256 ــ صالح الكواز: (1233 ــ 1290هـ / 1818 ــ 1873 م)

موسوعة الامام الحسين

2020-12-11

456 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) تبلغ (42) بيتاً:

ذا قـاذفٌ كـبــِدأ لـه قـطـعـاً وذا      في (كربلاءَ) مقطّعُ الأعضاءِ

ملقىً على وجهِ الصعيدِ مُجرَّداً      في فتيةٍ بـيضِ الوجوهِ وِضَاءِ

تلكَ الوجوهُ المشرقاتُ كأنّها الـ      أقـمـارُ تـسبـحُ في غديرِ دماءِ

ومنها:

مدَّثـريـنَ بـ (كربلا) سـلـبَ الــقـنا      مـزَّمـلـيـنَ على الرُّبى بدماءِ

خَضَبوا وما شابوا وكان خضابُهم      بـدمٍ مـن الأوداجِ لا الـحـنـاءِ

أطـفـالُـهـم بـلـغـوا الـحلومَ بقربِهمْ      شوقاً إلى الهيجاءِ لا الحسناءِ

وقال من قصيدة تبلغ (70) بيتاً:

لئن ثوى جسمُه في (كربلاء) لقىً      فرأسُه لـنساهُ في السباءِ رعى

نـسـيـتـمُ أم تـنـاسـيـتـمْ كـرائـمـكـمْ      بعدَ الكرامِ عليها الذلُّ قد وقعا

أتـهـجـعـونَ وهـمْ أسـرى وجـدُّهمُ      لـعـمِّـه لـيـلُ بدرٍ قط ما هجَعا

وقال من قصيدة حسينية تبلغ (23) بيتا

لمْ أنسَ وقعةَ (كربلاء) وإن      أنسى الرزايا بـعـضَـهـا بـعـضا

من أين بـعـد الـسـبـطِ مفتقدٌ      فيكون عضـبَ حـسـامِـه أمضى

قالوا: الحسين لأجلِكمْ كرماً      شربَ الحتوفَ فقلتُ: لا أرضى

وقال من أخرى:

أمْ عرا ذكرُ (كربلا) منكَ قلباً      حـيـن قـاربـتَ لـلـمـحـرَّمِ شهرا

إنَّ مـتـنـاً شـكـوته طال ما زا      حـمـت فـيـه مـن الـمـلائكِ غرَّا

قـبَّـلـتْ كـفَّـه الـمـلوكُ ونـالتْ      من نداها العافون بيضاً وصفرا

وقال:

أصبراً ليوثَ الحربِ عن يومِ (كربلا)      ولمْ تورِدوا أكبادَها البيضَ والسمرا

أصـبـراً وقـد جَـذَّتْ ضـبـاهـا أنـوفَـكـم      وثَـبْـتُ قـنـاهـا فـي حشاكم لها نهرا

فـهـبّـوا خِـفـافاً يا بـنـي الـمـجدِ وطلُبوا      بـيـومِ حـســيـنٍ إذ غـدا دمُـه هــدرا

الشاعر

صالح بن مهدي بن حمزة, شاعر فذ ولد في الحلة ويرجع نسبه إلى قبيلة (الخضيرات) إحدى عشائر شمَّر المعروفة في الحلة، وكان جو الحلة في ذلك الوقت يعجّ بالمنتديات الثقافية التي كان يرتادها فحول الشعراء.

درس الشيخ صالح النحو والصرف والمنطق والمعاني والبيان على يد خاله الشيخ علي العذاري والشيخ حسن الفلوجي والسيد مهدي السيد داود، وتخرّج في الفقه وعلوم الدين على يد العلامة الكبير السيد مهدي القزويني.

لم تمنعه الدراسة عن مواصلة العمل في مهنته والتي هي مهنة أبيه فكان يبيع (الكيزان) والجرار والأواني الخزفية فاشتهر بلقب الكوّاز.

ورغم رقة حاله وشظف عيشه فإنه لم يتكسَّب بالشعر, فكان يحمل بين جنبيه نفساً أبية تفيض عفةً وشرفاً, فعاش متعففاً عمّا في أيدي الناس, قانعاً بما قدر له من الرزق, مترفّعاً عن الارتزاق بشعره, فكان لا يصوغ أفكار قصائده إلا في مدح ورثاء أهل البيت (عليهم السلام) وخاصة الإمام الحسين (عليه السلام).

ورغم أن حالته المادية كانت بائسة إلا أنه رفض جميع ما عرض عليه من قول الشعر في غير مكانه ومدح من لا يستحق, وقد روى الشيخ محمد علي اليعقوبي الذي جمع ديوان الكواز وحققه:

(إنه طلب منه ــ أي من الشيخ صالح الحلي ــ أحد الأثرياء من أفراد السلطة الرسمية في الحلّة أن يكتب له أبياتاً في رثاء أبيه، ويؤرّخ فيها عام وفاته, لتُنقش على صخرة تُبنى على ضريحه في مقبرة (مشهد المقدّس). ولكن الشيخ صالح رفض ذلك فعرض عليه ذلك الثري مبلغاً كبيراً من المال في ذلك الوقت وهو أربعين ليرة عثمانية لكنه بقي مصمماً على رفضه ولم تنفع وساطة البعض الذين أرسلهم الثري للشيخ صالح في العدول عن رأيه رغم إملاقه وشدة فقره). (1)

لقد كرّس الشيخ صالح شعره في مدح الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وسخّر كل إمكانياته لنشر فضائلهم وإبراز فكرهم وأخلاقهم ومظلوميتهم, كما مدح من يستحق المدح من العلماء الأعلام والفقهاء الكبار والإشادة بدورهم القيادي والتشريعي في المجتمع من الأسر العلمية الكبيرة أمثال آل القزويني وآل كاشف الغطاء.

عُرف الشيخ صالح بالنسك والورع والتقوى والصلاح, يقول عنه الشيخ علي بن الحسين العوضي الحلي في مجموعته:

(كان على ما فيه من الظرف ناسكاً ورعاً متهجّداً يحيي أكثر لياليه بالعبادة طابق اسمه مسماه لطيف المحاضرة حاضر الجواب سريع البديهة لطيفاً في كل فصل وباب كان يسكن محلة (التعيس) إحدى محلات الحلة الشمالية ـ ويقيم صلاة الجماعة في أحد مساجد الجباويين بالقرب من مرقد أبي الفضائل ابن طاووس وللناس أتم وثوق في الإئتمام به) (2).

ويشير الشاعر الكبير السيد حيدر الحلي إلى ذلك في رثائه للشيخ صالح بقوله:

ثكلُ أمِّ القريــــضِ فيكَ عظيمُ      ولأمِّ الصـــــلاحِ أعظمُ ثكلا

قد لعمري أفنيتَ عمركَ نُسكاً      وسلختَ الزمانَ فرضاً ونفلا

وطويتَ الايَّــــامَ صبراً عليها      فتساوتْ عليـكَ حَزناً وسَهلا

طـالـمـا وجـهـكَ الـكريمُ على      الله به قُـوبـلَ الـحـيا فاستهلّا

كما يدلنا الشاعر الشيخ محمد الملا في مرثيته له على تعلقه بالعبادة وملازمته لمسجده:

ذهبَ الـردى منه بـنـفـسٍ مـكرمِ      ومـنّـزهٍ عـن ريــبـةٍ وريـاءِ

يبكيكَ مسجدكَ الذي هوَ لم يزلْ      لكَ في صلاةٍ مزهراً ودعاءِ

لقد كان الشيخ صالح الكواز في طليعة الساحتين الدينية والأدبية فكان إلى جانب عبادته ونسكه وتفقهه يمتلك شاعرية كبيرة يُشار إليها بالبنان, وكانت له مكانة كبيرة بين شعراء عصره, وليس أدل على ذلك من قول السيد حيدر الحلي عنه عندما صدّر إحدى قصائده:

(أطول الشعراء باعاً في الشعر, وأثقبهم فكراً في انتقاء لآلئ النظم والنثر, خطيب مجمعة الأدباء, والمُشار إليه بالتفضيل على سائر الشعراء).

ويقول عنه في موضع آخر:

(فريد الدهر وواحد العصر الذي سجدت لعظيم بلاغته جباه أقلامه, واعترفت بفصاحته فضلاء عصره وأيامه, وفاق بترصيع نظامه وتطريز كلامه أرباب الأدب من ذوي الرتب, ومن رأيه في النظم على كل رأي أديب راجح الشيخ صالح الحلي). (3)

وقال عنه السيّد سلمان هادي الطعمة في مقال له عن الشاعر: «شاعر الحلّة الفيحاء في عهده».

وقال عنه السيد محسن الأمين: (وكان ناسكاً ورعاً يحيي أكثر لياليه بالعبادة ويقيم الجماعة في أحد مساجد الجباويين بالقرب من مرقد أبي الفضائل السيد أحمد بن طاووس وللناس به أتم وثوق) (4)

وقال عنه الشيخ محمد علي اليعقوبي: (كان يجمع بين الرقة والظرافة، والنسك والورع، والتقى والصلاح) (5)

وقال عنه السيد جواد شبر: (كان على جانب عظيم من الفضل والتضلع في علمي النحو والأدب ... وكان يمتاز على أقرانه وأدباء عصره ...) (6)

وقد وصفه السيّد سلمان هادي الطعمة في مقال له بأنه: (شاعر الحلّة الفيحاء في عهده). (7)

وقال عنه الدكتور سعد الحداد: (أديب كبير وناسك ورع وشاعر من الرعيل المتقدم في عصره له مقام مرموق بين أعلام الأدب ورجال الدين حتى وصف بغذاء المجالس ومتعتها، وكان ظريفا فكها إلى جانب تقواه وورعه ..) (8)

لقد كان الكوّاز مسكوناً بالإلهام وكان يعيش ما يمكن أن يُسمى بالحالة الشعرية الدائمة فتراه يتفجّر الشعر من بين جوانحه وتتأجج مشاعره لتنصهر قصائد مشبوبة بأحاسيس مرهفة فذاع شعره وتناقله المنشدون والخطباء في المحافل الحسينية وقد امتاز شعره على شعر غيره ممن عاصر أو تقدّم عليه أو حتى على من تأخر عنه بما اكتسبه من تجربته الشعرية فكان شعره يفيض عذوبة وروعة وخاصة قصائده التي قالها في واقعة الطف وكان إلى جانب شاعريته ملمّاً بالتاريخ الإسلامي وقصص القرآن الكريم وسيرة أهل البيت (عليهم السلام) فكانت قصائده لا تخلو من التلميح والإشارة والاستعارة من الآيات القرآنية والقصص النبوية ليتخلص منها إلى ذكر فاجعة الطف.

يقول الباحث الدكتور علي كاظم المصلاوي: (مثَّلت (علويات) الشيخ صالح الكواز الحلي، وهي قصائده في رثاء الحسين بن علي، وبقيَّة الشهداء(عليهم السلام) منعطفاً مهماً في توظيف الشاعر لآي القرآن الكريم بما يجلب انتباه المتلقي، ويثير فيه الإعجاب والتأمل، فقد كانت القرآنية مهيمنة على نصوصه، مستغلاً إياها في تشكيل صوره، وتحريكها بفعالية عالية، فهو يربط بين النصوص القرآنية أحداثاً وشخوصاً وقصصاً، وما جرى في واقعة الطف الأليمة، وهذه السمة وما شابهها من التضمينات الأخرى رصدها جامع ديوانه الشيخ محمد علي اليعقوبي، حين وصفه بقوله:

نجده يمتاز على شعر غيره ممن عاصره أو تقدَّم عليه أو تأخر عنه فيما أودعه من التلميح بل التصريح على الأغلب إلى حوادث تاريخية وقصص نبويَّة وأمثال سائرة ليتخلَّص منها إلى فاجعة الطف مما يحوج القارئ إلى الإلمام بكثير من القضايا والوقائع ومراجعة الكتب التاريخية). (9)

وقد سُئل الشاعر الكربلائي الكبير الحاج جواد بدقت وكان معاصراً للكواز عن أشعر من رثى الإمام الحسين (عليه السلام) فقال: أشعرهم من شبّه الحسين (عليه السلام) بِنَبِيَيْن من أولي العزم في بيت واحد وهو الشيخ صالح الكواز بقوله:

كأن جسمَكَ موسى مذ هوى صَعِقا      وإن رأسَك روحُ اللهِ مُذْ رُفعا

ويدلنا هذا القول والشهادة من شاعر كبير على شهرة الكواز وذيوع صيته بعد أن تناقل الشعراء والخطباء قصائده.

ويروى إنه حين كتب نونيته العصماء التي رثى بها سيد الشهداء (عليهم السلام) وأهل بيته وأصحابه ومطلعها:

هـلْ بـعـدَ مـوقــفِـنـا علــى بيرينِ      أحيا بطـــــرفٍ بالدموعِ ضنينِ

عارضها جماعة كثيرة من مشاهير شعراء عصره وزناً ورويّاً وفي مقدمتهم الشاعر السيد حيدر الحلي, والشاعر حسن قفطان, والشاعر محسن أبو الحب خطيب كربلاء, والشاعر جواد بدقت الحائري, والشاعر عبد الحسين شكر النجفي, وهذه المعارضة لقصيدته من قبل هؤلاء الشعراء الكبار تدل ـ بلا شك ـ على شاعرية كبيرة ومكانة عالية في سماء الأدب.

ويقول من هذه القصيدة:

الـواثـبــيــنَ لـظـلـمِ آلِ مــحــمــدٍ      ومـحـمـدٌ مــلـقىً بلا تـكـفـيـنِ

ومجمعي حطبٍ على البيتِ الذي      لمْ يـسـتـقـمْ لـولاهُ أمـرُ الديـنِ

والـداخـلـيـنَ عـلـى البتولةِ دارَها      والـمسقـطينَ لها أعزَّ جـنـيـنِ

والـقـائـــلــيـنَ لــفـاطـمٍ آذيــتــنــا      من طـولِ نـوحٍ دائـمٍ وحـنينِ

والـقـاطـعـيـنَ أراكـةً كيْ مـا تقيـ      ـلَ بظلِّ أوراقٍ لـها وغصونِ

والـقـائـديـنَ إمـامــهــم بــنـجــادِه      والـطـهرُ تدعو خلفَهم برنينِ

خلّوا ابن عـمّي او لأكشف للدعا      رأسـي وأشكـو للإلهِ شجوني

ما كـان نـاقـة صـالـحٍ وفـصـيلها      بـالـفـضـلِ عـندَ اللهِ إلّا دوني

أبـتـاهُ هـذا الـسـامـريُ وعـجـلُـه      تبعاً ومالَ الناسُ عن هارونِ

عُرف الشاعر برثائياته المفجعة لأهل البيت وخاصة في رثاء سيد الشهداء وأهل بيته وصحبه الأبرار (عليهم السلام) وقد جمعها الشاعر في حياته وسمّاها بالعلويات وإليها يشير الشاعر حيدر الحلي:

ولكَ الســـائراتُ شرقاً وغرباً      جئنَ بعداً ففقنَ ما جاءَ قبلا

كنتَ أخلــصتَ نيّة القولِ فيها      فجزاكَ الحسين عنهنَّ فعلا

فهيَ الصـالحاتُ بـعـدُ تـبـقّـى      بلســانِ الزمانِ للحشرِ تُتلى

وتبدأ هذه (العلويات) بقصيدته الهمزية التي مطلعها:

باسمِ الحسينِ دعا نعــاءَ نعاءِ      فنعى الحيــاةَ لسائرِ الاحياءِ

بهذه البداية التراجيدية التي تنعى الحياة لسائر الأحياء لعمق الفجيعة التي جرت على الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء يبدأ الشاعر (علوياته) ثم يسترسل تفجُّعاً وألماً:

وقضى الهلاكُ على النفوسِ وإنَّما      بقيتْ ليبقى الحزنُ في الأحشاءِ

ثم يصل إلى هذه الصورة التي أبكت الملائكة:

ملقىً على وجهِ الصعــيدِ مـجَـرَّداً      في فتيةٍ بيضِ الوجوهِ وِضاءِ

تلكَ الـوجـوهُ المشـرقاتُ كأنَّـها الـ      أقـمـارُ تـسبحُ في غديرِ دماءِ

رقدوا وما مرَّتْ بهم سِنةُ الكــرى      وغـفـتْ جـفـونُــهمُ بلا إغفاءِ

متوسّدين من الـصـعـيـدِ صـخورَه      مـتـمـهّدينَ خشونـةَ الحصباءِ

خضبوا وما شابوا وكان خضابهم      بدمٍ مـن الأوداجِ لا الحـــــنّاءِ

وفي قصيدة أخرى يخاطب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقول: إن الحسين والشهداء معه قد سلكوا مسلكه في الإباء والشجاعة وأصبحوا قدوة من بعده فحق له أن يفخر بهم:

أبـا حـــســـنٍ إن الـــذيــن نــمـاهـــمُ      أبـو طـالـبٍ بـالـطــفِّ ثـاراً لـطـالــبِ

تعاوتْ عليهم من بني صخرِ عصبةٌ      لـثـاراتِ يـومِ الـفـتـحِ حـرَّى الجوانبِ

وسـامـوهــمُ إمّــا الــحــيـــاةَ بــذلــةٍ      أو الـمـوتَ فـاخـتـاروا أعــزَّ المراتبِ

فها هُمْ على الغــــبراء مالتْ رقابُهم      ولـمّـا تـمـــلْ مـن ذلـةٍ فـي الـشواغبِ

سـجـودٌ عـلـى وجـهِ الـصـعيدِ كأنَّما      لها في محاني الطفِّ بعضُ المَحاربِ

مـعـارِضُـهـا مـخـضـوبـةٌ فـكـأنَّــهـا      مـلاغـمَ أسْـدٍ بـالــدمــاءِ خـــواضـــبِ

تُـفـجِّـرُ مـن أجـسـامِها السمرُ أعيناً      وتُــشــتــقُّ مـنـهـا أنـهـرٌ بـالــقواضبِ

ومـمَّـا عـلـيـكَ اليوم هوَّن ما جرى      ثـووا لا كـمـثـوى خائفِ الموتِ ناكبِ

أصـيـبـوا ولـكـن مُـقـبـلـين دماؤهم      تـسـيـلُ عـلـى الأقـدامِ دون الـعـراقــبِ

مـمـزَّقـةَ الأدراعِ تـلـقـا صـدورهـا      ومـحـفـوظـة مـا كـان بـيـن الـمـنـاكب

ومنها في الشهيد زيد بن علي (عليه السلام) الذي تأسى بجده الإمام الحسين (عليه السلام) في ثورته واستشهاده:

وزيـدٌ وقـد كـان الإبــاءُ ســجـيّــةً       لآبـائِـه الـــغــرِّ الــكــرامِ الأطــائـــب

كـأن عـلـيـه ألــقـيَ الـشـبـح الـذي      تـشـكّـلَ فـيـه شـبـهُ عـيـسـى لـصـالـبِ

فـقـلْ لـلـذي أخفى عن العينِ قبرَه      مـتـى خُـفيت شمسُ الضحى بالغياهبِ

وهـل يـخـتفي قبرُ امرئٍ مكرماتُه      بـزغـنَ نـجـومـاً كـالـنـجـومِ الـثـواقـبِ

ولـو لـمْ تنمَّ الـقـومُ فـيه إلى العِدى      لـنّـمـتْ عـلـيـه واضـحـاتُ الـمـنـاقـبِ

كـأن الـسـمـا والأرضَ فـيه تنافسا      فـنـالَ الـفـضـا عـفـواً سنـيَّ الـرغائبِ

لـئـنْ ضـاقَ بطنُ الأرضِ فيهِ فإنّه      لـمَـنْ ضـاق فــي آلائــهِ كـلُّ راحــبِ

عجبتُ وما إحدى العجائبِ فاجأتْ      بـمـقـتـلِ زيـدٍ بـلْ جـمـيـعُ الـعـجـائبِ

أتـطـردُ قُـربـى أحـمـدٍ عـن مـكانِهِ      بـنـو الـوزغِ المطرودِ طردَ الغـرائبِ

وتـحـكـمُ فـي الـديـنِ الحنيفِ وإنها      لأنـصـب لـلإسـلامِ مـن كـلِّ نـاصبِ

وللنفوس التي آثرت الشهادة على حياة الذل والخنوع وأبت إلا أن توقد التاريخ بوهج الدماء كتب صالح الكواز عن شهداء الطف شهداء العقيدة والكرامة وفيها من الاستعارات القرآنية ما يدهش القارئ لسعة اطلاعه وتعمقه بعلوم القرآن الكريم:

لي حزنُ يعقوبَ لا ينفكُّ ذا لهبٍ      لصرعِ نصبِ عـينيَ لا الـدمِ الـكـذبِ

وغلمة من بـنـي عـدنـانَ أرسلها      للـجَـدِّ والـدُهـا فـي الـحـربِ لا اللعبِ

ومـعـشـرٌ راودتـهـمْ عن نفوسِهمُ      بيضُ الـظبا غير بيضِ الخرَّدِ العُربِ

فأنعموا بنفـــوسٍ لا عـديـلَ لـهـا      حتى لسيلتْ على الخرصانِ والقضبِ

ويشبّه شجاعتهم بقدِّ قمصانهم من قُبلٍ دلالة على مواجهتهم الموت بنفوس مطمئنة, ثم يشبّه تسابقهم إلى الموت بركض النبي أيوب (ع) إلى مغتسله بركضهم إلى الجنان وحوض الكوثر:

فـانـظـر لأجـسـادِهـم قد قدَّ من قُبلٍ      أعـضـاؤهـا لا إلـى الـقــمصانِ والأهبِ

كل رأى ضرَّ (أيوبٍ) فما ركضتْ      رجلٌ له غير حـوضِ الــكـوثـرِ الـعـذبِ

قامتْ لهمْ رحمةُ الباري تـمرِّضُـهمْ      جرحى فلم تـدعـهـمْ لـلـحــلفِ والغضبِ

وآنـسـينَ من الـهـيـجـاءِ نـارَ وغـىً      في جانبِ الطفِّ ترمي الشهبَ بالشهبِ

فـيـمَّـمُـوهـا وفي الأيمانِ بيضُ ظبا      ومـا لـهـم غـيـر نــصــرِ اللهِ مِـن أربِ

تـهـشّ فـيـهـا عـلـى آسـادِ مـعـركةٍ      هـشّ الـكـلـيـمِ عـلـى الأغـنـامِ لـلـعـشبِ

اذا انـتـضـوهـا بـجـمـعٍ من عدوِّهمُ      فـالـهـامُ سـاجـدةٌ مـنـهـا عـلـى الـتـربِ

ومـولـجـيـنَ نـهـارَ الـمـشـرفـيةِ في      لـيـلِ الـعـجـاجـةِ يـومَ الـروعِ والرهبِ

ورازقي الطيرَ ما شاءت قواضبُهم      مـن كـلِّ شـلـوٍ مـن الأعـداءِ مُـقتضب

ومـبـتـلـيـن بـنــهــرٍ مـا لـطـاعـمـهِ      مـن الـشـهـادةِ غـيـر الـبـعـد والـحجب

فـلـن تـبــلَّ ولا فـي غِــرفــةٍ أبـــداً      مـنـه غـلـيـلَ فـؤادٍ بـالـظـمـا عــطــب

وأرؤسٌ سـائـراتٌ بـالـرمـاحِ رمى      مـسـيـرهـا عـلـمـاءُ الـنـجـمِ بـالـعطبِ

تـرى نـجـومـاً لـدى الآفـاقِ سائرةً      غـيـر الـتـي عـهـدتْ بـالسبعةِ الشهبِ

كـواكـبٌ فـي سـمـا الـهـيجاءِ ثابتةً      سـارتْ ولـكـن بـأطـرافِ القنا السلبِ

وفي هذه القصيدة كثير من الاستعارات القرآنية منها:

حـتـى قـضـوا فــغــدا كل بمـصرعِـهِ      (سكــينة) وسـطَ (تابوتٍ) من الكثبِ

فـلـيـبـكِ (طـالوت) حـزنـاً للبـقيةِ مـن      قـد نـالَ (داودَ) فـيهِ أعظــمُ الـغـلـبِ

أضـحـى وكـانتْ لـه الأمـلاكُ حـاملةً      مـقـيَّـداً فـوقَ مـهـــزولٍ بـلا قــتــبِ

يرنو إلى (الـناشراتِ) الدمـعِ طـاوية      أضلاعــهنَّ على جـمـرٍ مـن الـنوبِ

و(العادياتُ) من الفسطاطِ (ضابحة)      و(الموريـاتُ) زنادَ الـحزنِ في لهبِ

و(المرسلاتُ) مــن الأجفانِ عبرتها      و(النازعــــاتُ) بروداً فـي يدِ السلبِ

و(الـذاريـاتُ) تـرابـاً فـوق أرؤسِـها      حـزنـاً لـكـلِّ صـريـعٍ بـالـعـرا تَـرِبِ

 وربَّ مرضـــــعةٍ منهنَّ قد نظرت      رضيعُها فاحصَ الرجلينِ في التربِ

تـشـوطُ عنــــــــهُ وتـأتـيـهِ مـكـابـدةً      مـن حــالـهِ وظـمـاها أعـظـمُ الكربِ

فـقـل (بـهـاجرَ) (إسماعيلُ) أحزنها      مـتـى تـشـطُّ عـنـهُ حـــرُّ الظما تؤبِ

ومـا حـكـتـــها ولا (أُمّ الكليمِ) أسىً      غـداة فـي الـيــمّ ألـقـتـهُ مـن الـطـلبِ

هذي إليها ابـنها قـد عـادَ مُـرتضعاً      وهـذه فـي سـقـي بـالـبـاردِ الــعــذبِ

وأيِّ أبياتٍ أدلّ من هذهِ على الحزن الذي أبكى الأنبياء على الحسين (عليه السلام) قبل مولده:

كـفـى بـيـومِـكَ حُـزنـاً أنـه بَـكـيـــت      لـه الـنـبـيـونَ قـدمــاً قـــبـل أن يـقِـعـا

بـكــــــاكَ آدمُ حـزنـــاً يـوم تــوبـتِـه      وكـنـتَ نـوراً بسـاقِ العرشِ قد سطعا

ونوحُ أبـكـيـــتـه شـجـواً وقــلّ بـأن      يـبـكـي بـدمـــعٍ حـكـى طـوفـــانَه دفعا

ونـارُ فـقـدِكَ فـي قلــبِ الخــليلِ بها      نـيـرانُ نمــــــرودَ عـنـه اللهُ قـد دفـعـا

كـلـمّـتَ قـلـبَ كلـيمِ اللهِ فانـبـجـستْ      عـيـنــاه دمـعـاً, دمـاً كـالـغيثِ مُنهمعاً

ولـو رآكَ بـأرضِ الـطــفِّ مُـنفرداً      عـيسـى لمـا اخـتـارَ أن ينـجو ويرتفعا

ولا أحـب حـيـاةً بــعـد فـــقـــدِكـــمُ      ومـا أرادَ بـغـيـرِ الـطـفِّ مـضـطـجـعا

وفي قمة ثائرته في استرساله يطلق شاعرنا هذه الصرخة المدوّية:

عُجْ بالمدينةِ واصرخْ في شوارعِها      بصرخةٍ تملأ الـدنـيـا بـهـا جـزعــا

نادِ الذينَ إذا نـادى الصريـــــخُ بهم      لبّوه قبلَ الصـدى من صوتِهِ رجعا

يكـادُ يـنـفـذُ قـبـل الـقـصـدِ فـعـلـهـمُ      لـنـصـرِ مـن لـهـمُ مـسـتـنجداً فزعا

فلتـلطمُ الخيــــلُ خدُّ الأرضِ عاديةً      فـإنَّ خـدَّ حـسـيـنٍ لـلـثـرى ضـرعاً

ولتملأ الأرضَ نعياً فـي صوارِمكم      فـإنَّ ناعي حسينٍ في السـمـاءِ نعى

ولتذهلَ الـيـومَ مـنـكـمْ كلُّ مرضعةٍ      فـطـفـلــه مـن دمـا أوداجِـهِ رُضـعا

وتظل تلك الرزايا تعيش مع الشاعر تؤرقه فلا يجد لها عزاءً سوى البكاء, فهو يراها في حمرة السماء وفي البرق والرعد:

وأنا الـذي لـم أجـــزعـنْ لــرزيــةٍ      لـولا رزايـاكـمْ بــنــي يــاســيــنِ

تـلـكَ الـرزايـا الـبـاعثاتُ لمهـجتي      مـا لـيـسَ يـبـعـثـه لـظـى سـجّـينِ

كـيـفَ الـعـزاءُ لهـا وكـلُّ عــشـيّـةٍ      دمـكـمْ بـجـمـرتِـها السماءُ تُريني

والبرقُ يذكرني ومـيـضَ صـوارمٌ      أردتـكـمُ فـي كــفِّ كـلِّ لــعــيــنِ

والرعدُ يُعربُ عن حنينِ نـسـائِـكمْ      فـي كـلِّ لـحـنٍ لـلـشـجـونِ مـبينِ

يـنـدبـنَ قـوماً مـا هـتـفـنَ بـذكـرِهم      إلا تـضـعـضـعَ كـلّ لـيثِ عرينِ

الـسـالـبـيـنَ الـنــفـسَ أوّلَ ضـربـةٍ      والـمـلـبـسـيـنَ الموتَ كـلَّ طعينِ

لا عيبَ فيهم غير قـبـضِـهـمُ اللوى      عندَ اشتباكِ السمرِ قبضَ ضنينِ

سـلـكـوا بــحــاراً مـن دمـاءِ أمـيـةٍ      بـظـهـورِ خـيـلٍ لا بـطـونَ سفينِ

لو كـل طـعـنـة فـارسٍ بــأكــفِّــهـم      لـم يُـخـلـقُ الـمـسـبـارُ للـمطعونِ

حتى إذا الـتـقـمـتهمُ حـوتُ القـضـا      وهـيَ الأمـانـي دونَ كــلِّ أمـيـنِ

نـبـذتـهـمُ الـهـيـجـاءُ فوقَ تِـلاعِــها      كـالـنـونِ يَـنـبـذُ بالعرى ذا النونِ

فـتـخـالَ كـلاً ثــمّ يــونـسَ فــــوقـه      شـجـرُ الـقـنـا بـدلاً عـن اليقطينِ

خـذ فـي ثـنـائِهمُ الـجـميـلِ مُـقرِّضاً      فـالـقـومُ قـد جـلّـوا عـن الـتـأبينِ

همْ أفضلُ الشهداءِ والقتلى الأولـى      مُـدحـوا بـوحي في الكتابِ مبينِ

لـيـتَ الـمواكب والوصيُّ زعيمُـها      وقـفـوا كـمـوقفِـهـم عـلى صفينِ

بالطفِّ كي يروا الأولى فوق القـنا      رفـعـتْ مـصـاحِـفها اتقاءَ منونِ

جعلتْ رؤوسَ بني الـنـبيِّ مـكانـها      وشـفـتْ قـديـمَ لـواعجٍ وضغونِ

وتـتـبّـعـتْ أشـقـى ثـمـودَ وتـــبَّـــعٍ      وبـنـتْ عـلـى تـأسيسِ كلِّ لعينِ

ويتخيل الكواز حنو رسول الله وشفقته وعطفه على أولاد جعفر بن أبي طالب وبكاءه على عمه الحمزة لو يبعث ليرى ما جرى على سبطه وحبيبه الحسين في كربلاء ويرى أهل بيته سبايا:

لـو ان رسـولَ اللهِ يَـبـعـثُ نــظــرةً      لرُدّت إلى إنـسـانِ عـينِ مُؤرقِ

وهـانَ عـلــيــه يـوم حـمـزةَ عـمِّـه      بيومِ حسـيـنٍ وهوَ أعظمُ ما لقي

ونالَ شـجـىً من زينبٍ لم ينله من      صـفـيّـة إذ جاءت بدمعٍ مرقرقِ

فكمْ بينَ مَن للخدرِ عادتْ مصونةٌ      ومَنْ سيَّروها في الـسـبـايا لجُلّق

وليتَ الذي أحنى عـلى ولدِ جعفرٍ      بـرقــةِ أحــشــاءٍ ودمــعٍ مــدفَّـقِ

يرى بين أيدي القومَ أبناءَ سـبـطِه      سبـايا تهادى من شقيٍّ إلي شقي

وريَّـانـة الأجـفـانِ حـرَّانةَ الحشى      ففي محرقٍ قامتْ تنوحُ ومُغرقِ

وهكذا يمضي الشاعر صالح الكواز الحلي على هذه الوتيرة في رثائه المفجع من قصائده الحسينية التي احتلت أغلب ديوانه الذي يضم حوالي 1500 بيت ليبقى سجلاً خالداً على جبين الدهر.

توفي الشيخ صالح عن (57) عاما في الحلة ودفن في النجف الأشرف وأقيمت له مجالس العزاء والفاتحة من قبل العلامة الكبير مهدي القزويني وقد رثاه نخبة من شعراء عصره, وكتبت عنه دراسات عديدة في خصائص شعره ومميزاته.

محمد طاهر الصفار

............................................................

1 ــ مقدمة ديوان الكواز ص 8

2 ــ نفس المصدر

3 ــ دمية القصر في شعراء العصر

4 ـــ أعيان الشيعة ج ٧ ص ٣٧٨

5 ــ مقدمة ديوان الكواز

6 ــ أدب الطف ج 7 ص 316

7 ــ أعيان الشيعة / السيد محسن الأمين ج ٤ ص ٢٨١

8 ــ الحسين في الشعر الحلي ج 1 ص 201

9 ــ بحث تحت عنوان (القرآنية في علويَّات الشيخ صالح الكوَّاز الحلي) نشر في مجلة أهل البيت عليهم السلام العدد 6

كما ترجم للشاعر الشيخ محمد السماوي في الطليعة من شعراء الشيعة ج 1 ص 258 ــ 275 / والشيخ محمد حرز الدين في معارف الرجال ج 1 ص 376 / والدكتور محمد مهدي البصير في نهضة العراق الأدبية ص 92

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً