّما أخْلِـــــــــــقَ الزمـانُ تجدَّدْ

هو حيٌّ ميتاً ويـــــا ربَّ حـــــــــيٍّ      ماتَ من قبلِ أن يمـوتَ ويُلـــحدْ

يا شهيداً إلى الـسـمـــــاواتِ موفَـــدْ      ماثلٌ أنتَ في الأداهيــــرِ سَرمدْ

ليسَ يردى من فـي الـدّجــنّــةِ أوقدْ      ضاحياتُ الشموسِ والأفقُ أربـدْ

ورأى شـرعةَ الـنــــبــــــــيِّ مُحمّدْ      سامَها الخسفَ عابثٌ يتمـــــــرَّدْ

ورأى الـمـجـدَ مـاضـيـاً ليسَ يُغـمَدْ      والمنايا عِزاً إذا الــــــضَّيمُ عَرَّدْ

سورةُ الـنـفـسِ بـرهـةً ثـمَّ تـــــــنفدْ      ومِنَ الــــــــروحِ عنفوانٌ مُـجَدَّدْ

حـلـمُ الــواهـمـيــن أن يـتـبَــــــــدَّدْ      شملُ هذا البناءِ مِن مـــجدِ أحـمدْ

ذاكَ هيهات أن يُرى أمس في الغَدْ      ألفُ ليلٍ يضــــــــوءُ شـمعٌ يُبـدَّدْ

وطريقُ الشهيـــــــــدِ للـحرِّ مُوعَدْ      رغمَ دعـــــــــوى مـجـانفٍ يَتعنَّدْ

للبلى النكس والعلا حظ أصــــــيَدْ      ما رأى العيشَ أن يموتَ ويُـهمَـدْ

إن وردَ الشهيــــــــدِ ليسَ بمُصْرَدْ      سائغٌ شربُه وعذبٌ مُـشـــــــــــهّدْ

يا ابنَ بنتِ الرسولِ يا خيرَ مقصَدْ      إن تمادى ليل الــــــــــخنا وتلبَّــدْ

لستُ كفؤاً بأنْ أقولَ وأقـــــــــصدْ      أنتَ فوقَ القصـيدِ شــــأواً وأبـعَـدْ

يا دماً سحَّ والسمــــــاواتُ تـــشهَدْ      تغتلي كربـــــــــلا منــــهُ وتحرَدْ

فوقَ رمضائِها حدودٌ تــــــــــخـدَّدْ      ودموعٌ تهمي وآهٌ تصـــــــــــــعّدْ

ونساءٌ تُسبى وغصــــــــــنٌ يؤوَّدْ      هوَ من دوحِ حيــــدرٍ قدْ تَنَــــضَّدْ

توفي الحائري في كربلاء وأقام له اتحاد الأدباء احتفالا تأبينيا في أربعينيته في قاعة الرسول الأعظم في كربلاء شارك فيه كبار شعراء المحافظة بقصائد رثائية ومن الذين رثوه الشاعر الشيخ محمد علي داعي الحق الذي رثاه بقصيدتين يقول من الأولى:

إصـدح عـلـيّ بـروعـةِ الإنـشادِ      هـذا تـراثُـكَ كـعـبـةُ القصَّادِ

واسـتوحِ مِّـمَـا قـلـتـه مـتـرنِّـمـاً      في موكبِ الإيمانِ والإرشادِ

أعوامُكَ السبعونَ كان وميضُها      لـهـبـاً بـحومةِ نهضةٍ وجهادِ

ناضـلـتَ فـي لـهـوائِها متوهِّجاً      وأنرتَ دربَ الـفـكرِ بالإيقادِ

ويقول من الثانية:

نَمْ في قرارِكَ نـابـغُ الشعراءِ      فلقد بلغتَ مشارفَ الجوزاءِ

نَـمْ مُـسـتـريـحاً يا عليُّ فهذهِ      آثـارُكَ الـشـمَّـاءُ رمـزُ بـقـاءِ

مستنهضاً هِممَ الشبابِ تـغذّه      سـيـراً لـنـبـلِ الغايةِ القعساءِ

قضَّيتَ عمرَكَ ألمعياً واهباً      غُـررَ الـقـصيدِ مُربِّيَ الأبناءِ

ورثاه الشاعر الكبير شاكر البدري بقصيدة مطوَّلة مبكية يقول منها:

يا سميرَ الصِّبا وطيفَ ليالي      أيُّـهـا الـحـائري نبعُ اللحونِ

نصفُ قرنٍ كنّا نغني لجرحٍ      لـمْ يزلْ نزفُه بعمقِ شجوني

يا الـحـسينيُّ يا هديرَ سكونٍ      أحلى ما عشتُه رفيقَ سكونِ

ورثاه صاحب هذه السطور بقصيدة تبلغ (62) بيتا منها:

مجَّدتُ فيكَ خُطى الإبداعِ في الشجنِ      فـأثـمـرتْ نـفـثـةٌ مـن صـدرِ مُفتَتَنِ

الـحـائـريُّ وهـلْ لـلـشـعـرِ بـاقــيــــةٌ      تشدو مع البشرِ أو تبكي مع الحزنِ

إنـي انـحـنـيـتُ بـإجـلالٍ وبــي كــبرٌ      أمـامَ دوحـتِـكَ الـشـمَّـاءِ كـالـغُـصُنِ

حـيـتـكَ غـاديـةُ الإصـبـاحِ فـي جـللٍ      تـسـقـي ضريحَكَ وطفاءٌ مِن المزنِ

محمد طاهر الصفار

..................................................................................

1 ــ البيوتات الأدبية في كربلاء ص 343 ــ 348

2 ــ شعراء كربلاء ج 3 ص 209

3 ــ البيوتات الأدبية في كربلاء ص 344

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً