255 ــ صالح القزويني: (1208 ــ 1306 هـ / 1793 ــ 1888 م)

موسوعة الامام الحسين

2020-12-10

280 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) تبلغ (54) بيتاً:

للهِ أقـــمـــارٌ أفــــلـــنَ بـ (كــربــلا)      ولها بيـثـربَ والمحصَّبِ مَطلعُ

أنستْ بهم أرضُ الطفوفِ وأوحشتْ      هضـباتُ يثربَ والمقامُ الأرفعُ

طُفْ بيَّ على فـلكِ الطفوفِ وقُل له      مسـتعبراً أعلمتَ من بكَ مُودعُ

وقال من أخرى في مدح الإمام محمد الجواد (عليه السلام) تبلغ (64) بيتا:

فطوسٌ لكم والكرخُ شجواً و(كربلا)      وكـوفـانُ تـبـكي والبقيعُ وزمزمُ

وكـم قـد تـعـطّـفـتـمْ عـلـيـهـمْ ترحُّماً      فلمْ يعطفوا يوماً عليكمْ ويرحموا

وكـمْ مـأتـمٍ حُــزنــاً عــلـيـهِ أقـمْـتـه      تـمـيـدُ لـه رضـوى ويلوى يَلملمُ

الشاعر

السيد صالح القزويني النجفي شاعر غرس يراعه بمداد العلم، وعالم سطع نجمه في دنيا الأدب، فبلغ الغاية القصوى في نبوغه العلمي وتضلّعه الأدبي، ومثلما كان يرفد الساحة العلمية بمؤلفاته فقد كان يتحف الساحة الأدبية بما تجود به قريحته من أشعار رائقة، فكان له شأناً كبيراً على الساحتين.

ولد في النجف الأشرف ونشأ في أسرة علمية علوية شريفة وبيئة تحفها العلوم والآداب فهو من أسرة لها في مضماري العلم والأدب باع طويل وجذور عميقة, فجدّه السيد رضا القزويني من كبار العلماء ومن أقران العلامة الكبير الشيخ مهدي الفتوني أستاذ بحر العلوم وكاشف الغطاء.

برز في أسرة القزويني كبار العلماء والشعراء والخطباء وبقيت هذه الأسرة الكريمة تنجب أعلام العلم والتقى والأخلاق والأدب ومن أبرزهم السيد صالح الذي كان شعلة علمية وأدبية في هذه الأسرة وبقيت هذه الشعلة وقّادة بما أنجبه من الأعلام، فكان للجو العلمي والأدبي تأثيره المطلق على هذه الأسرة فضلاً عن الروح الإسلامية الولائية التي تغمره والتي توشحت بحب أهل البيت (عليهم السلام) فقد سلك نجلا السيد صالح القزويني راضي وحسين مسلك أبيهما فكانا من كبار الشعراء في قافلة شعراء أهل البيت (عليهم السلام).

نسبه الشريف

هو السيد صالح بن مهدي بن رضا بن محمد علي بن محمد بن محمد علي بن مير قبا بن محمد بن عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن علي بن زيد بن علي بن يحيى بن علي بن محمد بن أحمد بن محمد صاحب دار الصخرة في الكوفة بن زيد بن علي الحماني الشاعر بن محمد الخطيب بن جعفر الملقب بالشاعر ابن محمد بن زيد الشهيد بن الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).

نشأ القزويني في النجف الأشرف ولا ينكر ما لهذه المدينة من أثر كبير على العالم الإسلامي فهي مركز إشعاع علمي وأدبي بارز على مدى العصور, فدرس العلوم الدينية على جماعة من العلماء وعلى رأسهم أستاذه الشيخ محمد حسن الجواهري صاحب كتاب (جواهر الكلام) الذي عرف به وكان أقربهم إليه وأعمقهم أثراً في نفسه وقد تزوج القزويني ابنته. وولد له خمسة أولاد وست بنات حذا منهم اثنان حذو أبيهما في الشعر هما: السيد راضي والسيد حسين المشهور بالسيد (حسون)، وبرز آخر في ميدان العلم والفقه هو السيد مهدي المتوفى سنة 1257هـ.

وكان للأثر العميق من قبل الأستاذ صاحب الجواهر في نفس التلميذ القزويني انعكاساً على مؤلفاته, فبدأ رحلته العلمية مع التأليف ومن أهم مؤلفاته: مؤلف ضخم في ثلاثة مناهج وخاتمة اسمه: تاريخ أحوال سيد الوصيين أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم أقبل على الشعر إقبالاً شديداً غطى على مؤلفاته حتى عُرف شاعراً كبيراً.

هاجر السيد صالح القزويني إلى بغداد وسكن فيها مرجعاً كبيراً رجعت إليه الناس في أمورها فكان شعلة هدى ومصباح رشاد تقتدي الناس بعلومه, كما كان لوجوده في بغداد أثراً كبيراً في استبصار كثير من المذاهب الأخرى وتشيّعهم بفضل علمه الواسع الغزير وأخلاقه الرفيعة وقد رغب بالعودة إلى مسقط رأسه النجف الأشرف فالتمسه وجهاء الكاظمية وبغداد بالبقاء فاستجاب لطلبهم فبقي معهم حتى وافاه الأجل في بغداد.

كلمات الأعلام

قال عنه السيد الأمين: (وكان شيخاً جهبذاً كثير الشعر جيده حسن الكلام مجيد الوصف وله قصائد في مدح أئمة أهل البيت الطاهر ومراثيهم …) (1)

كما قال عنه أيضاً: (السيّد صالح بن السيّد مهدي الحسينيّ القزوينيّ الأصل البغداديّ المسكن، فقيه وأديب كبير، كثير الشعر جيّده حسن الكلام، وله قصائد في مدح الأئمّة الأطهار عليهم السّلام ومراثيهم، استوفى فيها شيئاً من فضائلهم ومعجزاتهم. له (الدرر الغروية في أئمّة البريّة) وهو ديوان شعر يشتمل على أربع عشرة قصيدة، كلّ قصيدة في إمام). (2)

وقال عنه السيد جواد شبر: (من أعلام العلماء والشعراء نشأ على حبّ العلم إلا أنه اشتهر بمقارضة الشعر وكان وقوراً جميل الهيئة قوي العارضة حسن المعاشرة لطيف المحاظرة ….)  (3)

وقال عنه رضا كحالة: (من شعراء العراق الإمامية). (4)

وقال عنه الزركلي: (شاعر إمامي) (5)

كما ترجم له وأثنى عليه الشيخ المحقق الكبير محمد صادق الكرباسي (6)

وجاء في ترجمته أيضاً: (كان عالماً فاضلاً جليلاً مهيباً جامعاً لأشتات الفضائل والمكارم، وكان أديباً شاعراً فقيهاً محاضراً في الأدب. وكانت دراسته في الفقه والاُصول على الشيخ مرتضى الأنصاري. من آثاره رسالة في الفقه ، مقتل عليّ أمير المؤمنين عليه السلام، ومجموعته الشعرية ...).

الدرر الغروية

تميّز شعر القزويني بصدق العاطفة والإخلاص في الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) وخاصة في مراثيه الحسينية التي أكدت صدق عاطفته بقدر إجادته في تقديم الأنموذج الراقي لمراثي الإمام الحسين (عليه السلام) مضيفاً لمساته الإبداعية التي أكدت تفوّقه في هذا الفن فلم يمدح أو يرثي لأجل الشهرة ولا غيرها بل دل شعره على إيمانه بمنهج أهل البيت وإخلاصه وحبه لهم, ويؤكد القزويني ذلك في مقدمة (الدرر الغروية في أئمة البرية) وهي مجموعة قصائد طويلة جداً له في مدح ورثاء أهل البيت (عليهم السلام) حيث يقول:

(إني مُذ علقت أناملي بأهداب عيون الآداب، واجتليت من تلك الفنون لباب الألباب, ووصل إليَّ ما انتهى لموالينا الأئمة الأطياب من شديد المصاب الموجب لتخليد الحزن والاكتئاب إلى يوم النشر والحساب, وتصفّحت ما ورد من فضائلهم عن طريق السنة والكتاب, وتلوت ما رُوي عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه وعلى آبائه وأبنائه أفضل التحية والصلاة والسلام، إنه قال: (بنى الله بيتاً في الجنة لمن قال فينا بيتاً من الشعر ولو كان ملحوناً), لم أزل أتشوّق لرثاء سادات البشر بقصائد أربعة عشر عدد أولئك الميامين الغرر وتشتمل كل واحدة على نشر فضائل من نسبت إليه وذكر بعض مما وقع فيه).

ديوانه

أما ديوانه الكبير فقد جمعه العالم الشاعر الشيخ إبراهيم صادق العاملي وكتبه بخطه وترجم للشاعر ترجمة مُفصلة، وهذه النسخة اشتراها الأب أنستاس الكرملي ثم انتقلت بعد موته إلى مكتبة دار الآثار العامة ببغداد مع أكثر من ألف وخمسمائة من مخطوطات كتب الكرملي.

يقول السيد جواد شبر: رأيته في مكتبة دار الاثار برقم ١٢٢٠ ويحتوي على عشرة آلاف بيت، كما قام البحاثة الشيخ محمد السماوي أيضاً بجمع ديوانه وديوان ولده السيد راضي المتوفي في حياة أبيه سنة ١٢٨١ هـ من ضمن عشرات الدواوين التي جمعها السماوي، أما (الدرر الغروية) التي احتوت على أربعة عشر قصيدة على عدد المعصومين (عليهم السلام) فقد طبع منها خمس قصائد الأولى والتي تختص بالخمسة أصحاب الكساء (عليهم السلام).

وأغلب شعر السيد صالح القزويني هو في مدح ورثاء أهل البيت فقد أحصي مجموع شعره في ديوانه الدرر الغروية (2820) بيتاً منها (275) بيتاً في النبي (صلى الله عليه وآله) و(175) بيتاً في الزهراء وفي أمير المؤمنين (283) وفي الإمام الحسن (151) وفي الإمام الحسين (126) مئة وستة وعشرين بيتاً.

قراءة في خصائص شعره

تميّزت قصائد القزويني بالثراء وكثرة التفاصيل وغزارة الموضوع وتنوّع المفاصل وهذا يدل على إلمام الشاعر بحياة أهل البيت (عليهم السلام) وسيرتهم فضلاً عن امتلاكه نفساً طويلاً وقدرة على الانسجام في القصيدة فقد احتوى ديوانه على قصائد مطولة لم تفقد جزالتها وبلاغتها حتى آخر بيت، يقول في قصيدته اللامية التي بلغت مائتان وخمسة وسبعون بيتاً في مدح النبي (ص) ورثائه:

أيــنَ مـن يـثـربَ الأثــيــرُ جــلالا      وهـو نـورُ مـن نـورِهـا يتلالا

قـد تـجــلَّـــــت مـلائــكُ اللهِ فــيــه      وتـجـلّـى لـهـا الـمـلـيـكُ تـعالى

وإلـيـهـا الأمـلاكُ تـهــبــطُ مـــنــه      تـبـتـغـي مـن مـلـيكِها الإجلالا

أو مـا حـلّ سـيـدُ الـرســلِ فــيــهـا      من بهِ الرسلُ حازتِ الإرسالا

كيفْ لم تفتخرْ على العرشِ أرضٌ      حـوتِ الـطـهـرَ أحـمـداً والآلا

قد تـجـلّـت مـن نـورِه نـارُ موسى      ولـه خــرّ يـــوم دكّ الـجــبــالا

فالشاعر هنا ينهل من موارد ثقافته العلمية ليُغنِي طابعاه الأدبي فلألفاظ (نور، الأملاك، المليك، العرش) لها دلالات عميقة تشير إلى منزلة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله), والأرض هنا تفخر على العرش لأنها حوت سيد المخلوقات قاطبة والعرش من ضمن المخلوقات كما إن النار التي تجلت لموسى (عليه السلام) هي قبس من نور محمد الذي هو نور الله تعالى، ثم يقول الشاعر:

بـشّـرتْ قـومَـهـا بـه رســـلُ الله      وأوصـتْ بــودِّه الأجـيـالا

مـا عـلـيـهـم أعــلّاه إلا لــعــلـمٍ      إنـه خـيـرُهـم لـه أعــمــالا

ثـم لـمّـا أرادَ أن يــرحــمَ اللهُ الـ      ـورى وهو راحمٌ لنْ يزالا

أرسلَ المصطفى على فترةٍ من      رسـلِـهِ هـاديـاً بـه الـضُّلّالا

فالشاعر هنا يؤكد من خلال ذكره لبعض معاجز وفضائل الرسول الكريم محمد على مكانته العظيمة عند الله وأنه وصل إلى مرتبة لم يصل إليها نبيٌّ من الأنبياء وإن الله تعالى عندما أراد أن يرحم الناس أرسل إليهم من كان بهم (رؤوفاً رحيماً) وعلى هذا النسق يسترسل الشاعر في تعداد مزايا وصفات الرسول وفضائله وعندما ينتقل إلى رثاء النبي (ص) يقول:

كان غيثاً على النواحي ولمّا      أن تجلّى منها النواحُ، أطالا

كان للدينِ عصمةً، للمنـوبيـ      ـن غـيـاثـاً، للـمرمِلينَ ثُـمالا

كـانَ للهِ فــي بــريَّـتـهِ ظــلّا      بـه الله يــصــرفُ الأنــكـالا

أما في مدح أمير المؤمنين (عليه السلام) فتبرز لنا عينيته الطويلة والتي تبلغ (283) بيتاً، والتي يقول فيها:

سَـلْ أهـلَ بـدرٍ مـن أطـلَّ دماءَها      ولـوَى لـواهـا والأســنــةُ تــشـرعُ ؟

وسـلِ ابـنَ ودٍ مـن سـقـاهُ بـسـيفه      كأسَ الردى والشوسُ عنه تتعتعوا ؟

سـلْ مـن وقـى نفسَ النبيِّ بنفسِهِ      بـمـبـيـتـهِ والـمـشـركــونَ تـجـمَّعوا ؟

مـن سـارَ جهراً بالفواطمِ مُرغِمَاً      آنـافَـهـم يـقـفـو الـنـبـيَّ ويــتــبـــــعُ ؟

من كانَ يومَ الفتحِ يحملُ رايةَ الـ      إيـمـانِ يـحـطـمُ بـالـسـنـانِ ويـقـرعُ ؟

وسلِ الجحافلَ في حُنينٍ من رسا      قـدمـاً يـذبُّ عـن الـنـبـيِّ ويــدفـــعُ ؟

سلْ خـيـبراً من قدَّ مرحبَها ومن      لـحـمـاتِـهـا كـأسَ الـحِـمـامِ مُـجرّعُ ؟

والملاحظ في هذه الأبيات أن الشاعر أتى بالاستفهام المتكرر (مَن) للتعظيم فهو يذكر تلك الوقائع مشيراً إلى بطلها وهو يؤكد جملة من الحقائق تتعلق بشجاعة الإمام علي (ع) الذي تحققت على يديه كل هذه الانجازات العظيمة للإسلام فيما عجز غيره عن إتيانها ثم ينتقل الشاعر إلى ما جاء في حق الإمام علي في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، فيقول:

سَلْ هل أتى والعاديات وعمّ والـ      ـسورات فهي بمدحه لك تصدعُ ؟

سَـلْ مَـنْ بـخـاتمِهِ تصـدّقَ راكعاً      وبـه الـحـصـى لـلـوالـبـيـة تطبعُ ؟

سَلْ يـومَ خُـمٍّ مَن بـفـرضِ ولائهِ      لو تـسـمـع الـصـمَّ الدعاء إذا دعوا

يا قومِ إنِّي ظاعنٌ عـنـكمْ إلى الـ      ــرحـمـنِ والـثـقـلـيـنِ فـيـكمْ مُودِعُ

فاستمسكوا بهما فطوبى لامرئ      مـسـتـمـسـكٌ يـوم الـخـلائـقِ تـجمعُ

وعماد هذه الأبيات ومحورها هو أفضلية الإمام علي (عليه السلام) وأحقيته بالأمر بعد الرسول ويؤكد الشاعر هذه الأحقية بكتاب الله وأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) وخاصة حديث الغدير وحديث الثقلين فهي نصوص صريحة على خلافته بعد رسول الله.

أما في حق الزهراء (سلام الله عليها) فلشاعرنا لامية عصماء تبلغ مائة وخمس وسبعين بيتاً، يقول فيها:

فاطمٌ بضعتي ومن ساءها      منكمُ فقد ساءني وساءَ الجليلا

أنا من فاطمٍ وفـاطـمُ منّي      قـالـهـا أحـمـدٌ لــهــا تـبـجـيـلا

مكثت بعده قليلاً فـقـاستْ      من عداهُ شجىً وحـزناً طويلا

تضمّنت هذه الأبيات إشارة إلى أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) بحق ابنته الزهراء (عليها السلام) ومنزلتها عنده وقد جعل الشاعر منها دخولاً إلى الفجيعة التي جرت عليها بعد وفاة أبيها، ثم يقول في رثائها:

إنّ يومَ البتولِ أجرى عيونَ الآ      لِ شـجـواً دمــاً ودمـعــاً هــمـولا

إنّ يومَ البـتـولِ أورثَ قلـبَ الـ      ـديــنِ والـمـسـلـمـيـن داءً دخـيـلا

إنّ يـومَ الـبــتـولِ أبـكـى عـلـياً      وبــنــيــهِ والـرسـلَ والـتـنـزيـــلا

طـالـمـا فـي الـظلامِ لله صـلَّت      وإلــيــه تــبــتّــلــتْ تــبــتــيـــــلا

كمْ لها في الزمـانِ آياتُ فضلٍ      ضاقَ فيها الزمانُ عرضاً وطولا

في الأبيات الثلاثة الأولى يتكلم الشاعر بلسان أهل البيت (عليهم السلام) وخاصةً على لسان الإمام علي وبنيه في إشارة إلى اشتراك الآخر ــ المتلقي ــ في الحزن والفجيعة، أما البيتان الأخيران فإشارة إلى عبادة الزهراء وفضلها، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة.

وللقزويني في مدح الإمام الحسن (عليه السلام) وذكر نبذة من فضائله قصيدة بائية تبلغ (151) بيتاً، يقول منها:

إمـامٌ عـلـى الـدنــيـــــا أطـلَّ نــوالُــه      وأخـصـبَ فـيـه كتلُّ أقـفـرَ أجــدبِ

تـجـلّـى عـلـى الإسـلامِ كـوكبُ سعدِه      فـأشـرقَ مـن أنــوارِهِ كـلُّ كـوكـبِ

وقـامَ مـقـامَ الـمـرتـضـى فـي دفـاعِه      عن الدينِ بالحربِ العوانِ المعطبِ

بعزمٍ كعزمِ المصطفى يصدعُ الصفا      وحـزمٍ كـحـزمِ الـمـرتـضـى متلهِّبِ

تتجلى في هذه الأبيات المكانة الطبيعية للإمام الحسن (عليه السلام) بعد أبيه بنصِّ حديث الرسول في تنصيب الأئمة من بعده كما تتجلى الإشارة أيضاً إلى وراثته الصفات النبوية والعلوية ولكن هذه المكانة لسبط النبي لم يراعِ لها بنو أمية حق ولا حرمة، يقول القزويني:

وما هوّمتْ حتى قضى السبط نحبَه      ونـالـتْ بـه أقـصـى مـرامٍ ومأربِ

وقـد أثـبـتـتْ سـبـعـيـنَ سهماً بنعشِه      بتـجـديـدِه عـهـدَ الـحـبـيبِ المقرّبِ

فـهـل عـلـمـتْ أكنافُ مكةَ ما جرى      على الحسنِ الزاكي بأكتافِ يثربِ

في هذه الأبيات يدير الشاعر دفة الحزن والأسى إلى عملية دفن الإمام الحسن (عليه السلام) وذلك عندما أراد بنو هاشم أن يدفنوه قرب جده النبي (صلى الله عليه وآله) فهو أقرب الناس إليه لكن بني أمية عارضوهم ورموا النعش بالسهام وكادت أن تنشب الحرب لولا وصية الإمام الحسن لأخيه الحسين بعدم سفك قطرة دم واحدة في دفنه وهذا دأب أهل البيت في حقن دماء المسلمين, ويصور الشاعر هنا النعش وقد ثُبِّت به سبعين سهماً وهذا التصوير يعطي عمقاً مأساوياً للأسى والفجيعة.

أما رثاء القزويني للإمام الحسين (عليه السلام) فقد تعدَّدت موضوعاته وألمّت بجزء كبير من أحداث كربلاء، فقد ذكر أحداث الطف وتفاصيلها فرثى الحسين وبكى لمأساته وقلة انصاره وظمأه وصبره، كما صوّر مأساة أخته زينب بطلة كربلاء ودورها في رعاية السبايا كما وصوّر الموقف الخالد لأبي الفضل العباس مع أخيه الإمام الحسين (عليهما السلام)، يقول القزويني في ميميته التي بلغت (126) بيتاً:

فـكـأنّـه والـصــحــبُ مُـحـدقـةٌ بـه      قـمـرُ الـسـمـاءِ بـهِ تـحفُّ نجومُها

وفوارسُ السمرِ اللـدانِ سـمـيـرُها      في الروعِ والبيضُ الرِّقاقُ نديمُها

لم يـثـنـها وقعُ الصـوارمِ والـقـنــا      فـكـأنّـمـا زُبَـرُ الـحـديـدِ جـسـومُها

تـنقضُّ بـالـبيضِ الصفاحِ كـأنّـهـا      شـهـبٌ بـها لـلـمـارديــنَ وجـومُها

وأسودَّ من ليلِ الـعجـاجِ نـهـارُها      واحـمـرَّ من فـيـضِ الدماءِ أديـمُها

بـأبـي الـذي وَاســا أخاهُ بنـفـسِــهِ      لمّا عراهُ من الخطوبِ عـظـيـمُـها

يلقى الكـمـاةَ الدارعـيـنَ بـصارمٍ      مـهـجُ الـكـمـاةِ بـه تـفـيضُ كلومُها

حتى هوى قمرُ الـهدى من هاشمٍ      فـوق الـثـرى فهوتْ عليه نجومُها

يستمد الشاعر في هذه الأبيات مقومات الإشادة بأصحاب الحسين وأهل بيته (عليهم السلام) وخاصة بطل العلقمي أبي الفضل العباس (عليه السلام) من قول الإمام الحسين حين خاطبهم قائلاً:

إني لا أعلم اصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبرَّ وأوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني جميعاً خيراً.

فهؤلاء الرجال الأبطال موفورو الإيمان على أتم الاستعداد لبلوغ أعلى ما يشهده المؤمن الكامل اليقين.

ثم يتعرض القزويني لشجاعة الإمام الحسين التي أذهلت الأعداء وهو يواجه جيشاً بمفرده واهباً الأجيال أروع دروس الإباء والتضحية، فيقول:

ورأى الحياةَ على الـهـوانِ ذميمةً      وكـذا بـه مـحـمـودُها مذمومُها

يـلـقـى الـجموعَ بمـثـلِها من نفسِهِ      عند الهجومِ فلمْ يرعْه هجومُها

وإذا الجـنـودُ تـكـاثرت لم يكترثْ      أو صـمّـمـتْ لم يثنِهِ تصميمُها

يثني الخيولَ على الخيولِ بعزمةٍ      عـلـويـةٍ فـأخـيـرُهـا قـيـدومُـها

فغدتْ جموعهمُ وقد ملأوا الفضا      بدداً تطايرُ كالرؤوسِ جسومُها

والشاعر هنا يستذكر هذا الموقف الخالد موظّفاً المبادئ الحسينية وموضحاً إن الإمام الحسين رمز البطولة والتضحية والفداء وخلاصة الشجاعة والبأس ومعلم الثوار الأحرار جميعاً.

وفي عينيته يقرن الشاعر بين منزلة الإمام الحسين العظيمة وما جرى عليه من مآس وفجائع، فيقول:

طُفْ بيَّ على فلكِ الطفوفِ وقُل له      مستعبراً أعلمتَ من بكَ مُـودعُ

فـيـكَ الإمـامُ أبـــو الأئـمـةِ والــذي      هـوَ لـلـنـبـوّةِ والإمـامــةِ مجـمعُ

مـولـىً بـتـربـتـه الـشفاءُ وتحت قبَّـ      ـتِهِ الـدعـاءُ لـكـلِّ داعٍ يــســمـعُ

فـيـكَ الـذي فــيـه الـنــبـيُّ مــوكّــلٌ      والطهرُ فاطمُ والبطينُ الأنـزعُ

فـيـكَ الـذي أشـجـى الـبتولَ ونجلَها      ولـه الـنـبـيُّ وصـنـوُه مـتـفـجّعُ

فـحـيـاةُ أصـحـابِ الـكـسـاءِ حـيـاتُه      وبيومِ مصرعِهِ جميعاً صُرِّعوا

إن أهم ما يتجسّد في هذه الأبيات هو الارتباط الوثيق بين الإمام الحسين وأصحاب الكساء (عليهم السلام) فهو امتداد طبيعي لدعوة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) ويؤكد ذلك الحديث الشريف: (حسين مني وأنا من حسين) وهو لذلك أبو الأئمة من ولده.

وللقزويني في رثاء أهل البيت (عليهم السلام) من قصيدة طويلة:

بـلـى شـجـيـتُ ولا أنــفــكُّ عـن شــجـــنٍ      لما شجى عترة الهادي الميامينا

عرِّج على الطفِّ من شاطي الفراتِ ونُح      على كرامٍ قضوا بالطفِّ ظامينا

وعُـج إلـى يـثـربٍ وابـكِ الــنــبــيَّ بــهــا      وفـاطـمـاً وبـنـيـها المستضامينا

وانـحِ الـغـريـيـنِ مـن كــوفــان مـنـتـدبــاً      أبـا الأئـمـةِ جـارُ الـمـسـتـجارينا

ونجد في قصائد القزويني جانباً آخر هو جانب الأخذ بالثأر من أعداء أهل البيت على يد الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وغالباً ما يضمِّن الشاعر هذا الجانب في أبيات تأتي في آخر القصيدة ويعبر الشاعر من خلالها عن ولائه لأهل البيت (ع) انطلاقاً من التبرئة من أعدائهم، فيقول:

يومَ بالـثـأرِ ينهضُ المرتجى للـ      ثــأرِ بــالـسـيـفِ لـلـعِـدى قـتـالا

أصـيـدٌ مـن بني النبيِّ يُرى في      وجـــهِـــه نـورُ جــدِّه يـــتـــلالا

غامداً في النحورِ بيضاً صقالاً      راكزاً فـي الصدورِ سمراً طوالا

عاقداً رايـة الـهـدى نـاشـراً للـ      أمـنِ مـن بــعــد طــيِّـهِ سِـربــالا

ثم يطلق صرخة مستغيثاً:

يـا إمـامَ الـهُـدى إلـى مَ نقاسي      والهدى بانتظارِكَ الأهوالا ؟

غـلـلـونـا وقــيــدونــا فــأدرِكـ      نا وفُـكّ الــقـيـودَ والأغــلالا

كم على بعدكَ احتملنا الرزايا      مـن أعاديكَ لا تطاقُ احتمالا

وهذه الأبيات لا تحتاج إلى توضيح، ولنستمع إليه وهو يئن في استنهاضه الإمام المهدي ليغيث أمّة جده:

فإلى متى يا ابنَ النبيِّ محمدٍ      تغضي عن الشكوى وإنَّكَ تسمعُ

إنْ لم تغثْ بالسيفِ أمتَه ولم      تـفـزعْ عـداهُ فـمـنْ يغيثُ ويُفزعُ

دمـكـمْ أطـلـوهُ ومـنبرُ جدكمْ      ظـلـمـاً عـلـوهُ وفـيئكمْ قد وَزَعوا

أخذوا بأقطارِ البلادِ ولم نجدْ      إلّاكَ مُـعـتـصـمـاً يـجـيـرُ ويمنعُ

وله مقاطع كثيرة على هذا النحو من الاستغاثة بالإمام المهدي كما هناك جوانب أخرى لا يسع المجال لذكرها تركناها خشية الإطالة.

توفي القزويني في بغداد ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف فدفن فيها قرب والده الذي توفي سنة 1300هـ .

وقد رثاه العديد من الشعراء منهم السيّد حيدر الحلّي بقوله:

ومجدِكَ ما خلتُ الرّدى منكَ يقربُ      لأنّكَ في صدرِ الردى مـنه أهيـبُ

أصابَكَ لا من حيث تــخشى سهامُه      عليكَ ولا من حيث يقوى فيشغبُ

ولـكـن رمـى مـن غـرّةٍ ما أصابـها      بـمـثـلـكَ رامٍ مـنـه يـرمي فيعطبُ

وما خـلـتُ مـنكَ الداءُ يبلغُ ما أرى      لأنّـكَ لـلـدهـرِ الـدواءُ الــمــجـرّبُ

ولا فـي فـراشِ الـسقـمِ قدّرتُ أنّني      أرى مـنـكَ طـوداً بـالأكـفِّ يُـقـلّبُ

أمـنـتُ عـلـيـكَ الـنـائـبــات وأنّـهـا      لـعَـنْ كـلّ مَــن آمــنــتــه تــنــكّـبُ

وقلـتُ شـغلنَ الدهرَ في كلّ لحظةٍ      مـواهـبُ كـفّـيـكَ التي ليـس توهبُ

ولم أدر أنّ الـخـطـبَ يـجمعُ وثبةً      وأنّ عـشـارَ الـمـوتِ بالثكلِ مقربُ

إلـى حـيـن أردتـنـي بـفـقـدِكَ لـيلةٌ      تولّد مـنـهـا يـومُ حـزنٍ عصبصبُ

فـقـامَ بـكَ الـنـاعـي وقالَ وللأسى      بـكـلِّ حـشـاً يُـدمـيـه ظـفرٌ ومخلّبُ

هـلـمَّ بـنـي الـدنـيا جميعاً إلى التي      تـزلـزل مـنها اليوم شرقٌ ومغربُ

محمد طاهر الصفار

.........................................................................................

1 ــ  أعيان الشيعة ج 7 ص 380 ــ 383 .

2 ــ المجالس السَّنيّة ج 2 ص 369

3 ــ  أدب الطف ج 8 ص 66

4 ــ معجم المؤلفين ج 5 ص 13

5 ــ الأعلام ج 3 ص 198 .

6 ــ معجم خطباء المنبر الحسيني ج 2 ص 187

7 ــ موسوعة الإمام الحسين عليه السّلام في الكتاب والسّنّة والتاريخ ص 167

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً