274 ــ طالب الحيدري: ولد (1346 هـ / 1927 م)

موسوعة الامام الحسين

2020-12-30

293 زيارة

قال من قصيدة (اليوم المخضوب) في الإمام الحسين (عليه السلام):

و(كربلاء) بـمـا فـي حرِّ تربتِها      منَ الدمِ الـحـرِّ دربُ الانـبعاثاتِ

سوطٌ علـى الظلمِ هـدَّارٌ وأغنية      عـلـى فـمِ الحقِّ تجري كالمناجاةِ

قبَّلتُ تربتَها السمراءَ في شغفٍ      أستافُ عطرَ الدما بلْ في مباهاةِ

وقال من قصيدة (التراب المخيف):

وهلْ (كربلاءُ) الأمسِ قامـتْ جـديدةً      وقـامَ الأُلى كانوا يـعدّون للجلى؟

وهـلْ نـشـرَ الـعـباسُ للنـصـرِ رايـةً      وجـرَّدَ سـيفاً ينشرُ اليتمَ والـثكلا؟

وزيـنـبُ هـلْ فـيـهـا بـقـيـةُ صـرخةٍ      إذا ارتفعتْ مـادَ الـسـرير لينـثّلا؟

أجلْ إن ثأر اللهِ في الأرضِ لم يمتْ      وذكرى حسينٍ تأنفُ الـقيدَ والغُلا

وقال من قصيدة (تحت الرماد الضِغن) التي كتبها الشاعر بعد تعرّض مدينتي كربلاء والكاظمية المقدستين لتفجيرات عنيفة سقط على إثرها المئات من الشهداء والجرحى الذين كانوا يحيون مراسيم زيارة عاشوراء سنة 1425 هـ / 2004 م) بعد سنوات طويلة من منع النظام البعثي البائد هذه الزيارة وممارسة إجراءات تعسفية بحق الزائرين:

في يـومِ عـاشـوراءَ جـدَّدتـمْ لـنـا      قتـلَ الحـسيـنِ وصحبِه وبنيِّهِ

و عــداؤكــمْ لــمـحـمــدٍ و لآلِــهِ      داءٌ ومـا مــنْ بـلــسمٍ يــشفيهِ

تحتَ الرمادِ الضغنِ فيكمْ جمره      لا شـيء غــيـر دمائِنا تطفيـهِ

واســتـهـدفـتْ لـلجاهليــةِ أســهمٌ      قـلــبَ النبــيِّ محمــدٍ تدميــهِ

فـي (كربلا) والـكاظميـةِ يـومكمْ      فـي يـومِ عاشـوراءَ كنَّـا فيـهِ

نمضي وغـايتُنـا الـشـهـادةُ إنَّـهـا      بابُ الخلـودِ وجنَّــةُ الترفيــهِ

ومنها:

سنظلُّ نُحيي (كربلاء) ويومَها      وحسينُها بـــدمـائِـنـا نفديــهِ

ويظلُّ حبُّ أبـي تـرابٍ وابـنـهِ      دربُ الهدى ومنارةَ التوجيهِ

ونقضُّ مضجعَ كلِّ عاتٍ ظالمٍ      وبجذوةٍ من حـزنِـنـا نـشـويهِ

الشاعر

السيد طالب بن هاشم بن عبد الحسين الحيدري، شاعر كبير يعد من رواد الحركة التجديدية في الشعر العراقي الحديث، والقصيدة الحسينية، ولد في الكاظمية من عائلة علوية علمية عرفت بـ (الحيدري) يعود نسبها الشريف إلى الحسن المثنى بن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)

وكان جد هذه الأسرة الشريف عز الدين حميضة بن محمد أبي نمى الحسني أمير مكة هو أول من انتقل إلى العراق حيث غادر مكة سنة (701 هـ / 1300 م) وخلّف عليها أخاه الأمير رميثة، وكان ابن الأمير رميثة الأمير عطيفة أول مؤسس لسدانة الروضة الكاظمية المطهرة، وإليه تنسب منطقة (العطيفية) في بغداد.

وقد توزّعت ذرية الأمير حميضة في العديد من مدن العراق فسكنوا النجف وسامراء والعمارة وواسط وبغداد، وعُرفوا بالسادة النمويين ومنهم: آل الحبوبي، وآل خضر، وآل علي، وآل حسن، وأل عبد الله، وآل البغدادي ... وآل الحيدري وغيرهم.

وقد سكنت أسرة الحيدري بغداد وعُرف رجالاتها بالعلم والأدب وقد برز من هذه الأسرة كثير من أعلام الفقه والأدب، وكان والد الشاعر طالب الحيدري شاعراً وكذلك جد والدته فتلقن الشعر منذ طفولته.

في هذه الأجواء نشأ الحيدري وهو ينهل من مكتبة أسرته فقرأ كثيراً من مصادر التاريخ الإسلامي ودرس في حوزات الكاظمية والنجف، واكتسب ثقافة واسعة وألمّ بالحوادث التاريخية وخاصة واقعة الطف التي ألهمته روح التحرر والانعتاق والشجاعة، فكان ذا رأي ثاقب بالواقع الذي يعيشه العراق فوظف ثقافته التاريخية في رصد أحداث الواقع بشجاعة وصلابة ومبدئية.

وقد كتب الدكتور عبد الرزاق محي الدين ــ رئيس المجمع العلمي العراقي ــ عن خصائص شعر الحيدري في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) فقال:

(ورثاء الشاعر الحيدري شطر مما رثي به الإمام في هذا الجيل، وقد امتاز بما يصطبغ به جيله من روح الدعوة إلى التحرر من الاستعمار في أي لون من ألوانه، وإلى نشر العدالة الاجتماعية بين الناس في كل طبقة من طبقاتهم.

وهو إذ يشهد في بلاده مأساة التمييز الطبقي والتحكم المركزي من جانب نفر محدود مجدود، يصل ثورته النفسية بثورة جده الحسين، فينفّس عن نفسه وعن نفوس معاصريه بما تحييه ذكرى الحسين في نفوس الناس من ضرورات رفع الحيف عن الشعب بسبب من أسباب التضحية والفداء . ذلك الفداء الذي لا يعني غلبة ظالمة، ولا مغلوبية مستخذية، وإنما هو فداء يشبه ما تصطنعه الأمم والشعوب المدركة البانية حين تطالب بالإنشاء الجديد لعيش حر جديد). (1)

كتب الحيدري الشعر وهو في سن العاشرة، وكان يلقي الخطب الدينية والقصائد الطويلة دون الوقوع في الأخطاء النحوية، وكانت شاعريته تنمو بسرعة حتى أصبح شاعراً كبيراً ينافس بشعره كبار الشعراء، وهو لم يبلغ العشرين وبلغ مكانة سامية عندهم وكانت كفاءته ونبوغه يفرضان ذلك في المحافل الكبيرة.

فعندما توفي المرجع الديني الكبير السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني (قدس سره) في الكاظمية عام (1365 هـ / 1946م)، أقامت له هيأة منتدى النشر في النجف الأشرف حفلاً تأبينياً، حضره المرجع الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، كما حضر الحيدري الحفل مع والده العلامة السيد هاشم وكان عمر الحيدري آنذاك تسعة عشر عاماً، وقد أعد قصيدة في رثاء الأصفهاني لإلقائها في الحفل الذي ضمّ كبار شعراء النجف والكاظمية.

وجلس الحيدري مع والده إلى جنب الشيخ كاشف الغطاء الذي سأل الشاعر إن كان قد أعد قصيدة لهذه المناسبة فأخرج الحيدري قصيدته وأعطاها له، فلما قرأ كاشف الغطاء مطلع القصيدة أمر القائمين على الحفل بالسماح له بالقراءة.

كما بلغ من نبوغه الشعري أن شكك بعضهم في نسبة قصائده له بسبب حداثة سنه حتى اضطر الدكتور مصطفى جواد لاختباره بكتابة قصيدة في موضوع اختاره هو فنجح الحيدري نجاحاً باهراً، ويعلق السيد طالب على هذا الاختبار: (وهل غاب عن بال الدكتور ما ورد من أن الشريف الرضي كتب  قصيدته الشهيرة (كربلا لازلت كربا وبلا) في رثاء الحسين وهو في الثامنة)؟

كما أعجب الدكتور طه حسين بشعر الحيدري فعندما سمعه قال: (ما أشك في أن له حظاً عظيماً من الاستعداد للتفوق في الشعر وهو قد يبلغ الاجادة الرائعة أحياناً على حداثة سنة).

اشتهر الحيدري بإكثاره من الشعر وإطالته في القصيدة دون أن تفقد حماستها وجماليتها وقد مكنه خياله الخصب وثقافته الواسعة على الاسترسال في الصور وقد أصدر عدة دواوين منها:

1 ــ ألوان شتّى

2 ــ رباعيات

3 ــ نضال

4 ــ معلقة العشق

5 ــ الألواح

6 ــ الدموع

7 ــ المرايا

8 ــ الرحلة

9 ــ الملحقات

10 ــ من وحي آل الوحي / وهو خاص بأهل البيت (عليهم السلام)

11 ــ الباقيات الصالحات

12 ــ الحجازيات

كما ترجم رباعيات عمر الخيّام شعراً.

عُرف الحيدري بشعره السياسي المناهض للاستعمار والطبقية ومحاربة الفساد والوقوف مع الفقراء والمسحوقين وقد تعرض بسبب ذلك إلى كثير من المضايقات والاعتقال والاقامة الجبرية وقد وصف الأديب الدكتور جورج حنّا إحدى قصائد الحيدري السياسية وهي قصيدته (سيري جموع الشعب) بأنها: (أقوى من فرقة في الجيش العراقي).

وقال عنه الشيخ محمد رضا الشبيبي: (مناضل عانى ما عاناه من الإرهاق والتعسف، ووضع تحت المراقبة، ولاحقه رجال الأمن، وحُدّدت حريته بسبب مواقفه الوطنية، ومثل أمام محاكم التحقيق). (2)  

أما بالنسبة لشعر الحيدري وشاعريته فقد كتب وقال عنه الكثير من أعلام الأدب والشعر وهذه بعضها:

قال عنه الشيخ محمد رضا الشبيبي: (فهو شعر يتميز بالانسجام والانسياب اللطيف إلى النفس، فلا تقعر ولا تكلف هذا من ناحية مبانيه، وأما من ناحية معانيه فإنه تصوير جميل للعواطف والأحاسيس، وحماسة مشبوبة، وهدير داخلي عميق يشعرك بتلاطم أمواجه واصطخابها في أعماق نفسه الثائرة). (3)

وقال عنه الشيخ جلال الحنفي البغدادي: (الشاعر طالب الحيدري من شعراء المطوّلات ذات العطاء الخصب والإبداع في السبك، وهم في الجيل الحديث جد قليلين، وقد صدرت له مطولة بعنوان " معلقة العشق " دلّت على اقتدار متميز في العروض، واكتناز ضخم لمفردات الروي والقافية، وعلى تمكّن في آفاق اللغة ومفردات الفصيح من الكلام الشاعري) (4)

وعندما نشر الحيدري كتابه (دم شهيد) وكان عمره آنذاك (24) سنة، كتب له خطيب الكاظمية وشيخ الخطباء المرحوم الشيخ كاظم آل نوح مقدمة للكتاب فكان مما قاله:

(وقد كتب هذا الشاب الألمعي كتابه في الحسين عليه السلام على طراز خاص وتعمّق في تحليل هذه الحادثة بإيجاز وقد استخرج من فصول بحثه معانياً مبتكرة وهو على إيجازه رائع المعاني والبيان سلس العبارة يدل على التضلّع في الأدب بمهارة ...)

وقال عنه الدكتور عبد الرزاق محي الدين: (شعر السيد طالب الحيدري من حيث ما يتميز به من الأصول الفنية يعد من أحفل الشعر العربي، وأكثره توفّراً على خصائص الشعر العالي الممتاز، ديباجة مصقولة رائقة، ومعان عالية صاعدة وغرض يضفي عليهما النبل وحسن القصد. وقلّ أن تجد في معاصريه من أبناء جيله من بلغ مبلغـه فيما استوفى في نواحي لفظه ومعناه ومقاصده) .

كما كتب عن الحيدري وأشاد بشعره من الأعلام إضافة إلى هؤلاء كل من: بشارة الخوري, وعلي الشرقي, ومحمد مهدي البصير, ومصطفى جواد, وجورج حنا, ومارون عبود، ومحمد بهجت الأثري، والدكتور يوسف عز الدين، وداود سلوم، ونوري الصولي العاملي وعبد العزيز البابطين وأميل يعقوب وغيرهم.

وكتب عنه الباحث والإعلامي عبد المنعم ناصر العيساوي رسالة ماجستير بعنوان: (شعر طالب الحيدري ــ دراسة فنية)

شعره

لقد هام الحيدري بحب الإمام الحسين (عليه السلام) ووجد فيه المثل الأعلى للثائر المصلح الذي يسعى إلى الإصلاح في الأمة ومقارعة البغي والفساد مهما بلغت التضحية يقول في إحدى لقاءاته: (كان الحسين عليه السلام ملهمي الأول، وقد كتبت فيه أول بيت وأول قصيدة، وللحسين وجود في مدينتي طوال أيام الحول، وعنه تقام الحفلات الحافلة بالشعر كلما هل هلال محرم من كل عام).

يقول من قصيدته المشهورة ونشيده الحسيني: (أنا الحسين بن علي):

نـزلْـتَ حـومـةَ الـوغـى      بـسـابـقٍ مُــحــجَّــــلِ

فـيـا سـمـاءَ كـــبِّـــــري      لـطـلـعـتـــي وهلِّـــلي

فــإنَّ فـــيَّ جــحــفــــلاً      يـفـوقُ كـلَّ جـحـفـــلِ

وإنَّ فــيَّ مــــوئــــــــلاً      لـلـحـقِّ أيَّ مـوئـــــلِ

فـهـلْ عـلـمـتِ مـن أنــا      أنا الـحسينُ بن عــلي

فـيـا عـسـاكـرَ الــعِــدى      تـراجـعـي فـي فـشـلِ

فـنـحـنُ لا نُـعـطـي يـداً      وإنْ نـمُــتْ أو نُـقـتـلِ

ونـحـنُ لا نـرضـى بأن      نـعـيـشَ فـي تــذلّــــلِ

فـالـمـوتُ بـالـعــزَّةِ أحـ      ـرى بـالـكـمـيَّ البطلِ

فيا رحى الحرب استديـ      ـري فـوق كـلِّ كـلكلِ

ويـا سـيـوفَ صـرَّعــي      ويـا رمـاحَ جــنــدَّلـي

ويـا خـيـولَ حـمـحـمـي      ويـا سـهـامَ ولــولـــي

ويـا بـنـودَ رفــرفـــــي      ويـا رواةَ سـجِّــلــــــي

وأنـتَ يـا جـوُّ فــكــــن      كـقـطـعـةٍ مـن قـسـطلِ

وابـتـلـعـي الـدمــاءَ يـا      أرضَ ومـنـهـا فـامتـلي

ويـا رجـالـيَ أقــدمـــي      وجـرِّحــي وقـــتِّــــلـي

لا تـرهـبـي جـمــوعهمْ      فإن رهـبـتِ تـفـشـلــي

وأقـدمـي عـلـى العـدى      وبـالـمـيـاديــنِ انـزلــي

شـجـاعـةُ الفتى صــعو      دٌ لـلأحـبِّ الأجــمـــــلِ

كـمْ ذي سـلاحٍ يـتـهـــا      وى تحتَ رِجلَيْ أعـزلِ

وشـيِّـدي لـلـمـجـدِ والـ      ـرفـعـةِ أعــلــى مـنــزلِ

وبـعـد هـذا فـاشـربــي      (بـالعـزِّ كـأسَ الحنظلِ)

ألا فـقـلْ لاُمَّـــتــــــــى      هـبِّـي ولـلـمـجـدِ اعملي

كـونـي أجـــلَّ اُمَّــــــةٍ      بـالـعـمـلِ الــمــتَّــصـــلِ

مـالـي أراكِ فــي قـيـو      دٍ كـالأسـيــرِ الأعــــزلِ

مـالـي أراكِ لـيـتَ شعـ      ـري في المحلِ الأسـفلِ

ألا فـكـونـــي حــــــرَّةً      مـن الــطــــــرازِ الأوَّلِ

لا تـقـبـلـي الـحـيـاةَ في      مـذلَّــــةٍ لا تـــقــبــلـــي

فـإنْ نـزلــتِ لـلــوغـى      والـعـزُّ فـي أن تـنـزلـي

فـفـاضـلـي صــابــــرةً      وبـالـمـنـايــــــا دلّــلـــي

وأقـبـلــي بـــاســـمـــةً      عـلـى الـمـنـونِ أقــبــلي

لا تغمدي السيوفَ حتـ      ـى تَـقـتُـلـي أو تُـقـتَــلي

فـمــن أنــا فـمــن أنــا      أنـا الحـسـيـن بـن علـي

وقال من قصيدة (بطولة):

أأخضعُ؟ لا وعـوالي الـرماح      وهذا حـسامي، وهـذا دمـي

إذا أنا لمْ أنـتـفضْ كـالأســـودْ      فمــا أنــا بالفــارسِ المعلــمِ

وكـيــفَ يــقـرُّ قـرارَ الـعـبـيدْ      من كان للـمصطفى ينتمي؟

فإن عشتُ عشتُ رفيعَ المقامِ      وإن مُتُّ وُسِدتُ في الأنجـمِ

مزايا البطولةِ تأبى الخضوعِ      وتـنـكــره شــيـمُ الــضـيـغـمِ

وقال من قصيدة (في لهوات الحرب):

أبـيٌّ بـه صـاحَ الإبــاءُ فــشــــمَّــرا      وأقـســمَ إلّا أن يــثــورَ مُــحــرِّرا

وقـال لـهـا: يـا نـفـسُ كـونـي أبـيَّـة      ولا تــرِدي إلا الــدمَ الـمــتــفـجِّـرا

أنا ابنُ عليٍّ أثبتَ الناسِ في الوغى      وأشـجـعَ مـن قادَ الخميسَ المظفَّرا

سأركبُها في عزمـةِ الليـثِ صـعـبةً      وقاحاً إلى حيثُ العلى تَحمدُ السرى

وحيثُ الحفاظُ الـمرُّ يـصرخُ بالفتى      فـيـنـسابُ ثعباناً ويـسطو غـضنفرا

إذا أنـا لـم أنـهـضْ لـتـحـريــرِ أمَّـةٍ      بـنـاهـا رســولُ اللهِ لــن تـتــحــرَّرا

وقال من قصيدة (ماذا يقول الشعر):

للهِ يومُــكَ يــا أبــا الــشـهداءِ      مــن هـــادمٍ ومـــجـــدِّدٍ بـنّـــاءِ

يومٌ تضاءلتِ الـدهـورُ أمامَه      حـتـى تـخطّى هـامـةَ الجــوزاءِ

أرسلته عنوان سـفـرٍ حـافــلٍ      بالتضحياتِ مـخـضَّـبَ الأجزاءِ

وبه دفعتَ إلى الكرامـة أمـةً      أغضتْ على كرهٍ مـن الإغضاءِ

أعطيتها درساً كما لم يعطها      بـطـلٌ وسـرتَ بـهـا إلـى العليـاءِ

علّمتهــا أن الكرامــة تبتنـى      بـجـمــاجم الأبـطــالِ والــشهـداءِ

علّمتهــا أن الــضحايا شــعلةٌ      تهــدي إلــى الحرِّيــةِ الحمــراءِ

وقال من قصيدة (اليوم المخضوب):

يـا أوحـــدَ الـنـاسِ لا بـلْ يـا أحـبَّـهــمُ      إلـى الـنـفـوسِ الكئـيـباتِ الـمـعنَّاةِ

واســيـتَ بـــالــدمِ إنـسـانـيـةً عـبـثـتْ      بـهــا ريـاحُ سـلاطـيـنٍ وقــــاداتِ

وقـلـتَ لا خـيـر فـي عـيـشٍ يـقـر بـه      عـلــى الـدنـيـة أشـبـاه الرجــالاتِ

بـالـمـصـرعِ الـهادمِ البنّاءِ شـدتَ لـنـا      مجـداً وألْهبـتَ روح الانتفـاضـاتِ

و(كربلاء) بـمـا فـي حـــرِّ تـربـتِـهــا      من الـدمِ الـحـرِّ دربُ الانـبعـاثـاتِ

سـوطٌ عـلـى الـظـلـمِ هـدَّارٌ وأغـنـيـةٌ      على فـمِ الـحـقّ تـجـري كالمناجـاةِ

قـبَّـلـتُ تـربـتَـها السمراءَ فـي شـغفٍ      أستاف عطر الـدمـا بـل في مباهاةِ

أستافُ عطرَ الأغاني الحمرِ خضَّبَها      دمُ الـشـهـادةِ قــدســــيُّ الإنـــاراتِ

وقـفـتُ أسـتلهمُ الـذكرى علـى جـدثٍ      ضــم الإبــاء وضــم الـعـبـقريــاتِ

هـنــا تـرجَّــلَ لـلـهـيجــاءِ فــي جلــدٍ      مُـرٍّ وصـارعَ جيـشاً طاغيـاً عــاتي

لـقائمِ السيفِ أعطى ــ لا لهـمْ ــ يـدَه      وقالَ: هـاتِ الرَّدى فـي عـزةٍ هـاتِ

الـموتُ مِنْ أجلِ أفكارِ الفتى شـرفٌ      لا خـيـرَ فـي عـيشِ ذلٍّ أو مــداجـاةِ

وقال من قصيدة (شهيد كربلاء):

هذا ضريـحُـكَ في تـحـدٍّ شـامــخٍ      من ألـفِ عامٍ يـلـعـنُ الـمُـتـوكِّـلا

طافتْ به الأجيالُ تـمـسـحُ ركـنَـه      وتشمُّ من زاكـي الـتـرابِ مـقبَّلا

يا مـعـطـيـاً حـقَّ الـبـطـولـةِ عِزَّةً      وتـرفُّـعــاً وســمـاحـةً وتفــضُّـلا

ومـعـبِّــداً لـلـثــائـريــنَ بـروحــهِ      ودمـائـه الدربَ الأشـقَّ الأطـولا

من أينَ لي لغةُ الـدمـاءِ فأحـتـفـي      بــك ثــائـراً بـدمــائــه متــزمِّـلا

ولقد صبرتَ فـكنتَ أعظم صابرٍ      حين ابتُليتَ وكنتَ أرضى مُبتلى

الصرعةُ البِكرُ الجسورةُ زلزلتْ      حـكـمَ الـطـغـاةِ بـوقعِهـا فتزلـزلا

إن نَبكِ مصرَعَكَ الرهيبَ فإنَّمـا      نـبـكـي المروءةَ والـفتـوَّةَ والعُـلا

نـبـكيكَ محتفليـنَ بالنـصرِ الـذي      حـقْـقـتـه والـدمـعُ عـنـوانُ الـوِلا

وقال من قصيدة (الناس نفس الناس):

خضِّبْ كريـمـتَـكَ الـكـريمةَ بالدمِ      والقَ الإلهَ بـنـحـرِكَ الـمُـتــبسِّمِ

يـا ثــائــراً تــركَ الزمـانَ وراءه      متعثّرَ الأنـفاسِ مـبـحـوحَ الـفـمِ

الــثــائــرونَ وأنـــتَ أنـبـلُ رائـدٍ      لـلـثـائـريـنَ وأنـتَ خـيـرُ معلّـمِ

يتضاءلونَ أمـامَ مــجـدِكَ كـلّـهــم      لن يـبـلغوا عتباتِ هـذي الـسلّمِ

خضِّب وَوَعِّ النائمينَ على القذى      الـقـانـعـيـنَ مـن الـشرابِ بعلقـمِ

الـخـانـعـيـنَ وفـي أعـزِّ رقـابِـهم      تلهو السياطُ السودُ في يدِ مُجرمِ

أرِهمْ يديكَ خـضيـبـتـيـنِ لـعلّهـم      يجدون معنى النور في لونِ الدمِ

وقال من قصيدة: (مشينا على نفس الخطى)

ويا هذهِ الـذكـرى الـتي كلمَّا دَنَتْ      عـرفـنـا لـها كم نحـنُ كنَّا مَديـنـيـنـا

نـمـدُّ أكـفـاً تـطلبُ النورَ والـقِـرى      فجودي علينا وارحـمينا مـسـاكـيـنا

يـريـدونَ إطـفـاءَ الـحقـيـقةِ وأدَها      ونـحـنُ جـنـودُ الـحـقِّ واللهُ كـافـيـنـا

سنمشي على نفسِ الطريقِ تشدُّنا      خُـطـاكَ إلـيـهِ إن أبــيـنـا وإن شـيـنـا

ومهمـا تمزَّقنــا ومهمــا تــشعَّبتْ      دروبٌ ســنـبـقـى ثـائرينَ مُــضحِّينا

توحِّــدُنا ذكــراكَ حمــراءَ تلتظي      تجـنّـدُ من أوهـى البغـاثِ شـواهـيـنا

إذا مــا اشــتعلنا نخــوةً وعـقيــدةً      فما من قوى في هذهِ الأرضِ تطفينا

ومنها :

قوافيــكَ أولــى بــالـخـلودِ لأنَّـهــا      مـن الدمِ صيغَتْ ما جـلالُ قوافـيـنــا؟

من الشهداءِ اخترتَ كلَّ حـروفِـها      ومن أدمعِ الأسرى ابتكرتَ الموازينا

فيا ريشةً مـن ثـورةِ اللهِ صُـوُّرَتْ      ومن ثـأرِهِ أبـدعـتَ رسـمـاً وتـلـويــنـا

تشامختَ بالأجيالِ حتى تطامـنـتْ      نـواصـي الـلـيالي ترتقي بـكَ ميمونــا

أريتَ يزيـداً والطواغـيـتَ كـلّـهـمْ      إلـى آخـرِ الـدنـيـا الـمـذلّــةَ والـهـونــا

يخافونَ من ذكراكَ يخشونَ نارها      يـخـافـونَ نـوراً يـكـشـف الـمـسـتبدِّينا

تُـقـتّـلُ مـنـهم مـن تـشاءُ مـضرَّجاً      قتيلاً كأنْ لم تمسِّ في القبرِ مــدفـونـا

وتـصرخ بالمستـضعفينَ تماسـكوا      وثـوروا وكـونـوا سـادةً لا أذلّــيــنـــا

وقال من قصيدة (التراب المخيف):

يخافونَ حتى من ترابِ ابنِ فـاطـمٍ      ومن رِممٍ يُـبـلـى الـزمانُ ولا تُـبـلـى

ومن قـبلِهمْ كمْ خابَ مـن مُـتـوكِّـلٍ      كــأنـهـمْ مــن خيـبــةٍ قُـتِّلــــوا قــتـلا

برجليهِ من تحتِ الترابِ يـدوسُـهم      ويـركـلُهمْ من أجلِ إذلالِـهـــمْ ركــلا

إذا مرَّتِ الذكرى الألـيـمـةُ جنّـدوا      جنودَهمُ واستنفروا الـحَـزنَ والسَّهلا

تكـادُ دمـوعُ الـبـائــسيـن إذا بـكَـوا      تــشـكِّـلُ طـوفانــاً يـمــزِّقُـهمْ شــملا

يجنُّ جنونَ الـحـاكـمـينَ إذا مـشَوا      إلى قبرِه في الطفِّ أو حرَّكوا رجلا

تراهم فـتـرثـي للجنـونِ وتـزدري      مـنــاظرَ من تـمثيلِهمْ تُضحكُ الثكلـى

يريـدونَ تـثـبيتـاً لأمـنٍ مـزعــزعٍ      وعـدلٍ مُـضـاعٍ لـيتَهمْ عرفوا العـدلا

يــؤرِّقُـهـمْ قـبــرُ الحــسيـنِ كـأنَّــه      بـهـذا الـجـلالِ الـضـخـمِ ألبـسهمْ ذُلا

كأنَّ حسيناً قـامَ حـيـاً مـن الـثـرى      وفي وجهِهِـمْ مـن بـأسِه سلَّ ما سـلّا

وحــرَّكَ مِـنْ زوَّارِهِ لاجـتـيـاحِهم      بـراكـيـنَ لا تبقي لأشـخـاصِهـمْ ظـلا

ومنها:

تـرى الـنـاسَ آلافـاً إلـيـهِ تــوجَّـــهــوا      حـفـاةً يـجـرُّونَ الأويـــلادَ والأهـــلا

وقـد وضـعـوا فـوقَ الأكـفِّ دمـاءهـم      يُـلـبِّـونَ صـوتَ الحقِّ لم يخفـروا إلّا

يـقـولـونَ: جِـئـنـا نـاذريـنَ نـفـوسَـنــا      لـخــيــرِ ولــيٍّ صـــامَ للهِ أو صــلّــى

أمـا صـاحَ: هـلْ مِن ناصرٍ نحنُ كلُنا      فِــداءٌ لـه مـهـمـا غـلـونا هـوَ الأغلـى

فـيـا كـومـةً مـن أعـظُــمٍ يقـفُ البِلـى      بـكـلِّ خـشـوعٍ عـنـدها يــسألُ القتلـى:

رمـادَكِ هـذا مـا الـذي قـــد أحــالَـــه      جـحـيـمـاً ومـن أحـيا ليـاليكِ الحبلـى؟

وهلْ (كربلاءُ) الأمـسِ قامتْ جديـدةً      وقـامَ الأُلـى كـانـوا يـعــدُّون لـلجلّـى؟

وهـلْ نـشـرَ الـعـبـاسُ للـنـصرِ رايـةً      وجـرَّدَ سـيـفـاً يـنـشـرِ اليـتمِ والـثكلا؟

وزيـنـبُ هـلْ فـيـهــا بـقـيـةُ صـرخةٍ      إذا ارتـفـعـتْ مـادَ الـسـريـرُ لـيـنــثّلا؟

أجلْ إنَّ ثأرَ اللهِ في الأرضِ لم يمتْ      وذكـرى حـسـيـنٍ تـأنـفُ القيدَ والــغُـلا

سـيبقى على رأسِ الطواغيتِ سـيفُه      يـروِّعهمْ ترويـعَـه مـن مـضـوا قَـــبـلا

ويـبـقى على مرِّ العصورِ ضـريحُه      تَـحـجُّ إلـيـهِ الـناسُ تـستمطرُ الفـضــلا

يـعـزُّ بـهِ مـن قـدْ تـذلّـلَ ضــارِعــاً      وتـضـربُ بـالـذلِّ السماءُ من اسـتـعـلى

وقال من قصيدة: (زينب):

ومـهـزومـةٌ سُـبِـيـتْ كـالإمــاءِ      هـا هـيَ سـابـيـةٌ هـــازمَــــه

وحـسـبُـكِ روعـةُ هـذا الـجلالِ      قـبـراً سـفـيـنـتُـه عــائــمَــــه

يطوفُ السكارى وخمرُ الولاءِ      مـنـهـا لـهـمْ عصمةٌ عاصمَه

ودنـيـاً أبـوكِ قــلاهـــا وصــدَّ      عـنـهـا وطـلَّــقــهـــا آثـمَـــــه

أراهـا عـلـى قـدمـيـكِ ارتـمتْ      تُـصـلِّـي وتـضـرعُ كالخادمَه

تـشـاهـدُ كـيـفَ سـرايا الزمانِ      والـنـاسِ عـائـدةً قــادمَــــــــه

رغـامُ ضـريـحِكِ شُمُّ الأنـوفِ      فـي عـزِّ أقـداسِـهِ راغــمَـــــه

فـأيـنَ الـشـمـاتـةُ والـشـامتون      وأيـنَ الـشـتـيـمـةُ والـشـاتــمَه؟

دعي اللومَ واستسلمي لـلخلودِ      فـمَـا عـادَ لـــومٌ ولائـــمَـــــــه

لقد قصمتْ أظهرَ الـحـاقـدينْ      عليكم بني المصطفى القاصمَة

وعـادتْ حـقـائـقُ قـد أجمعوا      عـلـيـهـا كـأخـيـلـةٍ واهـــمَـــــه

محمد طاهر الصفار

.........................................................

1 ــ مقدمة لبعض من قصائد الحيدري في الإمام الحسين (عليه السلام) نشرت سنة 1952

2 ــ في المقدمة التي كتبها لديوان الحيدري (نضال)

3 ــ نفس المصدر

4 ــ عمود للحنفي في جريدة العراق تحت عنوان: (رؤوس أقلام أسبوعية)

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً